مقامرة أميركية غير مضمونة تراهن على طالبان لاجتثاث داعش

صفقة محفوفة بمخاطر تحالف الجماعات الإرهابية المسلحة في أفغانستان.
الثلاثاء 2019/08/20
لا ثقة في وعود طالبان

أملت التطورات السياسية التي أفرزتها جولة المفاوضات التي تعكف على إجرائها الإدارة الأميركية مع حركة طالبان لإنهاء قرابة عقدين من القتال والتي قد تتوج بعقد اتفاق للسلام في قادم الأيام، على واشنطن بأن تنظر إلى هذه الحركة على أنها أشبه بحمل وديع مقارنة بخطورة فرع داعش في أفغانستان الذي كثف من عملياته الإرهابية مؤخرا، ولذلك وجب استمالتها لاجتثاث الدولة الإسلامية. لكن هذه الخطة الجديدة التي يدفع البيت الأبيض إلى تطبيقها تبقى محفوفة بالمخاطر لسببين؛ أولهما يكمن في عدم ثقة الكثير من المراقبين بوفاء طالبان لالتزامها بعقد السلام، أما السبب الثاني فيتمثل في ما قد تمثله بعض قواعدها الغاضبة والتي اختارت مبايعة تنظيم داعش من خطورة قد تفشل كل هذه المساعي.

كابل – إن اقتراب الولايات المتحدة من عقد اتفاق مع حركة طالبان بعد خوض ماراثون من المفاوضات يهدف إلى إنهاء 18 عاما من القتال، لا يعني  أن واشنطن لديها ثقة تامة بأن الحركة المسلحة ستكف عن أنشطتها الإرهابية، لكنها تجد فيها سلاحا جديدا يمكن المراهنة عليه لإنهاء أنشطة أخرى أخطر يقوم بها تنظيم داعش في أفغانستان.

وترى الإدارة الأميركية في أن حركة طالبان ستكون، إن تمت الموافقة على النقاط المطروحة على طاولة المفاوضات ومن أهمها عدم استخدام الحركة المسلحة للبلاد كنقطة انطلاق لشن هجمات عالمية، من أهم الوسائل المتاحة لكسر فرع داعش المتمادي في شن ضرباته الإرهابية في الأشهر الأخيرة هناك لما اكتسبته طالبان من عمق شعبي في أفغانستان.

ميدانيا، بدأت هذه الخطة الأميركية تتحسس خطاها بعدما جدد حادث تفجير انتحاري استهدف حفل زفاف في كابول، والذي أعلن فرع تنظيم داعش عن مسؤولية تنفيذه، المخاوف بشأن التهديد المتزايد الذي يشكله الآلاف من مقاتلي التنظيم، وكذلك قدرتهم على التخطيط لتنفيذ هجمات عالمية من معقل الجبال المحرمة في شمال شرق أفغانستان.

وتأمل واشنطن الآن في أن تتمكن حركة طالبان من كبح جماح مقاتلي داعش، حتى مع ازدياد القلق من انضمام مقاتلي طالبان، الغاضبين من اتفاق السلام هذا، إلى داعش.

زلماي خليل زاد: يجب التسريع في إتمام عملية السلام لهزم داعش في أفغانستان
زلماي خليل زاد: يجب التسريع في إتمام عملية السلام لهزم داعش في أفغانستان

ويقول المبعوث الأميركي إلى أفغانستان لإجراء المحادثات مع طالبان، زلماي خليل زاد، يجب التسريع من إتمام عملية السلام لتعزيز وضع أفغانستان من أجل هزيمة فرع تنظيم داعش. ويوم الاثنين الماضي، تعهد الرئيس الأفغاني، أشرف غني بالقضاء على جميع المعاقل الآمنة التي تأوي داعش.

وتضم أفغانستان فرعا لتنظيم الدولة الإسلامية، لا يشكل تهديدا على حركة طالبان فحسب بل إنه يمثل خطرا أيضا على الولايات المتحدة بحسب ما أقرّ به العديد من المسؤوليين الأميركيين.

لقد ظهر تنظيم داعش في أفغانستان بعد فترة وجيزة من طرد مقاتليه الأساسيين في كل من سوريا والعراق عام 2014، حيث قاموا بإنشاء خلافتهم الإسلامية المزعومة في كلا الدولتين. ويسمي الفرع الأفغاني نفسه باسم محافظة خراسان، نسبة إلى اسم بعض مناطق من أفغانستان وإيران وآسيا الوسطى خلال العصور الوسطى.

ورغم هزيمة تنظيم داعش في معاقله بسوريا والعراق، عادت الجماعة المتطرفة إلى شن هجمات متكررة في كلا الدولتين ضد قوات الأمن والمدنيين.

وفي تقرير لمجلس الأمن، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، إن تنظيم داعش يمتلك الآن ما لا يقل عن 300 مليون دولار بعد فقدان الخلافة المزعومة، “مع عدم وجود أي مطالب مالية للسيطرة على الأراضي وشعوبها”. وحذر من أن هدوء التنظيم بشأن شن الهجمات الدولية “قد يكون مؤقتا” وقال إن أفغانستان لا تزال أفضل منطقة نزاع بين أولئك الذين يجتذبون المقاتلين المتطرفين الأجانب من داخل المنطقة.

وفي البداية، لم يكن عدد من ينتمون إلى تنظيم داعش في أفغانستان سوى بضع عشرات من المقاتلين، معظمهم من حركة طالبان الباكستانية الذين طُردوا من قواعدهم عبر الحدود ومن حركة طالبان الأفغانية المنشقين الذي انجذبوا لأيديولوجيا داعش الأكثر تطرفا.

وبينما حصرت حركة طالبان أنشطتها داخل أفغانستان، تعهد مقاتلو داعش بالولاء لأبوبكر البغدادي، واعتنقوا دعوته لممارسة الجهاد الدولي ضد غير المسلمين.

داعش

وقد عانى فرع تنظيم داعش الأفغاني من بعض النكسات المبكرة بسبب استهداف الغارات الجوية الأميركية لقادته. لكنه حصل على دعم كبير عندما انضمت حركة أوزبكستان الإسلامية إلى صفوفه في عام 2015.

وبحسب تقارير الأمم المتحدة، يضم التنظيم ما بين 2500 و4000 مقاتل، أغلبهم من آسيا الوسطى ومن الدول العربية والشيشان والهند وبنغلاديش، وكذلك من قبائل الاويغور العرقية من الصين.

وداخل أفغانستان، شن داعش هجمات واسعة النطاق على الأقلية الشيعية، التي يعتبرها مرتدة. وقالت الجماعة إن الهجوم الذي وقع السبت على حفل الزفاف استهدف تجمعا شيعيا كبيرا، على الرغم من أن الاحتفال ضم في الواقع حشدا مختلطا من الشيعة والسنة، وفقا لمالك القاعة، حسين علي. وقد أسفر التفجير عن مقتل ما لا يقل عن 63 شخصا وجرح 200 آخرين.

ويُنظر إلى داعش على أنه تهديد أكبر من طالبان بسبب قدراته العسكرية، سواء في أفغانستان أو في الخارج.

ويرى بروس هوفمان، مدير مركز الدراسات الأمنية بجامعة جورج تاون، أفغانستان كقاعدة جديدة محتملة لداعش. وقال في وقت سابق من هذا العام، لقد استثمر التنظيم “كمية غير متناسبة من الاهتمام والموارد في أفغانستان”، مشيرا إلى عملية “تخزين ضخمة للأسلحة” في شرق البلاد.

وكانت السلطات الأميركية قد نفذت ثمانية اعتقالات على الأقل في الولايات المتحدة مرتبطة بفرع تنظيم داعش في أفغانستان. وأحد المعتقلين كان مارتن عزيزي – ياراند، البالغ من العمر 18 عاما في تكساس والذي خطط لهجوم عام 2018 على مركز تجاري في إحدى ضواحي المدينة وقال إنه كان مستوحى من داعش وكان يستعد للانضمام إلى فرع التنظيم.

داعش

وظهرت التكتيكات الوحشية للجماعة بوضوح داخل أفغانستان منذ سنوات. حيث يصف السكان الذين فروا من المناطق التي استولت عليها الجماعة هذا الحكم الإرهابي مثل ذلك الذي شوهد في سوريا والعراق في وقت ذروة قوة داعش.

ويقع مقر فرع تنظيم داعش الأفغاني في محافظة ننكرهار الشرقية، وهي منطقة وعرة على طول الحدود مع باكستان، ولكن له أيضا وجود قوي في شمال أفغانستان وتوسع مؤخرا في مقاطعة كونار المجاورة، حيث قد يكون من الصعب التخلص منه.

 وقد وفرت المقاطعة الجبلية المأوى لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن لمدة عام تقريبا بعد الإطاحة بحركة طالبان من السلطة في أواخر عام 2001، وقد كافحت القوات الأميركية لسنوات من أجل الاستيلاء على المواقع الأمامية المرتفعة هناك.

في الأشهر الأخيرة، قالت حركة طالبان إنها ليس لديها طموحات لاحتكار السلطة في أفغانستان ما بعد الحرب، في حين أن تنظيم الدولة الإسلامية ملتزم بالإطاحة بحكومة كابول التي تقف في طريقه نحو إقامة خلافة عالمية.

داعش

وتختلف حركتا طالبان وداعش بشكل حاد من حيث الأيديولوجيا والتكتيكات، حيث تقتصر طالبان إلى حد كبير هجماتها على الأهداف الحكومية وقوات الأمن الأفغانية والدولية.

ولا تزال حركة طالبان هي القوة الأكبر، ومقاتلوها الآن في أقوى حالاتهم منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2001، وسيطروا فعليا على نصف البلاد.

لكن الصفقة قد تؤدي إلى نزوح المزيد من مقاتلي طالبان للانضمام إلى داعش، وهي عملية تجري بالفعل في أجزاء من شمال وشرق أفغانستان، بعد أن هاجمت طالبان داعش فقط لتخسر الأراضي والمقاتلين أمام الجماعة المتطرفة المنافسة.

7