مقاهي مبارك

الأحد 2015/08/02

ناشد عدد من الزملاء الصحفيين الرئيس الأسبق حسني مبارك كي يتحدث إلى قنوات فضائية مصرية أو عربية، يحكي فيها عن تجربته في كيفية إدارة مصر على مدار 30 عاما. وزعموا أن مبارك سيقدم بهذه الأحاديث شهادة تاريخية عن أطول فترة قضاها حاكم لمصر طوال 7 آلاف عام على أن يذكر فيها الأخطاء والإيجابيات بكل نزاهة.

والحقيقة أنني استحضرت في ذهني مقالا كتبه عام 2009 زميلنا في جريدة "العربي" الناصرية محمد علي خير. ذهب خير إلى مكتب صفوت الشريف أمين عام الحزب الوطني وأحد أقوى رموز حكم مبارك، وسأله كيف يحكم الرئيس مصر؟ كانت الإجابة صاعقة وصادقة.

قال الشريف إن الرئيس استنّ لنفسه قاعدة منذ اليوم الأول لحكمه، وهي أن لا يفاجأ بصدور قرار مهم من أيّ مسؤول بالدولة دون علمه ويستوي في ذلك الوزراء والمحافظون ورؤساء الهيئات الكبرى والجامعات. وإذا أصدر أيّ مسئول قرارا وظهر في وسائل الإعلام يتم عزله فورا. إذا عرف الشعب قرارا قبل الرئيس، فعلى المسؤول الذي أصدره أن يلملم أوراقه ويغادر مكتبه من نفسه. لكن كيف يعرف المسؤول أن هناك قرارا مهمّا وآخر غير جدير بالاهتمام؟

بالممارسة.. وضرب الشريف مثالا للقرارات المهمة بالمذكرة التي رفعها حبيب العادلي وزير الداخلية الأسبق للرئيس طالبا إغلاق المقاهي في الثامنة مساء وأن يتم إدخال الكراسي لداخل المقهى من الساعة الخامسة، وذلك لتقليل الازدحام على الأرصفة وانسياب المرور وتخفيف استهلاك الكهرباء.

فوجئ العادلي باستدعاء مبارك له ووجد نفسه وسط اجتماع موسّع لمعظم الوزراء المهمين ومعهم مدير المخابرات الراحل عمر سليمان. طلب الرئيس من العادلي عرض اقتراحه للحضور. والمدهش أن الجميع وافقوا عليه ما عدا مبارك وعمر سليمان! غضب مبارك وانفعل وقال للعادلي: تريدني أن أغلق المقاهي مبكرا حتى تزيد معدلات الجريمة وبدلا من أن تسرّي الناس عن نفسها، يتجهوا للجريمة والسرقة.

رفض مبارك الفكرة وقال المقاهي رئة الناس وفكرة إدخال الكراسي مرفوضة. سأله العادلي لماذا يا ريس! أجابه لأن العامل والموظف "طالع عين أمه" في الشغل ويعود لشقته الضيقة يجد زوجته وأولاده “فوق بعض”.. الرجل لو حبس في منزله 5 دقائق سيدخل في شجار مع زوجته وربما يطلقها لأنها سترهقه بطلباتها ورغبات الأولاد.. إذن فإن الجلوس في المقهى بمثابة “تفريغ” لغضب بداخله من ضيق الرزق والمكان.

وإذا عاد للغرفة ربما ينتحر أو يقتل زوجته أو أولاده. وختم مبارك حديثه قائلا: إذا أغلقنا المقاهي سترتفع نسب الطلاق وتتشرد الأولاد وتزيد الجريمة.. "انسى الفكرة الزفت دي يا عادلي"، وكالعادة أيد الوزراء رأي الرئيس بعد أن كانوا يمتدحون العادلي.

هنا يجب أن تسأل نفسك إذا كان مبارك يعلم كل هذا عن شعبه وأنه "مخنوق وروحه في منخاره"، فلماذا لم يخفف عنهم بشيء آخر غير المقاهي! ثم انفجرت 25 يناير وأطاحت به من الحكم ولم تنفعه المقاهي أو تشفع له!

24