مقاربات أميركية تحذر من فرضية انتصار داعش

الثلاثاء 2015/06/23
جيش عراقي مدرب وقوي وحده القادر على إنهاء تمدد داعش

في ظل سجال دائم يتراوح بين التصفيق الحاد مع كل انتصار يسجّل ضدّ “داعش”، يليه في الغالب تأكيد مفرط في الثقة من طرف الإدارة الأميركية أن التنظيم في طريقه للهزيمة وبين انتقادات المناهضين الذين يرون أنّ إستراتيجية الإدارة الأميركية في التعامل مع داعش تتسم بالفشل، تبرز بعض التحليلات والمقاربات الصادرة عن مراكز بحوث سياسية وإستراتيجية تذهب إلى تحليلات غير مألوفة مفادها إمكانية انتصار “داعش”.

وفي طرح جريء، يبدو صادما نوعا ما، يسأل أرون ديفيد ميللر، نائب رئيس مركز وودرو ويلسون للأبحاث، سؤالا مفاده “هل يمكن أن ينتصر داعش”؟ من ثمّة يحاول الإجابة عليه من خلال تصور استراتيجي متماسك.

ويقدم ميللر، الذي عمل لمدة طويلة كمفاوض في الشرق الأوسط، لأسباب فرضية “انتصار داعش”، بالقول “إنّه ربما علينا كأميركيين أن نعتاد على الحروب الطويلة ومن بينها الحرب ضد داعش، لأنّ المفهوم التقليدي للانتصار العسكري في حرب مثل هذه هو مفهوم مراوغ”، من ثمّة بدأ في رصد جملة من الأسباب التي تتلخص في الأتي:

السبب الأول مفاده أنّ داعش لن ينهزم إلّا إذا ولد الشرق الأوسط من جديد. فما يسميه بصعود داعش ومن قبله القاعدة في العراق كان بشكل أساسي رد فعل على الغزو الأميركي للعراق والهيمنة الشيعية على المنطقة، خاصة بعد الانسحاب الأميركي. والآن تتزايد قوة داعش إلى حد كبير نتيجة لاختلال إقليمي وظيفي، خاصة في البلدان التي لا وجود فيها لنظام حكم (سوريا) أو حكم سيئ (العراق). ويتعزز انتشار التنظيم المتشدد كذلك في بلدان أخرى مثل اليمن وليبيا ومصر، بسبب وجود مساحات شاسعة لا يمكن السيطرة عليها، وعن طريق انتشار أيديولوجيته المفرغة التي تقوم على المظلومية التي يتعرض إليها “المجتمع السني المحاصر”، تلك المظلومية التي تعدّ حجر الزاوية في الجذب إلى الهوية التي يقوم عليها. وعليه فإنّ اجتثاث التنظيم يتطلب تغييرا محوريا في كل من سوريا والعراق يتمثل في التوصل إلى حكم رشيد يستوعب كلا من السنة والشيعة وباقي الطوائف.

أمّا السبب الثاني، فمفاده أن هزيمة داعش لن تتحقق دون حل في سوريا، فعلى الرغم من أن داعش تنظيم عراقي بالأساس، والعراق كان يمثل الرقعة التي تمثل مكمن تطلعاته، إلّا أن سوريا بسبب أزمتها أضحت أرض تأسيس “الخلافة” المفترضة، وقاعدتها الواعدة للتوسع كما أنّ السياسات الوحشية لنظام الأسد تسهم في تسهيل جذب المجندين للتنظيم بوتيرة أسرع من تلك التي قد يأخذها الغرب لتدريب المعارضين للتنظيم من السنة، ولذلك فإنه من دون حل للأزمة السورية فإنّ فرضية هزيمة داعش مازالت مستبعدة.

ويتعلق السبب الثالث بعدم وجود قوة عسكرية إقليمية منفردة تستطيع هزيمة التنظيم المتشدد، فالحل في حالة داعش ليس عسكريا فحسب، رغم أنّ القوة العسكرية يمكن أن تحد من مكاسبه وتدشّن بذلك حجر الأساس للقضاء عليه. ولكن الحقيقة أنّه لا توجد قوة عسكرية، أو حتى حلف من القوات، يرغب أو هو قادر على تحقيق هذا الهدف. ففكرة تحالف الدول العربية تبقى تجربة نظرية، والجيش العراقي، كما رأينا مؤخرا في مدينة الرمادي، غير مؤهل لتلك المهمة العسيرة. وهنا تأتي أيضا اعتبارات سياسية تعضد عدم القدرة العسكرية، فالميليشيات الشعية المدعومة من إيران تعمل على منع تدريب وتسليح العشائر السنية أما في ما يخص الأكراد فقدراتهم ضعيفة جدا، والبشمركة هي بالأساس قوة محلية جدا، وحتى الميليشيات الإيرانية الشيعية سوف تجد صعوبة في هزيمة الدولة الإسلامية في المناطق ذات الأغلبية السنية، بالإضافة إلى أنّ الاعتماد على إيران سيمثل تهديدا صارخا للتوازن الهش أساسا بين العراقيين السّنة والشيعة. وعليه فإنّ جيشا وطنيا عراقيا فعالا يملك الإرادة والقدرة ليس فقط على استعادة السيطرة على الأراضي بل للاحتفاظ بها أيضا، ربما يكون هو الحل ولكن هذا في الوقت الراهن يبدو حلما بعيد المنال.

أمّا السبب الرابع فيتعلق بافتقار الولايات المتحدة إلى الإرادة لخوض هذه المعركة، فمن الناحية العسكرية تملك أميركا القدرة على هزيمة “داعش” في الميدان العراقي بشكل مؤكد وفي سوريا بشكل محتمل، لكن رغبة الإدارة الحالية بكل تناقضاتها (أو حتى إدارة أخرى تليها قد يقودها جمهوريون) في تقديم الالتزامات الضرورية والحيوية لكل ساحات القتال، تبدو ضئيلة جدا على أرض الواقع. فالرأي العام الأميركي والكونغرس لديهما نفور متنام من المخاطرة بعد سنوات من الاستثمار في منطقة الشرق الأوسط لم تجلب أية عوائد أو نتائج ملموسة. وعلاوة على ذلك، فإنّ القوة العسكرية في بعض الأحيان تكون ببساطة مجرّد أداة لتحقيق أهداف سياسية مستدامة، وليس هناك سبب للاعتقاد بأنّ الوضع النهائي السياسي في العراق أو سوريا سوف يكون أفضل مما كان عليه في العراق أو أفغانستان على مدى العقد الماضي، عندما نشرت الولايات المتحدة عشرات الآلاف من الجنود وأنفقت تريليونات من الدولارات.

جملة هذه الأسباب وغيرها، يرى ميللر أنها يمكن أن تؤجل من هزيمة داعش وربّما تنبئ بـ”فرضية انتصاره” في أسوأ الحالات، بمقاييس الحرب الجديدة طويلة المدى القائمة على الاستنزاف وطول النفس.

7