مقاهي الجزائر تضفي لمسة ناعمة بالترحيب بالنساء في أمسيات الصيف

مقاهي العاصمة الجزائرية أصبحت في السنوات الأخيرة تشهد إقبالا متزايدا من قبل النساء وهو ما يغير من المفهوم القديم لمقهى المدينة.
الخميس 2018/08/09
فضاء لجميع الشرائح الاجتماعية

الجزائر - يجد الجزائريون في السنوات الأخيرة متنفسا جديدا لقضاء أمسياتهم الصيفية في قلب العاصمة، وذلك بالجلوس على طاولات مقاه انفتحت على الشوارع الكبرى، فباتت فضاءات تنتعش مساء بإقبال ملفت لزبائن غيروا من المفهوم القديم لمقهى المدينة.

قد يكلف الظفر بطاولة بأحد المقاهي المتوفرة بقلب العاصمة نصف ساعة أو أكثر من الانتظار، حسبما لوحظ في مقهى “ميلك بار” التاريخي، وهو حال العديد من الأماكن الأخرى المشابهة التي أصبحت في السنوات الأخيرة مقصد الرجال والنساء معا.

ويعد الـ”ميلك بار” وسط المدينة، واحدا من المقاهي الشهيرة التي يقصدها الزوار المحليون والأجانب على مدار السنة، وبشكل أكبر في أمسيات الصيف، لما يوفره من جلسة مفتوحة على شارع العربي بن مهيدي المحفوف بالأشجار والمطل على تمثال الأمير عبدالقادر.

وغالبا ما اقترن ارتشاف كوب شاي أو فنجان قهوة عند السيدة فتيحة،  ناشطة جمعياتية، بالتقاط صورة تذكارية رفقة ضيوفها من الولايات الأخرى أو الأجانب الذين “يصرون على زيارة هذا المقهى التاريخي”.

ويعترف النادل لوكالة الأنباء الجزائرية (واج) بـ”صعوبة إرضاء” الزبائن الذين يفضلون الطاولات الخارجية، رغم أن المحل استفاد منذ سنوات قليلة من إعادة تهيئة وتعويض الجدران بواجهات زجاجية تسمح بالاتصال بالخارج، إلا أن الجلوس على الشرفة، على حد قوله، “لا يضاهيه” مكان في الداخل.

وبالقرب من البريد المركزي، تختلط خطوات المارة بالجالسين على طاولات مكتظة أصبحت نقطة التقاء العديد من الموظفين والإعلاميين والمثقفين، كما هو حال محمود وسفيان المشتغلين في مجال الاتصال اللذين يؤكدان أن هذا المكان يسمح لهما بـ”لقاء أكثر من شخص في ظرف زمني قصير”، ناهيك عن “الجو العام المتوفر”.

أما زميلتهما سارة.ع، فتقول إن الجلوس خارج المقهى شكل لديها حرجا في البداية، إلا أن إقبال الناس باختلاف مشاربهم وأعمارهم و”تغير السلوكات إلى الأفضل” شجعاها على تقاسم هذا الفضاء مع الغير.

وترى سميرة. إ من جهتها، أن مقاهي اليوم هي “فضاءات جميلة ومؤثثة أيضا للوجه العام للمدينة”، بينما تشير زهية. م إلى أن المقاهي توفر “نوعا من الراحة” للنساء والرجال معا، إلا أن عددها قليل جدا بالنظر إلى طموح العاصمة في التحول إلى واجهة متوسطية رائجة.

ارتياد النساء للمقاهي ليس عيبا لأنها أماكن عمومية يرتادها الجميع، لكن مجتمعنا يصنف ذلك في خانة المحرمات

وأثار جلوس النساء في المقاهي جدلا واسعا في المجتمع الجزائري، فيرى المحافظون أن هذه الظاهرة تأتي في أطار حملة ممنهجة لاقتلاع المجتمع الجزائري من عاداته وتقاليده ويتبع الغرب في كل تصرفاته.

ويرى آخرون أن المرأة الجزائرية خرجت للعمل وتبوأت وظائف عديدة أثبتت فيها جدارتها، لذلك من حقها أن تحصل على قسط من الراحة ولقاء الأصدقاء والأقارب بعيدا عن البيت وواجباته.

ويرى الأخصائيون الاجتماعيون أن ارتياد النساء للمقاهي ليس عيبا في حد ذاته لأنها أماكن عمومية من المفروض أن يقصدها الجميع من الجنسين، لكن ولأن مجتمعنا يعيش انغلاقا فكريا فقد صنفت في خانة المحرمات.

وتقول النساء اللاتي يرتدين المقاهي إنهن تمردن على العادات والتقاليد وحطمن القيود الاجتماعية وهدفهن الوصول إلى المساواة الكاملة مع الرجل وتحقيق ما يردن.

وفي جولة عبر شارع العربي بن مهيدي ديدوش مراد وصولا إلى نهاية شارع علي منجلي، تم تسجيل عدد من المقاهي وقاعات الشاي المفتوحة على الشارع، فكانت في حدود العشرة محلات تحولت إلى نقاط تجمع يتقاطع فيها الشباب والكهول والنساء في جلسات بدت مريحة للعيان.

والتقت (واج) بالفنان سيد علي بن سالم، الذي أكد أن انتشار المقاهي عبر شوارع العاصمة “يعد ترفا لصالح المواطنين والزوار”، لكن يجب في نظره، أن ترفق بـ”تسيير عقلاني يحتكم إلى المنطق السياحي” ويأخذ بعين الاعتبار حق الزبون في لائحة اختيار واسعة عكس ما هو مطبق اليوم.

وباتجاه ساحة بور سعيد، وعند مقهى “طونطوفيل” المحاذي للمسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي، اعتبر الممثل المسرحي بلة بومدين من ولاية تندوف أن المرور على طونطوفيل هو شبه واجب، فهنا يستحيل، حسب قوله، أن لا تلتقي بأحد الأصدقاء ورفقاء المهنة. وأخذت مقاهي اليوم شكلا معاصرا بدخولها إلى شبكات التواصل الاجتماعي والترويج لها من خلال مواقع إلكترونية حيث تُوضع لها فيديوهات إشهارية بمميزات عصرية، وصور لها ولأماكنها المتنوعة التي تقع في نواحي أحياء جديدة مثل حيدرة والدرارية والعاشور ودالي إبراهيم، وفي المقابل أوصدت أبواب المقهى الرمز “مالاكوف” و نزح بعض رواده إلى مقهى “تلمساني” بجانب الجامع الكبير.

وأوضح الباحث في تراث العاصمة الجزائرية مهدي براشد أن علاقة الجزائري بالمقهى تمتد إلى عصور قديمة، وأن القصبة كانت “مدينة حية تتنفس من خلال فضاءات ذات بعد اجتماعي وخصوصا عبر مؤسستين أساسيتين هما المسجد والمقهى”، معتبرا أن مفهوم المقهى تغير مع الوقت خاصة في السبعينات، “حينما أخذ معنى آخر بظهور قاعات الشاي بكل حمولتها القيمية والاجتماعية”.

كما أشار إلى أن المقاهي سالفا، وعلاوة عن كونها مكانا للمواعيد والانتظار، كانت “تحتضن الأعراس وجلسات الأفراح”، في إشارة منه إلى مقاهي “بوشعشوعة” و”الجواجلة” و”مقهى الرياضي” و”مالاكوف” الذي أحيا فيه، حسب المتحدث، الحاج الناظور مع الحاج محمد العنقى جلسة غنائية في 1923.

ويصف المهتم بالتاريخ الفني للعاصمة فيصل شريف، تلك المقاهي بـ”المساحات الاجتماعية للتلاقي والتواصل” التي كرست انطباعا بأنها “عوالم ذكورية بامتياز”. كما اقترنت بشخصية فريدة من نوعها أو بعائلة أو قصة تاريخية. ويتأسف من جهة أخرى للتغيرات الطارئة على المقهى التي كانت في السابق تساهم في الحياة الفنية والثقافية والاجتماعية للجزائريين، وقال إن المتوفر اليوم في الساحة مجرد ظلال يلجأ إليها الناس لاحتساء فنجان قهوة على عجل.

20