مقاهي بيروت ملاعب كراتها الكلام

الخميس 2014/03/20
بات المقهى مكانا للقاء والاستفادة من خدمات الإنترنت فقط

بيروت - لطالما كانت المقاهي إحدى سمات الحياة الاجتماعية في العاصمة اللبنانية بيروت، وملتقى للسياسيين وكبار رجالات الدولة، حيث كانت تسقط فيها حكومات وتشكل أخرى.

بعد انسحاب الساسة إلى مجالسهم الخاصة وانزوائهم في منازلهم ومناطقهم، في معظم الأحيان لأسباب أمنية، تحولت معظم مقاهي العاصمة اللبنانية بيروت لما بات يُعرف بـ”كافيهات”، يرتادها الشباب للاستفادة من خدمة الإنترنت المجانية والغوص في عالم التواصل الاجتماعي الإلكتروني.

وقبل عشرات السنوات كان “البيارتة” (أي أهل بيروت)، يرتادون المقاهي للترفيه عن النفس من خلال لقاء الأصدقاء والاستماع إلى قصص الحكواتي وتناول القهوة التركية، وهي عادة عثمانية نشأت في إسطنبول، ثم انتشرت في مختلف المدن العربية التي كانت تخضع للحكم العثماني .

وكانت هذه المقاهي “ملتقى للسياسيين ولجميع العاملين في القطاع العام، ولكن مع الوقت تراجع الحضور السياسي في المقهى، فتحول من برلمان سياسي ثقافي فكري أدبي إلى برلمان ثقافي محض”، بحسب الإعلامي زاهي وهبي، الّذي يرتاد أحد هذه المقاهي، بشكل يومي، في منطقة المنارة المطلة على البحر في بيروت.

ويرد وهبي أسباب تراجع الحضور السياسي في المقهى، إلى أن “الطبقة السياسية الحالية أصبحت أقلّ ثقافة مما كانت عليه نظيرتها في الماضي، فالأجيال القديمة من السياسيين كانت أكثر صلة بالمعرفة والثقافة”، خاصّة أنّ معظم مؤسسي الأحزاب في المشرق العربي كانوا من “كبار الأدباء والمثقفين، بينما لو نظرنا إلى رجال السياسة اليوم لرأينا، في مناسبات نادرة، سياسيا يقرأ كتابا أو له علم بما يدور في عالم الفكر والأدب”.

ويستذكر بعض المقاهي القديمة، مثل الـ “دولشي فيتا” ومطعم “فيصل” في بيروت، والتي كانت “ملتقى لرجال السياسة، حيث كانت الحكومات تؤلّف أو تسقط في بعضها “.

ويعطي وهبي مثالا عن الدور الكبير للمقاهي في الماضي، ففي أواخر الستينات من القرن الماضي منع الأمن العام اللبناني مسرحية “محترف بيروت” للممثلة نضال الأشقر، إلاّ أن الأشقر تحدت هذا القرار وقدّمت مسرحيتها على الرصيف المقابل لمقهى “الهورس شو” الشهير في شارع الحمرا.

لم يعد للمقهى اليوم أي دور سياسي أو أدبي كما كان في الماضي

ولفت، آسفا، إلى أنّه لم يعد للمقهى اليوم أي دور في هذا الإطار، فمع “تطور وسائل الميديا الحديثة، أصبح الشباب يعبرون عن آرائهم وأفكارهم وهم في البيت أو في السيارة أو في الجامعة، وبات المقهى مكانا للحوار واللّقاء أكثر ممّا هو لوبي أو مجموعة ضغط على الحياة السياسية”.

وأشار إلى أن عددا كبيرا من مقاهي شارع الحمرا الشهير، الّذي كان يُشبّهُ في الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي بشارع “الشانزليزيه” الباريسي الشهير، أمثال “الويمبي” و”المودكا” و”الكافيه دوباري” و”الاكسبرس″ أقفلت، مقابل ظهور مقاه جديدة “تشبه العصر”.

من جهته، يشبّه الشاعر عصام عبدلله المقهى “بالملعب، وبدل الكرة يكون الكلام هو الأداة والوسيلة للّعب”.

فبعد مرور أكثر من 40 عاما على ارتياده لمقاهي بيروت، يؤكد عبدلله أن المقهى يشكل “حركة الحرية الوحيدة في حياته”، ويقول “في البيت أنت لست حرا، وعندما تزور الناس أنت لست حرا، بينما في المقهى تكون حرا، تتكلم ساعة ما تشاء وتسكت ساعة ما تشاء، لا سلطة لأحد عليك، فقط أنت وساعتك والحرية”.

وأشار عبدلله إلى أن “نظرية المقهى وفلسفته قائمة على اجتماع مجموعة من الأشخاص دون موعد”، واصفا كل جالس بالمقهى بـ”الحكوتجي، ولكل طاولة هوية واختصاص يعودان إلى أصحاب الطاولة، فالقضاة يجلسون مع بعضهم البعض، والأدباء أيضا وكذلك الصحفيّون،” ما يعكس توزيع الفئات الاجتماعية في البلاد.

ولفت إلى أن معظم المثقفين من شعراء وأدباء ومؤلفين، أصبحوا يرتادون المقاهي اليوم فقط “للتسلية والسخرية من كل ما هو محيط بنا من تدهور للقيم الأخلاقية”، مضيفا أنّ المقهى مكان لائق لكنّ قيمته تزيد بقيمة ونوعية زبائنه ومرتاديه.

أصبح معظم المثقفين يرتادون المقاهي فقط للتسلية والسخرية

ويتجمع طلاب الجامعات والثانويات عادة في ساعات ما بعد الظهر والمساء، في مقاه وسط بيروت ومنطقة الحمرا، لتبادل أطراف الأحاديث أو إعداد واجباتهم المدرسية، فيما يقصدها معظمهم للاستفادة من خدمة الإنترنت المجانية والولوج إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

واعتبر الصحفي شربل عبود أن المقاهي في “عصرنا هذا صورة مصغرة عن التنوع الموجود في البلد، وهنا للقهوة الأميركية طقوسها الخاصة ورائحتها أيضا”.

ولفت عبود إلى أن أسباب ارتياده لهذا النوع من المقاهي، يعود إلى “نوعية الأشخاص الذين يزورونها، إضافة إلى خدمة الإنترنت التي تتوفر فيها.”

“لا شيء يبقى على حاله”، هكذا يصف أبو خالد واقع المقاهي اليوم، فالرجل الذي يرتاد “قهوة صليبا” في منطقة بربور “البيروتية” منذ أكثر من 32 عاما، يفضل المقاهي القديمة وتراثها وروّادها حيث يلتقي الأصدقاء لِلَعب الورق.

وبمجرد الدخول إلى “قهوة صليبا”، تعيدك هندسة الطاولات والكراسي المعتقة بالذكريات والجدران المزينة بلوحات توثق حياة سكان بيروت القديمة بالأبيض والأسود، إلى ماض جميل ضاع من كثرة الحروب الّتي غيّرت الكثير من معالم هذا البلد.

الجلوس إلى جانب أبو خالد ممتع، خاصة أنه هو المسؤول عن توثيق “الربح والخسارة” للاعبي الورق، على لوح خشبيّ مستخدما الطبشور، فاللعب هنا يستمر لساعات وساعات، تقطعه من وقت للآخر أصوات اللاعبين الّتي تعلو معلنة فوز أحدهم أو لاستنكار”حركة خاطئة” قام بها شريك أحدهم باللعب. فالأمر هنا يعود لمدى تناغم الشريكين مع بعضهما البعض.

ويقول أبو خالد “كل شىء تغير.. في السابق كانوا يجتمعون في المقهى بسبب محبة بعضهم البعض أو للقاء الأصدقاء.. كل شيء كان أجمل في الماضي”.

وأكثر ما يخشاه أبو خالد، هو أن تغلق مقاهي بيروت القديمة المتبقّية أبوابها، باعتبار أنّ “شباب اليوم” لم يعودوا متحمسين لارتيادها، ويفضلون المقاهي الحديثة.

20