مقاومة العزلة والصقيع والموت بالسرد

عرف السّرد العراقيّ في السّنوات الأخيرة تطوّرا لافتا، مشتغلا على إعادة تشكيل الواقع العراقي وعجنه بخميرة الفانتازيا، وهذا ما أعطاه تميّزه لا في الأدب العربي فقط، وإنما في ما يكتب الآن من أدب في العالم.
الجمعة 2017/04/28
شخصيات هاربة من الموت

يُعتبر كتاب “ماكنة كبيرة تدهسُ المارّةَ” للشّاعر والقاصّ العراقي المقيم في بروكسل زهير كريم، أحد الأعمال السّرديّة الجديدة، ويمثّل أحد المقترحات الجادة في السّرد العراقيّ الذي نهض من ركام الحرب، ويحاول ترميم الذّات العراقيّة المتشظّية بين الوطن المدمّر وبين المنافي التي وجد نفسَه فيها. وفي هذه المنطقةِ يشتغل القاصُّ، يحاولُ إعادة رسم ملامح الشخصية العراقية المهجّرة، التي ضاعت بين الأماكن والوجوه الغريبة، يقول القاصّ: في الأمكنة الجديدة، تظهر على المرء أعراض المراجعة لحيواته السّابقة، وتشتدّ هذه السّطوة لتحرّر الرّغبة في الاكتشاف من مكامنها، وحول هذه الفكرة بنى أغلب قصصه.

آلام المهاجر

شخصيات زهير كريم في مجموعته، الصادرة عن دار المتوسط بميلانو، تبدو مفسوخة الملامح، مشوهة، لها أنوف قبيحة، بعضها لها أطراف مبتورة، تشبه الشخصيات التي يرسمها “يوسف عبدلكي”، لم يهتمّ القاصّ بمظاهرها بقدر تعمّقه في تحليلها نفسيّا، مدقّقا في تصرّفاتها التي يحفّها القلق والتوجّس. وهي شخصيات تبحث عن توازنها في مكان غريب مثل شخصيّة “مسيو كريم” في قصّة “ليلة في فندق أميغو”، والذي يختلط عليه الواقع بالخيال، وتتجاذبه غربة المكان وغربة الزّمان، أو مثل شخصيّة “قاسم الكتبي” في قصّة “الراكب الوحيد في الحافلة”، اللّاهث خلف الحبّ، القادم من جهة العطش العاطفي إلى بروكسل حيث الحبّ متاح على الأرصفة، والشخصيتان فيهما الكثير من قلق المهاجر العراقيّ في أوروبا، أو هي شخصيات مريضة ومنبوذة مثل شخصية العقيد “شوفاليه” في قصّة “جنازة آخر المحاربين”، والذي أنهى القاصّ حياته بطريقة قاسية، مات وحيداً في شقّته، ولمْ يُنْتبه إليه إلاّ بعد ثلاثة أيّام بعد أن سقطت عليه مكتبة الأفلام الحربيّة.

في هذه القصّة يصفّي حساباته مع العقيد المتقاعد الذي يمثّل بأمراضه وعقده ماكنة قتل تُشحن بالرّصاص والشّرّ وتندفع بعماء في الحروب، وهو يصنع منه أرجوزا ممزّقا ومعلّقا على جدار، ومن خلاله يسخر القاص من الحرب التي كانت سبباً في تهجيره، وتهجير الملايين من العراقيّين.

في أغلب قصص المجموعة تقريباً، نشمّ رائحة الخوف من العزلة والموت، هذا ما تجسّده شخصياتُ القصصِ المنبوذةُ التي انتهت حياتها وحيدة مثل العقيد “شوفاليه”، أو مثل العجوز “ناتالي” التي ماتت بعيدا عن أبنائها، أو حتى الشخصيات الثانوية التي مرّ القاص على خبر موتها بطريقة فيها الكثير من اللامبالاة مثلما يتحدّث عن طليقة العقيد التي ماتت في زريبة الخنازير. كلّ هذه الشخصيات تنقل لنا الأحاسيس التي تعلق بنفس المهاجر، ويصبح التفكير في طريقة الموت هاجسا يطمس التفكير في طريقة الحياة، وأسئلة مثل كيف يكون موتي؟ وكيف تكون جنازتي؟ ومن سيزور قبري؟ كلّها تصبح دبابيس مثبّتة لوعيه الوجودي.

قصص محمّضة بسخرية لاذعة، تصلح لأنْ تكون طعاماً مثاليّا للعقول التّفكيكيّة

نتذكّر هنا قصّة رواها أحدُ المتصوّفة المغاربة، قال: أثناء عودتنا من المقبرة، بعد دفن أحد أقاربنا الموتى، رأيت مسمارا في التّابوت عليه دمُ الميّت، وقد آلمني ذلك المسمار فكأنما دُقّ في جنبي، ولا يزال يؤلمني كلما سرتُ في جنازةٍ. فالموتُ يؤلم الأحياء لا الموتى، والقاصُّ ينقل لنا هذا الإحساس على لسان إحدى شخصياته، وهو “المسيو كريم”، الذي يتطابق كثيرا مع القاصّ، حتّى في اسمه، فيقول: لقد هربتُ من الموتِ والحصار والحروب الغبيّة في الشّرق، أنا هنا لاجئ، هارب من الفناء، وفي الواقع لا أريد أن أموت بهذه الطريقة البائسة، حتى قبري سيكون بائساً، لن يضع عليه أحدٌ الزّهور، أو يشعل الشموع، وهذا طبيعيّ لأني غريب.

دواء للعقول

تُمثّل القصص التّسع التي ضمّتها المجموعة قلادة متناسقة على عنق الشخصية الوحيدة رغم تعدّد أقنعتها، وهي شخصيّة المهاجر العراقيّ الذي يشقّ طريقه في زحمة شخصيات غريبة وفي مكان غريب. ولئن كانت القصّة الأولى تمثّل محطّة الوصول إلى المكان الجديد، والقصة الأخيرة تمثّل المحطّة النهائيّة بالموت بالطريقة البائسة التي كان يتوجّس منها بطل القصّة الأولى، ورغم أنّ شخصية القصة الأخيرة كانت امرأة عجوز، اسمها “ناتالي”، فإننا لم نر فرقا بينها وبين “مسيو كريم” في القصة الأولى، ولم يكن الأمر سوى خدعة قصصيّة لا غير، وتبديل أقنعة.

أماّ القصة التي مثّلت محور المجموعة ونقطة ارتكازها فهي قصّة “الراكب الوحيد في الحافلة”، حيث يتدخّل القاص هنا بطريقة “المايكينغ أوف” في السينما، لينقل لنا عمله الورشويّ الذّهنيّ، وهو يدفع بشخصيّته داخل القصّة، مفكّرا بالطريقة التي سوف ينظر بها القارئ إليه، ويخصّ هنا جمهور المهاجرين الذين سيدفعون تفاصيلها إلى منطقة خاملة في الذاكرة، كما يقول.

قصص تسخر من الحرب

إذن هي قصّة تسبّب الألمَ لذاكرة كلّ مهاجر، وهذا يبدو تنبيها من القاصّ أكثر منه استنتاجا. ثمّ بعد ذلك يفكّر في اسم شخصيته، ليكون “قاسم الكتبيّ”، ثمّ يضيف القاصّ بأسلوب من يفكّر بصوْت مرتفع، فيقول: اختياري لهذا الاسم لمْ يكنْ اعتباطياّ، أعرف بعض الكتبة، وهذا يساعدني في البناء. لكن الحقيقة التي حاول القاصّ إخفاءها داخل متاهاته السردية التي تذكّرنا بقصص بورخيس، هي أنّ “قاسم الكتبيّ” الذي يشبّهه القاصّ بأرشيف متنقّل، لم يكن سوى أحد أقنعته التي تداولها وجهه في هذه المجموعة.

أهدى القاصُّ مجموعته إلى الشاعر والرّسام البلجيكي هنري ميشو، بل إنه كتب قصّة بطلها ميشو، وعنوانها يحمل اسمه. فغرابة هذا الشاعر البلجيكي وغموضه وميله إلى الحياة الهامشيّة، والكتابة عن المهمّشين، جعلت منه رفيقاً للمهاجر القادم من الشرق، ثمة نقاط التقاء كثيرة تجمعهما، في صور الحياة التي تشطبها القتامة والسواد، والأحاسيس الغامضة بغربة المكان والزمان، والشتائم التي يؤلّفانها ضدّ العالم، والسخرية من كلّ شيء تقريباً، والشخصيات المعقّدة والقَلِقة التي يعيشون بينها.

“ماكنة كبيرة تدهس المارّة” قصص محمّضة بسخرية لاذعة، تصلح لأنْ تكون طعاماً مثاليّا للعقول التّفكيكيّة. وهي تصلحُ أيضا لأن تكون دواء للعقول الميلودرامية المريضة حسب رأي دريدا في كتابه “صيدليّة أفلاطون”.

14