مقاطعة البطولات الرياضية قمع مضاعف للإيرانيات

جدد تهديد بطلة الشطرنج الأميركية نازي بايكيدزي بمقاطعة بطولة العالم التي ستقام بإيران في نوفمبر 2017، لأنها ستكون ملزمة بارتداء الحجاب، الحديث عن قوانين الرياضة في إيران ومدى مطابقتها لقوانين الاتحاد الدولية، وخصوصا في البنود المتعلقة بالمساواة وحقوق الرياضيات والنساء عموما، وهل أن في المقاطعة حلا لهذا المأزق أم مضاعفة لوضع الإيرانيات المعقد.
الأربعاء 2016/10/19
لا تعزلونا

طهران- أعلنت بطلة الشطرنج الأميركية نازي بايكيدزي أنها ستقاطع بطولة الشطرنج العالمية التي تستضيفها إيران في السنة المقبلة وذلك احتجاجا على قانون الحجاب الإلزامي للمرأة في الجمهورية الإسلامية.

وأطلقت بايكيدزي عريضة على الإنترنت تطالب من خلالها بتغيير مكان البطولة، مشيرة إلى أن “المسألة تجاوزت عالم الشطرنج، فالمرأة مضطهدة في إيران، وحقوقها مهدورة، المسألة إذن مسألة صراع من أجل حقوق النساء”، ونفت بايكيدزي أن يكون موقفها هذا عداء للثقافة الإيرانية، وقالت “من غير المقبول إقامة واحدة من أهم البطولات النسائية في دولة لا تتمتع فيها النساء بحقوقهن الأساسية، ويعتبرن مواطنات من الدرجة الثانية، ويفرض عليهن حتى هذا اليوم، أن يعتمرن الحجاب”، معربة عن أسفها لاضطرارها إلى عدم المشاركة في البطولة.

وفي موقف مؤيد لقرار بايكيدزي طالبت نايجل شورت، وهي بريطانية حاصلة على لقب أستاذة كبيرة من الاتحاد الدولي للشطرنج (فايد) بإيجاد مكان آخر. وقالت بطلة الولايات المتحدة السابقة كارلا هيريديا، إنه “لا مؤسسة أو حكومة، ولا بطولة الشطرنج العالمي للمرأة، يحق لها منع النساء من ارتداء ما يشأن، أو تفرض عليهن الحجاب بالإكراه”.

دعوات للمقاطعة

نازي بايكيدزي: لا يمكن إقامة واحدة من أهم البطولات في دولة لا تتمتع فيها النساء بحقوقهن

في ردّه على هذا الجدل قال رئيس الاتحاد الدولي للشطرنج جيفري بورغ إنه لم يتلق “أي اعتراض” على استضافة طهران لبطولة العالم أثناء زيارته التي أداها مؤخرا إلى إيران، وأعلنت سوزان بولكار، رئيسة لجنة النساء في الاتحاد العالمي للشطرنج، أنها لا توافق على مقاطعة المسابقات، أو تغيير المضيف عوضا عن إيران. كما أكدت أنه ينبغي احترام قوانين البلد المضيف. لكن المنظمات الحقوقية رأت في هذا الموقف سلبية وفشلا في الدفاع عن حقوق النساء.

وليست المرة الأولى التي تواجه فيها الاتحادات الدولية، في مختلف الرياضات، مثل هذا المأزق، في ما يتعلق باستضافة إيران لبطولات دولية، وقد تصاعد هذا الجدل مؤخرا على خلفية منافسة إيران على استضافة الدوري العالمي للكرة الطائرة. ولأن قوانين إيران تمنع الاختلاط في الملاعب، ترى منظمة هيومن رايتس ووتش أن في هذا الأمر خرقا واضحا لمبدأ عدم التمييز الذي تعتبره الاتحادات الدولية “مبدأ أساسيا”، ووجهت رسالة إلى آري غراسا، رئيس الاتحاد الدولي للكرة الطائرة، قالت فيها إن على الاتحاد التوقف عن منح إيران الحق في استضافة بطولات دولية ما لم تضمن حضور المرأة لمباريات الكرة الطائرة.

لكن، غنجه قوامي، الناشطة والمحامية الإيرانية البريطانية، لها رأي آخر، إذ كتبت في صحيفة الغارديان، قائلة إنه عوضا عن الانسحاب بسبب قانون الحجاب في إيران، على نازي بايكيدزي أن تأتي وترى كيف يعمل المجتمع بالفعل، وكيف تكافح النسوة القمع يوميا. ووجهت الناشطة الإيرانية دعوة إلى باكيدزي لتسافر إلى إيران، حتى “ترى المجتمع من الداخل وتتعرف على إنجازات النساء الإيرانيات وتطلع على الحياة اليومية لبلد لم يرضخ للقمع، سواء بوعي أو لاوعي”.

وبرز اسم غنجه قوامي سنة 2014 إثر اعتقالها في إيران بتهمة محاولة دخول الملعب لحضور مباراة في الكرة الطائرة للشباب بطهران بين إيران وإيطاليا. وحكم عليها بالسجن لمدة عام، (كان سنها في ذلك الوقت 25 سنة). وقالت قوامي “ربما تكون تجربتي الشخصية مفيدة للاعبات شطرنج أخريات في ما يتعلق باتباع مثال بايكيدزي من عدمه أو مساندة موقفها. منذ سنتين اعتقلت في بلدي الأم إيران من قبل شرطة الأخلاق لعدم التمسك بمعايير الحجاب، ثم نُقلت إلى مركز إيقاف، وما شاهدته هناك كان فظيعا”.

وتضيف الناشطة الإيرانية الشابة مؤكّدة أن شرطة الأخلاق انهزمت من قبل التصرفات اليومية للملايين من النساء الإيرانيات العاديات. وفشلت الجهود التي تقوم بها الشرطة في إعطاء الثمرة التي كان المؤسسون يأملون في تحقيقها، إذ تحدت النساء المعايير الرسمية الخاصة بالحجاب التي تدعو إليها الحكومة، وتخطين الحدود عن طريق مجرد رفضهن الابتعاد عن الأماكن العامة، ولم تعد النساء الإيرانيات يخفن من الاعتقالات.

مقاومة يومية

تقول غنجه قوامي “عند إطلاق سراحي أدركت أني لم أكن واعية بأهمية المقاومة اليومية وغير المنسقة واللامركزية التي تبديها الإيرانيات. إن هؤلاء النسوة يقدمن فرصا للعمل الجماعي من خلال تحديهن اليومي للسياسات الحكومية. لكن أعمال المقاومة هذه، على الرغم من أنها غريزية وغير محسوبة بالأساس، إلا أنها تبقى الأدوات الأكثر أهمية في تطوير الهويات الجماعية”.

غنجه قوامي: عوضا عن المقاطعة على نازي بايكيدزي أن تأتي وترى كيف تكافح النسوة القمع

وتضيف “من البديهي أني أعترف بحق بايكيدزي، وحق كل كائن بشري، في اختيار كيفية اللباس وأحيي إصرارها على حقوقها كامرأة. لكني أعتقد أن خيارها مقاطعة الألعاب في غير محله”. لقد استعملت المقاربة الاختزالية للحجاب الإلزامي في الماضي حجة لدعم الفجوة بين إيران والغرب، فضلا عن أنها تمرر في الأذهان فكرة أن النساء الإيرانيات كائنات سلبيات تنقصهن ببساطة الإرادة لتحسين وضعهن.

وقد دفع نقص المعرفة حول الشبكات المعقدة للنظام الأبوي في إيران وسوء فهم مسألة النوع الاجتماعي في الجمهورية الإسلامية إلى قيام حملات تبسيطية خارج إيران. وتركز هذه الحملات فقط على القانون الذي ينص على وجوب ارتداء الحجاب وتتجاهل نشاط النساء الإيرانيات ليس فقط ضد هذا القانون التعسفي، لكن كذلك ضد الأشكال الأخرى من الأحكام المسبقة والتمييز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. هناك معنى مبطن مفاده أن النساء الإيرانيات في حاجة إلى منقذ أجنبي للتحرر من قوانين بلدهن.

من حق بايكيدزي عدم الالتزام بالحجاب الإجباري الذي يعدّ شكلا مرئيا من القمع، بيد أن مقاطعة البطولة وعدم السفر إلى إيران لن يخدما النساء الإيرانيات لتحقيق مطالبهن، وينسفان جهودهن التي بدأنها منذ عقود وتكبدن تكاليف باهظة في هذا الدرب. وتؤكّد قوامي أن إعطاء المجتمع الدولي رواية من زاوية نظر واحدة لا يجدي نفعا لمحاربة القمع، والمقاطعة ليست الطريقة الصحيحة؛ وهو ما أكّدت عليه أيضا اللاعبتان الإيرانيتان سارة خادم وميترا حجازيبور حيث أشارتا إلى أن المقاطعة ستضر بالرياضة النسائية في إيران.

وتقول ميترا (23 عاما) “أفهم مدى صعوبة وضع الحجاب بالنسبة إلى اللاعبة نازي بايكيدزي لأنها لم تضعه من قبل، لكنه القانون في إيران، ولا علاقة لذلك بالقمع، نحن معتادات عليه ونتقبله”؛ فيما تؤكد سارة (19 عاما) على أهمية أن تقام البطولة في طهران ليتعرف العالم على إيران وأوضاع المرأة فيها، قائلة إنها “المرة الأولى التي نستضيف فيها بطولة العالم، وأعتقد أنها فرصة مهمة للنساء الإيرانيات”، مضيفة أن “الحملة ضد البطولة تقف عائقا أمام فهم الثقافة الإيرانية”.

والموقف ذاته أكّدت عليه إلهام يازديها، وهي صحافية إيرانية متخصصة في الشؤون الرياضية مقيمة بتركيا، بقولها “من المؤسف أن الرياضيات الإيرانيات اللواتي يواجهن بالفعل قيودا داخل إيران، يواجهن قيودا إضافية خارجها. فقد منعت لاعبات كرة السلة الإيرانيات من قبل الهيئات الدولية من اللعب في الأحداث العالمية بسبب ارتدائهن الحجاب”.

12