مقاطع عن وطن لا يتحمل نزيفا آخر

الاثنين 2017/06/05

ما قصة الملك أوديب؟ قصة الملك أوديب في الأسطورة اليونانية القديمة – باختصار شديد – أن الملك صدّق رؤيا الكاهن الذي جاء ليخبره بأن ابنه حديث الولادة سيقتله عند كبره، ويأخذ منه ملكه ويتزوج بأمه. ومن فرط تصديق الملك لتلك النبوءة غير المؤكدة، ومن فرط هلعه منها، فقد رأى في عيون الرضيع علامات الغدر والخيانة، فطلب منهم أن يرموه أو يقتلوه في الغابة البعيدة. وبذلك النحو، بذلك النحو بالذات، يكون الملك أوديب قد انتهى إلى تحقيق النبوءة بنفسه. وتفاصيل الأسطورة معروفة.

عموما، تحمل الأسطورة دلالة بالغة الأهمية، ربما لم يتم الانتباه إليها كما ينبغي: الخوف اللاعقلاني للسلطة من وقوع أمر سيء، ولا توجد دلائل عقلانية على وقوعه، قد يُعجل بوقوعه فعلاً. لماذا؟ لأنّ الخوف اللاعقلاني يقود إلى رد فعل لاعقلاني. تلك هي الحكاية والعبرة بإيجاز.

التوضيح

في واقع الأمر، لا ينحصر دور “المفكر” في مواكبة الحدث، أو الاكتفاء بالتفرّج ثم التعليق كما يفعل معلقو مباريات كرة القدم، إنما دوره التفكير في الحدث، والتفكير من خلال الحدث، وعليه أن يتحمل لأجل ذلك كل الخبشات الممكنة بنوع من الكظم والشهامة. معركته الأساسية هي معركة الوضوح. والوضوح مطلوب حتى في أسوأ الظروف. إنها ليست بالمعركة الهينة، لا سيما في اللحظات التي تستعر فيها البروباغاندا الدعائية التي قد تنتهجها سلطة الدولة أو الجماعات الدينية، أو هما معا في بعض الأوقات. وبالفعل فقد شهد المغرب مؤخرا أكبر حملة بروباغاندا دعائية ضد حراك أجمع الجميع على أنه يحمل مطالب مشروعة، وبقى الخلاف محصورا في النوايا، وما خلف النوايا، وما خلف خلف النوايا. وقد قلنا مرارا، النوايا قد نستحضرها في القراءة التحليل، لكننا لا نبني عليها قرارات سياسية بالغة الخطورة.

على مشارف انهيار حلم مغربي

في كل الأحوال يبقى السؤال، هل يمكننا أن نرى بوضوح ما يحدث الآن في بلدنا المغرب؟ أليس حجم الأسئلة المخيفة أكبر بكثير من أن ندعي القدرة على الفهم؟ في الظاهر ثمة حراك ومطالب وقمع ومخاوف وآمال ومظاهرات تتمدّد يوما بعد يوم، وثمة أيضاً ارتباك باد للعيان في دوائر القرار وتسريبات متضاربة وتبادل للتهم بين من يُفترض أنهم صناع القرار.

لكن هل هذا هو الحدث؟ لننتبه، غالبا ما يكون الحدث غير قابل للإدراك الحسي، غالبا ما يقع الحدث خلف الأحداث الجارية والتي يسهل رصدها بوسائل الإعلام. لا يعني ذلك أن الحدث مؤامرة تُحبك في الخفاء، إنما يعني أن الحدث بطبيعته فكرة تطرأ في مكان معين وفي ظروف معينة، بحيث تكون مجريات الأحداث في آخر المطاف مجرّد تجليات حسية لتلك الفكرة، والتي هي الحدث بألف ولام التعريف.

من هنا يتطلب إدراك الحدث نوعا من القدرة على التجريد العقلي. فهل لا يزال بالإمكان أن نطرح السؤال: ما الذي يحدث في المغرب الآن؟ إذا جاز لنا الاكتفاء بالكلام عن الحدث كمبدأ فكري يُدرك بالعقل، لا بالانطباعات ولا بالإشاعات، بوسعنا أن نفترض بأننا نعيش الآن لحظة حاسمة وعصيبة ضمن صيرورة الانقلاب على روح “العهد الجديد”، وذلك بعد ثمانية عشرة عاما من الحلم، وأن ثمة ألغاما زرعت لهذه الغاية داخل أهم مفاصل الدولة في عهد الحكومة الحالية والسابقة. عندما ينهار الحلم قد تنهض الكوابيس. إنها فكرة سوداوية بالفعل، لكننا لا نستطيع التفاؤل دون قدر من التواطؤ مع غرائز التدمير. هذا التواطؤ لسنا مستعدين له.

الوطن لا يتحمّل نزيفاً آخر

جميع الباحثين المغاربة يعرفون بأن مشكلة الصحراء المغربية كان بالإمكان احتواؤها بالسياسة وبالتعقّل منذ اللحظات الأولى، ومن ثمة تفادي نزيف باهظ الكلفة استغرق أربعة عقود واستنزف الكثير من مواردنا وقدراتنا وإلى الآن ليس الحل بقريب.

اليوم، يبدو أن القوى الانفعالية داخل السلطة – والتي قد لا تكون على قلب رجل واحد – قد تدفع بالأمور نحو توريط البلد في نزيف وطني يعلم الله مداه ومنتهاه. لذلك، إننا إذ نقول “لا” في وجه “انفعالات” السلطة، فلأننا ندرك بالحس التاريخي بأن أخطاء السياسة في اللحظات الانفعالية قد يدفع ثمنها الجميع لأجيال وأجيال. لهذا السبب بالذات كان أفلاطون، أب الفلسفة السياسية، يصرّ على أن تكون السياسة وظيفة النفس العاقلة. طيب دعنا نضيف هذا التوضيح: النفس العاقلة نطلبها من السياسيين أوّلا، قبل أن نطلبها من المواطنين ثانيا.

آمال الحراك وأهوال الربيع المحروق

ها قد قيلت الكثير من الأمور، وقيلت أغرب الأمور، وفي غمرة التقوّل بلغت القدرة على التأليب المناطقي والعرقي مدى يُهدد الوطن بنزيف مكلف. ومن أخطر وأظلم ما قيل، إن السلطات المغربية يجب أن تقمع “حراك الريف” بلا هوادة، حتى لا يتحول المغرب إلى سوريا ثانية أو ليبيا جديدة. ويا لها من حجّة شنيعة. بمعنى، أن على الدولة أن تفعل مثلما فعل بشار الأسد حتى لا يتحول المغرب إلى سوريا ثانية. فيا للمنطق، في غمرة التحريض المناطقي كثيرون من أعادوا ترويج خطاب الحسن الثاني الشهير الذي هدّد فيه أهل الريف وتوعدهم بأسوأ العواقب إبان سنوات الثمانين. وهذا ما لا يمكن فهمه سوى كمحاولة شنيعة لتأليب الدولة المركزية على إحدى جهات المملكة.

أصحاب الدعوى لا يدركون بأن ما يفعلونه هو بالذات أساس المأساة في ليبيا وسوريا وغيرهما.

لو كان بإمكاني أن أقولها بمكبر صوت يبلغ آذان الجميع لقلتها: كل المآسي التي حدثت في الربيع المحروق لم تكن قضاء لا راد له، بل كان بالإمكان تفاديها في لحظاتها الأولى بالحكمة والتعقل؛ كانت الفرصة سانحة في سوريا منذ لحظة درعا، وكانت الفرصة سانحة في ليبيا منذ لحظة بنغازي. بل إن بعض حكماء الدولة قدموا حينها حلولا فعالة سرعان ما أجهضها أنصار المقاربة الأمنية. والتفاصيل قد لا يسع مجالها هنا الآن.

في رمزيّة الكلام عن رمزية ملك اسمه محمد الخامس

تكلمتُ في أول الكلام عن الملك أوديب الذي ورد ذكره في الأسطورة اليونانية القديمة، والآن أود الكلام عن ملك آخر حديث العهد، لا ينتمي إلى عالم الأساطير، بل ينتمي إلى واقعنا التاريخي. ولأنّ الشيء بالشيء يذكر، فإن مشاعرنا تجاهه تشبه إلى حد بعيد مشاعر التونسيين إزاء الحبيب بورقيبة. ولربما ليس صدفة أن يكون قلب العاصمة التونسية هو ملتقى شارع بورقيبة وشارع محمد الخامس.

عموما، هنا أو هناك، يتعلق الأمر بمفهوم تاريخي أكثر ما يتعلق بمجرد اسم دال على شخص. ما الحكاية؟ باختصار، في لحظة تاريخية مفصلية وخطرة من تاريخ المغرب، تمرّد الملك محمد الخامس على سلطات الحماية التي كان خاضعا لها بحكم موازين القوى، ثم التحم بالشعب وبالحركة الوطنية. ولما حاولوا خلعه كان الشعب في الموعد. بهذا النحو نجح “أجداد الشعب”، رفقة “جد الملك”، في إبداع ما يسمى بـ“ثورة الملك والشعب”.

اليوم، بعد أن بدأ الكثير من صناع القرار بالمغرب يتبادلون جهارا ونهارا التهم الخطرة حول تدبير ميزانيات بالمليارات كانت مرصودة لهذه المنطقة أو تلك- وهذا دليل براءة حراك الريف- فإن الأمر لدليل أيضا على أن أصل الداء هو الفساد الذي استفحل حتى ضاق بنفسه ذرعا، ويكاد يفجر كل شيء. لعل البعض يكتفي بدعاء المتربصين، اللهم اضرب الفاسدين بالفاسدين وأخرجنا منهم سالمين. هراء وهراء، فإن الوطن حين يحترق، لا ينجو سوى الفاسدين. الخاسر في الأخير وفي آخر التحليل هو الطرفان الأساسيان ضمن معادلة “تعاقد الأجداد”. هذا لا يجب أن ننساه. وهكذا يجب أن تكون رسالتنا.

كاتب مغربي

11