مقابر "داعش" وغزوة المالكي

الخميس 2014/01/16

كلما انسحبت “داعش” من مكان، كانت قد احتلته من قبل على الأراضي السورية يتم الإعلان عن اكتشاف مقبرة جماعية، غالبا ما يكون ضحاياها من المدنيين. فهل تمشي الجماعة الإسلاموية المسلحة بالموت لتنشره أينما تحل، رغبة منها في الانتقام العبثي من السوريين أم أن الموت كان قد اختارها في لحظة مبهمة من تاريخه لإنجاز ما عجزت ملائكته بالمفهوم الديني عن إنجازه؟

أفراد الجماعة وهم عبارة عن مرتزقة منوّمين بغواية الحكايات الجهادية التي ألصقت بالدين الإسلامي عنوة يميلون إلى الرأي الثاني. لقد اختارهم “الله” لتنفيذ إرادته، متناسين أن هناك أجهزة مخابرات تملي عليهم خرائط الطريق التي يجب أن يسلكوها من غير أن يحيدوا عنها، وأن هناك دولا لها أجنداتها السياسية الخاصة التي لا علاقة لها بالدين هي التي تقوم بتمويلهم بالسلاح والمال، وهي التي أشرفت ولا تزال تشرف على نقلهم أفرادا وجماعات إلى داخل الأرض السورية.

في كل مكان وطأته أقدامهم كان مجاهدو داعش يقيمون حفلات القتل والجلد في الهواء الطلق، ليظهروا أمام الأهالي قدرتهم على البطش والقمع والترويع، مبشرين بقيام دولتهم التي لا تقل دموية وإرهابا عن دولة طالبان، التي لا تزال بالرغم من مضي أكثر من عشر سنوات على سقوطها، قائمة على الجزء الأكبر من الأراضي الأفغانية. فهي الأصل الذي يحرص مخترعوه على بقائه.

إن اختفى الأصل ستختفي الفروع حتما. وهذا ما يتعارض مع نظرية الحرب على الإرهاب التي صار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي واحدا من أكبر دعاتها، بعد أن اكتشف أنها تمثل حلا لجميع مشكلاته السياسية الخانقة. فمن خلالها يستطيع تبرئة ذمته من الفشل في إدارة البلاد والنهوض بمستوى الخدمات الأساسية وترقيع البنية التحتية المهدمة، ومن خلالها أيضا يمكنه القفز على الإخفاق السياسي الذي جعله يقف في خندق، فيما يقف شركاؤه في العملية السياسية التي صنعها المحتل في خندق مقابل.

ولهذا كان وجود “داعش” على الأراضي العراقية ضروريا بالنسبة للمالكي.

ما تفعله “داعش” اليوم وما فعلته سابقا يضعنا أمام علامات استفهام قديمة، صارت اليوم تشير إلى الحلقة المفقودة التي يتستر عليها علمانيو الثورة السورية. فالكثير منهم لا يزال حتى هذه اللحظة يعتبر الجماعات الإسلاموية المتشددة ومنها “داعش” و”جبهة النصرة” جزءا أساسيا من الحراك الثوري السوري الذي يهدف إلى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

بالرغم من حجم الأهوال التي جلبتها “داعش” وأخواتها فان هناك من يردد سرا “خيرها أكثر من شرها” منطلقا من مبدأ نفعي يؤكد أن وجود تلك الجماعات قد أنهى سيطرة النظام على الكثير من المناطق الحيوية، التي كانت تشكل مصدرا لاقتصاد ذلك النظام. أما المعارك التي خاضتها “داعش” ضد الجيش الحر وهزمته في غير موقع وكبدته مئات القتلى فيمكن تسوية نتائجها من وجهة نظر الداعين إلى عدم المبالغة في الشعور بما تمثله تلك الجماعات من خطر على مستقبل سوريا.

وهي وجهة النظر نفسها التي يتبناها رئيس الوزراء العراقي في ظل وجود نقاط اختلاف في التفاصيل. ذلك لأن “داعش” بالنسبة للمالكي ليست أخطر من الاعتصامات السلمية التي تشهدها مدن غرب العراق منذ سنة. يمكنه من خلال التصدي لـ”داعش” أن يظهر بمظهر البطل الذي يسعى إلى تطهير البلاد من بقايا تنظيم القاعدة، أما حين أجهز جيشه على المعتصمين في الحويجة وقتل خمسين منهم فقد ظهر بمظهر الجزار. وهكذا يكون القتل من خلال “داعش” نوعا من البطولة. المالكي سعيد بغزوته التي ينفذها بجيش متهالك لا يقوى سوى على استعراض قدراته القتالية في مواجهة الأهالي العزل. غير أنه من المؤلم حقا أن تكون غزوات “داعش” هي الأخرى مصدر سعادة لبعض المعارضين السوريين. فحتى المقابر الجماعية التي تخلفها “داعش” وراءها صارت بالنسبة لذلك البعض نوعا من التعبير عن الاختلاف في وجهات النظر.


* كاتب عراقي

9