مقاه تاريخية تحفظ ذكريات الجزائريين

من "مالاكوف" و"طانطنفيل" مرّ مناضلون وفنانون ومثقفون.
السبت 2021/07/31
مقهى بعبق التاريخ

للأماكن ذاكرتها، ورغم أنها لا تتكلم لكنها تفصح عن ذلك، فالمقاهي في العاصمة الجزائري تحفظ تاريخها وتاريخ البلاد من خلال تناقل الروايات بين الزبائن الدائمين ومن خلال صور المشاهير المعلقة على الجدران والذين مروا منها وظلت ذكراهم لا تنسى، كما أن هذه المقاهي تحفظ تاريخ النضال الذي لم تدونه الكتب.

الجزائر- على أجوائها ورمزيتها، تبقى المقاهي فضاءات تخزّن ذكريات المكان والزمان، وإذ ارتبط جديدها بالشؤون الخاصة والأحاديث الحميمة، فان للعاصمة الجزائرية مقاه تدوّن في تفاصيلها جزءا من الذاكرة والتاريخ، ففيها كان يستمتع الناس بالحفلات الشعبية، وفيها أيضا دارت معارك سرية بين الاستعمار وثورة التحرير، ففيها يلتقي الثوار والجواسيس.

فرضت العصرنة نمطا جديدا على الحياة الاجتماعية، بما فيها تقاليد خدمات وارتياد المقاهي، فظهر البعض واختفى البعض الآخر، إلا أن القلة القليلة لا زالت صامدة، مستفيدة من سمعتها التاريخية ومن ذكريات تتناقلها الأجيال، فارتشاف القهوة أو الشاي، في مقهى “التلمساني” أو” الفنارجية ” أو “مالاكوف”.. وغيرها، لها طعم خاص وشعور يحيل صاحبها الى زمن بعيد.

يذكر الكاتب والإعلامي حسين مزالي بأن ” المقاهي الجزائرية احتضنت النضال والفن والإبداع، وكانت فضاء مشتركا بين الجزائريين، خاصة منذ الحرب العالمية الأولى، وأن حي القصبة كان يضم الكثير من المقاهي المعروفة، وأغلبها اختفى اليوم من الوجود”.

ويرجع ظهور المقاهي إلى سبب تاريخي تمثل في تكريم السلطات الفرنسية الاستعمارية للجزائريين الذين أرغموا على المشاركة في الحرب العالمية الأولى بالحصول على تراخيص لفتح مقاه في المدن، شرط أن تكون أمام مراكز الأمن، على أن يرسل أصحابها تقارير عمن يقرأ الصحف، ومن هنا يتبيّن دور المقاهي وأهميتها، فلقد كانت عينا أمنية للفرنسيين، ومخابئ للثوار في آن واحد.

وأضاف “احتضن حي القصبة عدة مقاه مشهورة، منها قهوة  الفنارجية ومالاكوف والتلمساني وقوراري التي تردد عليها مناضلو ثورة التحرير، وفيها كان مشروع الثورة يطبخ على مدار اليوم.”

وفي مقاهي العاصمة كانت تقام حفلات الأغنية الشعبية الراقية، فيستمتع الناس بموروث الفن الأندلسي، وفيها أيضا كانت عيون فرنسا ترقب تحركات الثوار وحتى من يقرأ الجرائد.

Thumbnail

لكن وكما كان للأهالي مقاهيهم، فقد كان للفرنسيين مقاهيهم أيضا، فقريبا من المسرح الوطني “محي الدين بشطارزي” حاليا يقع “طانطنفيل” أحد أشهر المقاهي التاريخية في العاصمة، وأحد أكثر المعالم الذي تقصده نخبة من المثقفين والفنانين من داخل البلاد وخارجها.

في الطابق الأرضي لبناء فرنسي عتيق من ثلاثة طوابق، يرحب مقهى “طانطنفيل” بمرتاديه من المواطنين والوجوه الفنية والثقافية.

ويرى الزائر أن هذا الفضاء، رغم مرور 150 عاما على تشييده من قبل الأخوين الفرنسيان “تورتيل”، لم يفقد بريقه، فهو زيادة على هندسته المعمارية الفرنسية، يحتوي على شرفة كبيرة، أما القاعة التي بداخله فتزينها الأقواس وصور عدد من الشخصيات التي مرت عليه.

ومر على المقهى منذ الاستقلال العديد من أعمدة الفن الجزائري منهم الراحل الهاشمي قروابي، دحماني الحراشي، أعمر الزاهي، مصطفى كاتب، إضافة إلى فنانين من مصر زاروا البلاد مثل أم كلثوم، عبد الحليم حافظ، فريد الأطرش، والمغني الفرنسي شارل أزنافور، والمفكر الفرنسي جون بول سارتر، والمناضل الكوبي تشي غيفارا.. وغيرهم.

ويرى المؤرخ الجزائري فوزي سعدالله أنّ “سحر مقهى طانطنفيل استمر حتى ثمانينات القرن الماضي، حيث كان لا يزال وجهة للنخبة الفنية من  الموسيقيين والمطربين والشعراء والممثلين ورجال المسرح.

وفي حي القصبة يقع مقهى “مالاكوف “، وهو من أهم معالم العاصمة، لما له من تاريخ حافل بالأحداث والذكريات. ويستمدُّ هذا المقهى قيمته التاريخية من كونه شكّل على مدى أكثر من قرن من الزمان ملتقى للفنون الموسيقية الشعبية.

الخصوصية عنوان المقاهي القديمة
الخصوصية عنوان المقاهي القديمة

ويؤكد مؤرخون أن “أهم المصنفات الموسيقية في الفن الأندلسي المعروف بالعاصمة وعدد من المدن على غرار تلمسان وقسنطينة والبليدة، انطلقت من مقهى مالاكوف سنة 1890 مع الشيخ محمد سفينجة، أحد أهم رواد مدرسة الصنعة، كما عرف على مدار سنوات طويلة أهم حفلات الموسيقى الشعبية التي كان يحييها شيوخ هذا الفن، خاصة خلال شهر رمضان.

وفضلا عن ذلك، ولدت بين جدران العاصمية للمقهى الموسيقى التي عرف بها الحاج امحمد العنقى، وقد استلهمها بدوره من معلمه الشيخ مصطفى ناظور.

ويقع مقهى مالاكوف أسفل فندق وأروقة تحمل الاسم نفسه، وظل خلال حرب التحرير الجزائرية (1954 – 1962)، مكانا يلتقي فيه الثوار بعيدا عن أعين السلطات الفرنسية، كما شكل ما يشبه المتحف الصغير بما ضمه من صور نادرة لأهمّ الفنانين الجزائريين.

والسرّ الذي جعل “مالاكوف” من أشهر المقاهي في الجزائر، هو تقديم القهوة الشعبية المصنوعة بطريقة تقليدية التي تعبق رائحتها في شوارع القصبة كل صباح.

مقاهي العاصمة الجزائرية احتضنت النضال والفن والإبداع وكانت فضاء مشتركا بين مختلف الشرائح منذ الحرب العالمية الأولى

وفي أربعينات القرن الماضي قام الفنان الحاج امحمد العنقى بشراء المقهى ومنحه بُعدا شعبياً من خلال الحفلات التي كان يحييها يوميا، وكانت تلك الفترة بمثابة العصر الذهبي للمقهى، حيث صار قبلةً لهواة الموسيقى الشعبية، ومدرسة للشباب الذين يقصدونه لتعلُّم هذه الموسيقى من شيوخها وأساتذتها الكبار.

وبوفاة امحمد العنقى، آلت ملكية المقهى إلى مواطنٍ حاول المحافظة على روح المقهى كمقصد للفن والفنانين، وهو الأمر الذي لم يدم طويلا بسبب رحيل أشهر وجوه الفن الأندلسي والشعبي في الجزائر.

وبرحيل المالك الجديد للمقهى سنة 2014، حاول أحد أبنائه إحياء المقهى بترميم جدرانه وبتزيينه بصور لأشهر عمالقة الفنّ الشعبي في الجزائر، فأصبح المقهى عبارة عن متحف صغير بالنظر إلى الصورة النادرة التي يحتفظ بها وإعادة تهيئته بما يتلاءم واهتمامات الأجيال الجديدة من الشباب.

كما قام سنة 2015 بالاستعانة بإحدى الفرق الموسيقية لإنعاش المقهى وتنشيط سهرات شهر رمضان، وقد أثمرت هذه الخطة ببث الروح من جديد في هذا الصرح الثقافي والفني.

لكن هذه المرحلة لم تُعمر طويلا بعد نشوء خلاف بين ورثة المقهى، وهو الأمر الذي أدّى إلى إغلاقه إلى أجل غير مسمى. وقد دفعت هذه النهاية المأساوية لمقهى مالاكوف بعض المثقفين إلى توجيه نداءات لحماية هذا الإرث الثقافي وإعادة فتح أبوابه ليبقى شاهداً على واحدة من أهمّ حلقات تاريخ الجزائر.

مقهى يسرد تاريخ الجزائر
مقاه تسرد تاريخ الجزائر

 

17