مقاربات حامية

الأربعاء 2016/04/06

عادة ما يحمل المهجّرون واللاّجئون على خوف وعجل ما خفّ حمله في الحقائب وفوق مراكب الموت المتهالكة، لكنهم قد يحملون ما ثقل تحمله وخفي أمره في الصدور من ضغائن وأحقاد تفتح عند الوصول إلى برّ “الأمان” وغياب العسس و“الوشاة”.

يعلم الأندلسيون الذين استقرّوا في بلاد المغرب الكبير إثر محنتهم أنّ الطريق وحّدتهم كالموشّحات التي هرّبوها في صدورهم والحنين الذي اكتنزت به قلوبهم، لكنهم لم ينسوا خلافات بلد المنشأ وحتى صغائر الأمور، فما أن نزلوا حواضر مراكش والجزائر وتونس واستقرّت حالهم بعد ضيم، حتى بدؤوا بتصفية الحسابات والاصطفاف العائلي والمذهبي، والتنابز بالألقاب.

يقال في مدينة تستور التونسية، التي تعدّ الملجأ الأكبر لأهالي الأندلس في المعمار والملبس والمأكل والمغنى، “فلان يسبّ ويقشتل”، أما أصل هذه العبارة الغريبة فتعني يتحدث ويشتم مواطنه الأصلي أو حتى يعاتبه بلغة “قشتالة” أي كاتالونيا الأندلسية كي لا يفهمه الآخرون، فتمسي الخصومة أهليّة محليّة، ويودع الخلاف طيّ الكتمان لكي لا يفتضح أمر الاثنين أمام المستضيفين من الغرباء.

ربما نستحضر هذه المقاربة بين السوريين وعرب الأندلس، والذين هم في الأصل أجدادهم، سواء كانوا فاتحين في المرة الأولى أو هاربين من بطش العباسيين إلى الأندلس في المرة الثانية، نستحضر كل هذا بعد أن نسمع ونقرأ عن “الخلافات المشروعة” بين المهجرين السوريين في بلاد اللجوء، وقد وصل بعضها حدّ المواجهة والتجريح وطلب الثأر والتشكيك في أسباب هجرته.

ليس غريبا ولا مستهجنا أن يعيش الواحد حياة عادية خارج وطنه الأم، يخطئ فيها ويصيب، من الذي طلب منك أن تكون ملاكا أيها الهارب من الجحيم، إنّ لك مطلق الحق والحرية في التشاجر والاختلاف، في النبل كما الصعلكة، رفض “القطيعية” وإعلان فرديتك التي جئت تنشدها في الديمقراطيات العريقة رغم قسوتها ونظرتها التسطيحية الحولاء في أحايين كثيرة.

ليس عيبا أن تمارس كرامتك التي اخترتها في السر والعلن، في البر والبحر والجو ولم ترض بغيرها بديلا، فلماذا يطلب من المخيمات وحدها التزام “الأدب” دون غيرها في كل أصقاع العالم وعبر التاريخ المسجى والجغرافيا المتحركة.

هل قدّر لنا أن نكون ضيوفا على الدوام، “ذمّيين” وحرفاء ورعيّة وجاليات في بلادنا، مستوطنين لا مواطنين، لماذا نحن دائمو الخوف والتوجس في حلّنا وترحالنا، غرباء في ديارنا وديار الآخرين؟ انطلق برأيك مثل سهم ولا تجعل من سمعة أبناء بلدك آنية فخّارية تحملها بين يديك وتحاذر عليها من الكسر. لم يتحرّر مفهوم “الوطنية والوطن” لدى غالبية المجتمعات العربية من حدود القبيلة وصيتها المزعوم في السلم والحرب والكرم والفروسية حتى في حالات الضنك والهزيمة، وظلت المكابرة الجوفاء سائدة مهما بلغنا من الوجع عتيّا.

غادر الكثير من السوريين ديارهم فرادى وجماعات، نخبة وعامة، مرغمين ومختارين، استقرّوا في بلاد لا تتحدث لغتهم، منها من ربتت على أكتافهم ومنها من رمتهم بالحقيبة، وحازوا على إعجاب العالم كشعب لا يتقن الانقراض، ينحت في الريح وفي الصخر منازل للأمل، وبرهنوا على أنّ آلاف السنين من الحضارة لم تكن مجرّد أوابد ومخطوطات وأصنام يهشّمها الهمج بإمرة من مستخدميهم، بل حقيقة تستحضرها المهارة وحس الإدهاش، ولأجل كل ذلك وبسببه هم الآن يختلفون ككل الذين يختلفون، يخشون أن تعلو أصواتهم خلف البحر وأمام الغرباء، لكنهم يختلفون. يختلفون كما اختلف الأندلسيون وشتموا بعضهم بلغات “مشفّرة” أمام المستضيفين، يختلفون على فردوس يُرادُ تضييعه بتآمر كل الأطراف وتحت نيران صديقة باكتواءات ساخنة وباردة.

هل أن الغرب الأوروبي والأميركي وغيره من بلاد “غير قشتالية” مجبر على فكّ رموز اللغات العربية والآرامية والكردية والتركمانية والأرمنية والأوزبكية أو قراءة كتاب “الملل والنحل” للشهرستاني أو “ابن عساكر” أو “طرق الشام” لمحمد كرد علي؟ لكنه مرغم، وغصبا عنه، أن يدرك بأنّ هذه البلاد ليست سهلة وليست في متناول الذي يعدّون بواحد على ألف ممّا تعدّ الحضارات العريقة.

الحقيقة أنّ السوريين لم يصدّروا خلافاتهم ولم يبتدعوها، بل هرّبوها معهم ثمّ فتحوا الدفاتر التي يجب أن تفتح، أليست الحسابات الجيّدة هي التي تصنع الأصدقاء الجيدين. إنها العصبيّة التي كانت، ولا تزال، علّة بقاء الدول وزوالها أيضا كما قال عبدالرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة.

كاتب تونسي

9