مقاطعة قطر تحقق هدفها

تحولت الأزمة إلى الهامش بالنسبة لدول المقاطعة التي تحولت إلى ما “هو أهم من أزمة قطر الصغيرة جدا”، على حد تعبير وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير. وقال الجبير في تصريحات صحافية على هامش اجتماع وزراء الخارجية العرب بالجامعة العربية بالقاهرة، الأحد، “علينا ألا نشغل بالنا بموضوع قطر”، لكن هذا الواقع لا يرضي الدوحة التي وجدت نفسها تنفذ قسرا مطالب دول المقاطعة وأصبحت في مواجهة مباشرة مع القطريين ومع المجتمع الدولي، لكن ولأنها لا تملك وسائل دفاع قوية فإنها دائما ما تلجأ إلى سياسة الهروب إلى الإمام من خلال التصريحات المستفزة وافتعال الأزمة، من ذلك هجوم وزير الدفاع القطري الشيخ خالد العطية على عبد اللطيف الزياني الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، وتصريحه بشأن “تقارب” قطر مع مصر الذي “تعيقه أطراف خارجية”، وأن “الإعلام المصري الذي يتطاول على قطر هو إعلام مدفوع”، وهو أمر لا يقرأ خارج سياق مسعى قطري للوقيعة بين مصر ودول المقاطعة، والإمارات أساسا.
الثلاثاء 2017/11/21

المسؤولون القطريون بدأوا يتصرفون كنظرائهم في منظمة التحرير الفلسطينية أو حركة حماس في الأيام الأولى لاندلاع الأزمة السورية. وقتها بدأت أنظار العالم تتحول إلى هذه الأزمة المأساوية، وتهمل القضية الفلسطينية. بعد ذلك بعامين انتبه العالم إلى مفاوضات كانت الولايات المتحدة تقودها مع الإيرانيين في السر. الفلسطينيون فقدوا مع هذا الاتفاق أي أمل في إبقاء الضوء مسلطا على قضيتهم.

سلوك القطريين اليوم يعكس تخوفهم من النسيان. المسؤولون في الدوحة لا يتوقفون عن الكلام. بمناسبة ومن دون مناسبة. هناك من يشعر في الدوحة بأن المقاطعة تحقق أهدافها، ويريد أن يعيد دوران العجلة في الاتجاه العكسي.

عملية التنظيف شاقة

لا تتم هذه السياسة بشكل اعتباطي. ثمة رغبة ملحة في قطر بالوقيعة بين دول المقاطعة بأيّ ثمن. مغازلة مصر من قبل الشيخ خالد العطية لم يكن الغرض الحقيقي منها التقارب مع مصر، بل كان ابتزاز الإمارات.

الإمارات صارت فجأة سبب كل مصائب المنطقة. العطية كان واضحا في كلامه، الذي وصل حدّ الاستعداد للتغاضي عن كل ما قامت به السعودية وحتى مصر، لكن الإمارات لا.

لا بأس. الإماراتيون لديهم مشروع اعتدال ورؤية إقليمية هم أقدر على التحدث بشأنهما من أيّ أحد آخر. لكن ما صرت متأكدا منه هو أنهم غير مستعدين للمساومة على هذا المشروع أو مقايضته مهما كان الثمن.

إرسال إشارات إلى مصر والسعودية انعكاس لطبيعة مشاغبات قطر تجاههما. القطريون لديهم مشروع سياسي بسيط وواضح للعب مستوى من الأدوار في المنطقة لا يستطيع أحد الوصول إليه إلا بموافقة هاتين الدولتين الكبريين. هذا مفهوم في الدوحة وخارجها.

القطريون وصلوا إلى قناعة بأن تحقيق الرؤية الاستراتيجية القطرية يتعارض مع جوهر وجود مصر والسعودية، وليس فقط مع دوريهما. ممارسات قطر ضدّ البلدين هي تفسير مقنع لهذه الرؤية.

كل هذا يمكن التعاطي معه بمفهومه البراغماتي من ناحية الشكل. ضع ذلك جانبا. لننتقل الآن إلى الإمارات.

في نظر القطريين، كل ما فات في كفة، ورؤيتهم للإمارات في كفة أخرى. المسألة هنا لا علاقة لها بالسياسة، بل هي شخصية ونفسية أولا.

الإمارات هي النموذج الذي تحلم قطر بالوصول إليه، وهي أيضا هذا النموذج الذي تتمنى لو تستيقظ يوما وتكتشف أنه اختفى من الوجود.

حداثة الإمارات في الجوهر، وليس شكلا خارجيا تتبناه الطبقة الحاكمة وتخاطب به الغرب. ثمة رؤية إماراتية للعمل على البشر، ثم الالتفات لاحقا إلى الحجر، وليس العكس. هذا يقود حتما إلى ترسيخ الاعتدال عند الفرد أولا في كل شيء: الاعتدال الديني، الاعتدال النفسي، الاعتدال الأخلاقي، والاعتدال في انتقاء المبادئ ودعمها.

إذا وضعت قطر على نفس مقياس الاعتدال فلن تجد بندا واحدا يصلح كي تضع أمامه علامة “صح”.

ليس ثمة ثقافة في الدوحة سوى “ثقافة التطرّف”. تطرّف الفكر والدين والكراهية والانغلاق. حتى عندما يكره الحاكم في قطر أحدا، فإنه يكرهه بتطرف.

طبيعي إذن أن تقدم قطر مشروعها كنقيض للاعتدال، وبديهي أن يكون عدوّها الأول في العالم هو الإمارات.

مغازلة مصر من قبل الشيخ خالد العطية لم يكن الغرض الحقيقي منها التقارب مع مصر، بل كان ابتزاز الإمارات

لكن محاولة عزل الإمارات كمحور وحيد خارج دول المقاطعة هي السياسة في أكثر صورها سذاجة. ما لا تفهمه قطر أن أحدا من المسؤولين في مصر والإمارات والسعودية والبحرين لم يعد يتحدث عن المقاطعة لسبب واضح وهو أنها تحقق أهدافها.

كيف يحدث ذلك؟

دعنا نَعُدْ عدة خطوات إلى الوراء ونُعِيدْ النظر إلى الموقف، منذ بدايته في 5 يونيو الماضي، بطريقة “الفلاش باك” كي تكون الصورة أوضح وأدق. من البديهي عندئذ طرح السؤال المبدئي التالي: لماذا وقعت الأزمة منذ البداية؟ الجواب هو: لأن هذه الدول

وصلت إلى مرحلة لا يمكن معها أن تقبل باستمرار الدور القطري في المنطقة بنفس المسار التدميري الذي كان هذا الدور مبنيا عليه.

الآن دعنا نُعِيدْ النظر في أبعاد الموقف على ما هو عليه اليوم. هل صار لقطر أيّ دور إقليمي باق منذ ما قبل الأزمة؟ هل تستطيع قطر أن تدلي برأي في أزمة استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري مثلا؟

هل مازال لقطر دور يذكر في سوريا؟ ماذا عن الدور القطري في جنوب السودان، أو أفغانستان، أو العراق، أو اليمن، أو ليبيا؟ وماذا عن الملفات التي كانت قطر تتولاها حصريا، مثل ملف حماس ودورها في المصالحة الفلسطينية؟

الواقع يقول إن أزمة المقاطعة حوّلت قطر عمليا من دولة تدير العديد من الملفات، إلى أحد هذه الملفات التي يديرها الآخرون.

قطر، التي كانت تنفق الملايين على جماعات الإسلام السياسي وتنظيم القاعدة وأذرعه في دول عدّة، صارت حائرة في توفير السكر والزيت والطحين والخضروات قبل أن تنفد من مخازن الدولة.

قناة الجزيرة، التي كانت عاملا أساسيا في نزول الناس إلى الشوارع أو بقائهم في البيوت، من سوريا واليمن إلى مصر وتونس، صارت مشغولة ليلا ونهارا بردّ تهمة “دعم الإرهاب” التي التصقت بسمعة قطر إلى عقود قادمة.

لم تعد سياسة التوسع في الاستثمارات الخارجية قائمة، بل استبدلت بسياسة دفاعية همّها الحفاظ على استقرار الوضع المالي ونسب التضخم في الداخل وبقاء عجلة مؤسسات الدولة في الدوران.

السؤال المقبول الآن إذن: ماذا تريد الدول الأربع من المقاطعة أكثر من ذلك؟

الإجابة: لا شيء!

كاتب مصري

7