مقاهي دمشق الشهيدة.. من مكان للمثقفين إلى معتقل صغير

الجمعة 2013/10/04
حكواتي يتصدر مقهى دمشقي ليسرد حكاياته المشوقة

دمشق – لقد تغير الدور التقليدي للمقهى كمكان لشرب القهوة والنارجيلة ولعب الورق تدريجياً مع الزمن، وأصبح المكان الذي جمع شتات الأدباء والسياسيين، وأسهم في الحوار المتواصل بين المبدعين ورجالات الفكر على مر الأيام. فبعض المؤرخين الأوروبيين لاحظوا أهمية المقهى كمركز ومكان لاجتماع المثقفين والسياسيين ورجالات ونساء الفكر، ومنهم من ذهب في القول إلى أن المقاهي مهدت للثورات الاجتماعية والسياسية في أوروبا، وعلى رأسها الثورة الفرنسية.

أما في دمشق فتحدثت الرحالة الإنكليزية "الليدي استانهوب" التي قامت برحلتها إلى الشرق عام 1810، مقاهي دمشق بقولها: "وفي المقاهي يتربع الدمشقيون بوقار على مصاطب غطيت ببسط خشنة، يدخنون النارجيلة أو يرتشفون القهوة المعطرة بالعنبر الأصفر الذهبي في فناجين صغيرة، وإذا ما عطش الزبائن يستوقفون سقاءً عابراً أو بائع الجلاب أو العنب، ومن حين لآخر يتصدر"الحكواتي" المقهى ويشرع في سرد حكاية من حكايا ألف ليلة وليلة".

وقديماً كان أغلب رواد المقاهي من التجار وطبقة العمال، فالعامل المتعب كان زائراً ثابتاً للمقهى. وتدريجياً أصبح يرتاده الموسيقيون، فقبل دخول الراديو والتلفاز كانت المقاهي مركزاً لإقامة الحفلات الغنائية، وكان الحكواتي من الشخصيات الثابتة في المقهى لجذب العابرين للجلوس فيه، إلى أن أصبح المقهى مكاناً للشخصيات المحلية الهامة، يجتمع فيه الرجال للتحاور والسجال في شؤون المجتمع والسياسة والثقافة.

ومع بداية القرن الـ20، اكتسب المقهى بعداً سياسياً لرصده الأحداث والتحولات السياسية والفكرية التي مرت بها معظم بلدان العالم العربي، فالذي ميز المقهى تاريخياً أنه من الأمكنة التي كانت تسودها حرية التعبير، وهذا ما كان يخيف الحكام والسلاطين.

وتميزت دمشق بمقاهيها العريقة وبإرثها الثقافي والسياسي، فقد دخلت القهوة إلى دمشق لأول مرة في القرن 15 م على يد الشيخ أبو بكر ابن عبدالله الشاذلي اليمني المتوفى سنة 1503. وتدريجياً انتشرت المقاهي في أحياء دمشق وشوراعها.

مقهى 'خبيني' يقع أمام الباب الخلفي للجامع الأموي

ومن تلك المقاهي التي اشتهرت قديماً، ولا تزال حتى وقتنا الحاضر، مقهى "خبيني" مقابل الباب الخلفي للجامع الأموي، الذي كان ملاذاً للشباب الفارين من الخدمة العسكرية إبان الحرب العالمية الأولى المعروفة بحرب "السفر برلك"، وكانوا يتوجهون إلى رواد المقهى هرباً من الشاويش التركي، ويقولون لهم "خبيني"، فحمل المقهى هذه الكلمة مسمىً له.

لقد تحول مقهى "خبيني" خلال السنتين الماضيتين في عمر الثورة السورية إلى معتقل صغير لكل من يسمح لنفسه بالخروج من الجامع الأموي والتظاهر. فكان رجال الأمن والشبيحة المتواجدون في المقهى، سرعان ما يبدؤون بالهجوم على المتظاهرين وحجز المعتقلين بالمقهى مؤقتاً، ريثما يتم نقلهم إلى المراكز الأمنية. حتى أصبح رواد المقهى التقليديون يتغيبون عنه تدريجياً.
المرحلة الذهبية التي شهدتها دمشق مع بداية الأربعينيات، من حيث انتشار المقاهي التي تحولت إلى منتديات أدبية حقيقية، تبددت منذ السبعينيات وما تلاها من عقود، لتتحول إلى مراكز لرجال الأمن والشبيحة مع بداية الثورة السورية الحالية. فمقهى "البرازيل" الذي تأسس سنة 1939 و كان لا يقدم لزبائنه إلا القهوة والشاي، شكّل مع مقهى "الهافانا"، ومقهى "الكمال الصيفي" أهم المقاهي السياسية الرئيسية في دمشق، كان شاهداً على فترة سياسية مهمة من تاريخ سوريا، يجتمع فيه السياسيون والروائيون والشعراء والصحفيون.

كما شكّل مقهى "الروضة" الذي تأسس عام 1938 ويقع في شارع العابد وسط دمشق، شاهداً على حقبة مهمة من تاريخ سوريا الحديث والمعاصر، وتحول إلى محطة لرموز وأعلام الثقافة والفكر ورجالات السياسة في أواخر فترة الانتداب الفرنسي. واستمر طوال 50 عاماً ملتقى للمثقفين.

تلك المقاهي التي مثّلت في مرحلة تاريخية ما مساحة للحرية وبرلماناً حقيقياً لتبادل الأفكار والآراء ضد كل أشكال القمع. آلت في العقود الأربعة الأخيرة من عمر سوريا، مع تحكم قبضة الأمن البعثي وسياسة كم الأفواه، إلى اندثار البعض وإغلاق أبوابها، أو استمرار البعض الآخر دون أن يتجاوز دورها الأول وهو شرب القهوة والنرجيلة ولعب الورق ومقابلة الأصدقاء.

17