مقاربة جديدة للتوظيف تشل مدارس تكوين الأساتذة في الجزائر

لا يزال ملف توظيف خريجي المدارس العليا للأساتذة يلقي بظلال واسعة في الجزائر وأخذ صدى كبيرا بالنظر لما تطرحه مشكلة البطالة وتزايد أعداد الخريجين من مختلف المؤسسات الجامعية الأخرى كل عام والذين يطالبون كذلك بتوفير مواطن شغل، مقابل ركود وانسداد الأفق في عدد الأماكن الشاغرة بالوظيفة العمومية، زادها تراجع وزارة التربية عن الإيفاء بتعهداتها السابقة مع هؤلاء احتقانا.
الثلاثاء 2018/01/30
عازمون على التحدي

الجزائر - فجّر اعتماد وزارة التربية الجزائرية على خريجي مختلف التخصصات الجامعية لتوظيف أساتذة ومعلمين في مختلف المراحل التعليمية، غضب طلاب المدارس العليا للأساتذة، بسبب التزاحم الحاصل على فرص الشغل في ظل البطالة التي تعصف بخريجي الجامعات، وألمح إلى وجود نوايا لدى الوزارة تستهدف سحب البساط من المدارس المذكورة، بعد عقود من التوجيه الآلي لطلبتها لشغل مناصب التعليم.

ودخل طلاب المدارس العليا للأساتذة عبر كافة محافظات الجمهورية في إضراب مفتوح عن الدراسة، وهددوا بعدم التراجع إلى غاية تسوية انشغالاتهم من طرف وزارتي التعليم العالي والتربية، وعلى رأسها احترام العقد المبرم بينهما حول التوظيف، والحق في الدراسات العليا في الجامعات، كغيرهم من طلاب الجامعات الأخرى.

وتوسعت رقعة الإضرابات والاعتصامات أمام مقار الجامعات لتشمل العاصمة ومختلف المدن الجامعية الأخرى على غرار مستغانم، قسنطينة، سكيكدة، والأغواط وغيرها، للمطالبة بحق الطلاب في التوظيف على مستوى مقار إقامتهم وفقا للبند المبرم بينهم وبين وزارة التعليم العالي، ولوقف الخرق المتكرر من طرف وزارة التربية الوطنية باعتمادها نظام التوظيف وفق ما تسميه بـ”الأرضية الرقمية”.

وتنص بنود الاتفاق المبرم بين الطرفين، والمؤشر من طرف المصالح الحكومية الأخرى كمديرية الوظيفة العمومية، على “منح الأولوية لخريجي المدارس العليا وتوظيفهم مباشرة بصفة أساسية”، كما يلزم وزارة التربية بـ”تعيين الطالب المتعاقد عند نهاية تكوينه بحسب العنوان الأصلي المدون في عقد الالتزام”. ووجه الطلاب أصابع الاتهام إلى وزيرة التربية الوطنية نورية بن غبريط، التي خالفت بنود الاتفاق بينها وبين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في ما يتعلق بمنح الأولوية في التوظيف لخريجي المدارس العليا للأساتذة، بالإضافة إلى حرمانهم من مواصلة الدراسات العليا في الجامعات الأخرى، على غرار باقي طلاب الجامعات.

تم الكشف عن تنصيب لجنة دائمة تتكفل بـ(مراجعة ودراسة كل المسائل التي تهم المدارس العليا للأساتذة وطلبتها، بما فيها برامج التكوين، في إطار تحقيق الانسجام والتنسيق بين الوزارتين بما يخدم المدرسة الجزائرية)

وكانت وزارة التربية قد اعتمدت منذ العام 2015، نظاما جديدا لانتداب الأساتذة والمعلمين لشغل المناصب الشاغرة، يسمح بقبول معظم التخصصات الجامعية للمشاركة في المسابقات الخارجية التي تنظمها دوريا، الأمر الذي اعتبره طلاب المدارس العليا للأساتذة انقلابا على العقد المبرم بينهما، ومنافسة “غير شريفة” تهدد حتى الغاية التي أوجدت من أجلها تلك المدارس.

ودخل هؤلاء في إضراب مفتوح شل جل المدارس المتخصصة في تكوين الأساتذة، بعد فشل قنوات الاتصال المفتوحة في التوصل إلى أرضية توافق ترضي الجميع، وعبّر طلاب من المدرسة العليا للأساتذة عن أن “مدارس الأساتذة مؤسسات جامعية عريقة، والعقد المبرم بين الطلبة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي عقد تاريخي، وُجد بوجود تلك المدارس في الجزائر، وبعد عقود من تكفلها بتكوين وتخريج الأساتذة والمعلمين”.

وفي خطوة لطمأنة الآلاف من الطلبة المحتجين في مختلف المحافظات، بادر وزير التعليم العالي والبحث العلمي طاهر حجار إلى احتواء الوضع، من خلال الإقرار بقبول جميع طلبات طلاب مدارس الأساتذة للالتحاق بالدراسات العليا في الماجستير والدكتوراه، دون أي استثناء مهني أو أكاديمي، ليفند بذلك أخبار إلغاء دائرته الوزارية لحق الدراسات العليا بالنسبة إلى الأساتذة.

لكن الظاهر أن الطلبة المحتجين غير مقتنعين بخطوة طاهر حجار، كونها لم تقدم لهم إجابات حاسمة عن الانشغال الرئيسي لحركتهم الاحتجاجية، والمتمثل في احترام العقد المبرم والأولوية في الانتداب في الأسلاك التعليمية (الثانوي، المتوسط والابتدائي)، فضلا عن احترام رغبة هؤلاء في الحصول على شغل في مقرات إقاماتهم وفي المحافظات التي يتواجدون فيها على الأقل. وفي هذا الشأن أكد وزير التعليم العالي على أن التوظيف في وزارة التربية الوطنية يتوقف على ما أسماه بـ”احتياجات قطاع التربية في ما يتعلق بعدد المناصب والتخصصات التي قد تتغير من مكان إلى آخر”، وهو ما يشير إلى أن “الأرضية الرقمية”، المعتمدة من طرف وزارة التربية في الانتداب لن تتم مراجعتها بشكل يلبي انشغالات الطلاب المضربين.

وكان وزيرا التعليم العالي والبحث العلمي والتربية الوطنية، قد عقدا اجتماعا مغلقا غداة الإعلان عن الإضراب المفتوح من طرف طلاب المدارس العليا للأساتذة، لبحث الانشغالات المطروحة من قبل الطلاب، والعمل على احتواء الوضع المتوتر في مختلف المدارس.

وزارة التربية اعتمدت منذ العام 2015، نظاما جديدا لانتداب الأساتذة والمعلمين لشغل المناصب الشاغرة، يسمح بقبول معظم التخصصات الجامعية للمشاركة في المسابقات الخارجية التي تنظمها دوريا

وتم الكشف عن تنصيب لجنة دائمة تتكفل بـ”مراجعة ودراسة كل المسائل التي تهم المدارس العليا للأساتذة وطلبتها، بما فيها برامج التكوين، في إطار تحقيق الانسجام والتنسيق بين الوزارتين بما يخدم المدرسة الجزائرية، ويعزز فاعلية المدارس العليا للأساتذة في تحقيق أهداف وزارة التربية في إطار إصلاحاتها التعليمية”.

وذكرت مصادر مطلعة أن “اللجنة المستحدثة ستعكف على مراجعة بنود عقد الالتزام الذي يربط خريجي المدارس العليا للأساتذة بالوصاية، وسيتم إدراج تعديلات تستهدف إلزام الطالب بالالتحاق بمنصب العمل الذي تحدده وزارة التربية حتى ولو كان خارج محافظته، بغية تجسيد التوظيف الوطني لخريجي المدارس العليا في تخصصاتهم لسد العجز في الوزارة”.

وأبدى طلبة ومهتمون بالشأن الجامعي أن يكون تمسك وزارة التربية الوطنية بما يعرف بـ”الأرضية الرقمية” في الانتداب مقدمة لسحب البساط من خزان المدارس العليا للأساتذة في سد احتياجات قطاعها رغم عراقتها وإنشائها منذ عقود بغرض تكوين وتخريج الأساتذة والمعلمين. لكن بن غبريط قالت إن “إدراج خريجي المدارس العليا للأساتذة ضمن الأرضية الرقمية لا يعني أبدا الإخلال بالعقد المبرم بين وزارة التربية الوطنية والطلاب”، وأضافت أن “هذا الإدراج ضمن الأرضية الرقمية يهدف إلى منح فرصة إضافية لخريجي المدارس العليا الذين يرغبون بإرادتهم في التوظيف خارج ولايتهم الأصلية”.

وفي هذا الشأن أوعزت وزارة التربية لمديرياتها الولائية برفض انتداب أستاذة التربية البدنية المتخرجين من المعهد العالي لتكنولوجيا الرياضة في المدارس الابتدائية، رغم الانتقادات التي وجهت حول عدم نجاعة أساتذة التعليم العادي في التكوين الرياضي، وإمكانية مساهمة القطاع في امتصاص فائض المتخرجين في المعهد المذكور.

وتعتبر وزارة التربية الوطنية من أكبر الهيئات الحكومية التي تستحوذ على قدر هام من منتسبي الوظيفة العمومية، حيث تستقطب نحو مليون موظف وإداري، وفتحت أبوابها خلال السنوات الأخيرة لانتداب نحو 30 ألف أستاذ ومعلم جديد، لكن المقاربة الجريئة (الأرضية الرقمية) المنتهجة من طرف الوزيرة نورية بن غبريط، فتحت عليها الكثير من المتاعب والانتقادات.

17