مقاربات في خلفيات "الصفقة"

هل وجد القائمون على المشروع الصهيوني أنفسهم، في حاجة إلى سيرورات جديدة، للحفاظ على الثقل السكاني اليهودي في إسرائيل، لمواجهة خطر التزايد السكاني الفلسطيني في الاتجاه المعاكس، من خلال وتائر عالية من الزيادة في الإنجاب؟
الجمعة 2019/07/12
مخاوف إسرائيلية من رجحان جديد للكتلة الشعبية الفلسطينية

على مسار الإعلان المتدرج، عن بنود ما يُسمى “صفقة القرن” والبدء بالإفصاح عن الشق الاقتصادي منها؛ ركز بعض الباحثين على الإجابة عن سؤال في العمق أو في الخلفيات: هل وجد القائمون على المشروع الصهيوني أنفسهم، في حاجة إلى سيرورات جديدة، للحفاظ على الثقل السكاني اليهودي في إسرائيل، لمواجهة خطر التزايد السكاني الفلسطيني في الاتجاه المعاكس، من خلال وتائر عالية من الزيادة في الإنجاب؟

فمن المعلوم أن المشروع الصهيوني منذ بداياته، كان حريصاً على مراكمة كتلة سكانية، تتنامى سريعا،ً بمساعدة السلطة البريطانية في فلسطين، وكانت غايتها تحقيق التوازن مع الكتلة السكانية الفلسطينية. وفي حال استمرار أرجحية السكان الفلسطينيين، أن تؤدي وسائل ميكنة الزراعة وتطور أدواتها وأبحاثها، والمثابرة على توفير مصادر أكثر للمياه، وخلق فرص عمل، والتوسع في إنتاج الطاقة الكهربائية؛ إلى جعل الأقلية أكثر قوة من الأكثرية، وإلى رجحان كفة المستوطنين، وكل ذلك بمفاعيل الرأسمال اليهودي.

ففي ذلك الخط الاستيطاني، ابتدعت الحركة الصهيونية لنفسها رزمة من المقاربات الأيديولوجية ومن الروايات التاريخية، ومن أساليب الترويج المتقنة؛ لتمرير عملية السرقة الكبرى لوطن شعب آخر، بسيط، يعيش معظمه في الريف. وكان الهدف بالطبع، جعل فلسطين بلدًا ذا أكثرية يهودية. وعندما بلغ الصراع أشده، وحان موعد أن تضرب بريطانيا ضربتها الأخيرة، في العام 1948 جرى تجريف السكان من مئات القرى، بالترويع والحرب الاستئصالية، واستكملت ذلك السياق في حرب العام 1967 التي هاجر فيها طوعاً، خشية انقطاع الأسر عن أجزائها في الخارج وعن أرزاقها، 28 بالمئة من سكان الضفة و23 بالمئة من سكان غزة.

ومع مرور الزمن، كانت طبائع المجتمع الفلسطيني، وفيه العائلة الفلسطينية المسكونة بالنزعة القوية إلى التكاثر والإنجاب، أعادت إلى العقل الصهيوني عنصر القلق، من رجحان جديد للكتلة الشعبية الفلسطينية، وباتت هناك خشية شديدة من عودة اليهود إلى وضع أقلوي، مع الأخذ في الاعتبار أن الفلسطينيين الجدد، يختلفون عن الفلسطينيين القدامى، إذ تحصّل الأولون على قدر كبير من التقدم واكتسب أبناؤهم كل أنواع العلوم والمهارات، ولم تُمح ذاكرة آبائهم وأجدادهم ولا ذاكرة الوطن. وبدأت المستوطنات، على الرغم من انتشارها وشكل تكاثرها، تظهر على الخارطة في الضفة، فقد أريد لها أصلاً حصار التجمعات السكانية الفلسطينية وجعلها بمثابة جيوب يمكن عزلها عن بعضها البعض. إلا أن هذا لم يؤدّ إلى اطمئنان يهودي، فأصبحت الخشية تزداد يوماً بعد يوم، من أن يتحول اليهود إلى أقلية أرادت حصار الناس فحوصرت، ما يستوجب العمل على خطط تهجير أخرى، بوسائل أخرى!

على هذا الصعيد، لا تخفي الأحزاب الإسرائيلية المتطرفة قلقها، وسُمعت كثيراً وهي تتحدث عن الخطر وتتحسسه، وتقول إن عدد اليهود يتناقص بينما عدد الفلسطينيين يزداد. وفي هذا السياق، استذكر الواقعيون من بين الإسرائيليين، عنصر الحكمة في ميل مؤيدي التسوية لإنجاز حل، سيكون مهما تقلصت بموجبه مساحة إسرائيل مع الأراضي المحتلة عام 1967، ضامناً استراتيجياً وتاريخياً لأمنها.

وفي هذا الإطار جرى التداول على مستوى النخب السياسية والثقافية، في المؤتمر السنوي الذي يُعقد في “مركز هرتسيليا” ويبحث في كل الشؤون الاستراتيجية المتعلقة بإسرائيل، وعلت فيه مقولة “الخطر الديموغرافي” باعتباره نوعاً من الخطر الوجودي. ففي الشهر الأخير من العام 2000 أصدر “معهد السياسة والاستراتيجية” الملحق بالمركز تقريراً طويلاً كانت أحد أهم بنوده تؤكد على أن إسرائيل في حاجة إلى المزيد من السكان اليهود، في ضوء حقيقة أن معدلات الزيادة السكانية الفلسطينية، تهدد مستقبل إسرائيل كدولة يُراد لها أن تكون يهودية.

وقال التقرير إن أمام إسرائيل إحدى استراتيجيتين: إما أن تقبل هذه الحقيقة وأن تتعايش معها على أن تستمر في محاصرة التجمعات السكانية على النحو الذي يرهقها بنفس القدر من إرهاق السكان الفلسطينيين، وإما التزام اليهود الصارم بسياسة ديموغرافية طويلة الأمد، تضمن تعزيز التكاثر ورفع قدرة إسرائيل على استيعابه، اقتصاديا وسياسياً، بما يحقق يهوديته الفاقعة. وبالطبع كان الأميركيون الموالون لإسرائيل مشاركين في هذه الرؤية وفي إعداد التقرير، وبخاصة جماعة “اللجنة الأميركية اليهودية” و”مركز إسرائيل للتقدم الاجتماعي والاقتصادي” والعديد من المراكز الأخرى والجامعات والساسة ورؤساء الوزارات وجنرالات الجيش المتقاعدين و”معهد الأمن القومي الإسرائيلي”.

كان واضحاً أن الخيارين الاستراتيجيين يصعب المضي فيهما، بل إنهما أصعب من الحرب نفسها. لذا كان لا بد من اختراع خيار استراتيجي ثالث، يعتمد على الغواية الاقتصادية، التي يُعطى فيها للفلسطينيين نوع من البحبوحة، التي يرتضون لأجلها أطراً كيانية دون الدولة المستقلة، ودون الحقوق في الأرض، ودون ضم جزء منهم مع أرضه إلى إسرائيل، ودون التخلي عن الأرض نفسها، ما خلا مهاجع للسكان في البلدات والقرى، وربط مصالحها بإسرائيل، وهذا نموذج ظهرت محاولات بائسة لتطبيقه في جنوبي الضفة، بربط عناصر فلسطينية بالمستوطنين وليس بإسرائيل نفسها. وفي اجتماعات هؤلاء مع المستوطنين تحدثوا عن مشروعات اقتصادية، وعن رخاء في البؤر السكانية الفلسطينية، بعد أن تلقوا وعوداً وردية.

9