مقاومة الفقر تزداد صعوبة في مصر

الإصلاحات الاقتصادية القاسية تهدد بتآكل الطبقة الوسطى في البلاد.
الأربعاء 2019/08/21
معدلات الفقر الحالية تعتبر الأعلى منذ عشرين عاما

ترد أفريقيا على خارطة العالم للفقر المدقع باللون الأحمر الحاد، تعبيرا عن ظاهرة تهدد بالتفاقم مع النمو السكاني المرتقب في العقود المقبلة، ومن ضمن دول القارة التي تشهد ارتفاعا مخيفا في معدلات الفقر مصر، التي تكشف بيانات رسمية عن بلوغها نسبة 32 بالمئة وهي الأعلى مقارنة بالأعوام العشرين السابقة، ما يزيد التحديات أمام الحكومة المصرية المضطرة إلى تطبيق حزمة إصلاحات قاسية يفرضها المانحون الدوليون لإنعاش الاقتصاد وللاستجابة لأهداف التنمية، في حين يصعب على الحكومة احتواء ظاهرة الفقر التي تتسع يوما بعد يوم في البلد.

القاهرة - يشكل احتواء ظاهرة الفقر تحديا أمام الحكومة المصرية، أمام زيادة غير مسبوقة في معدل هذه الظاهرة مقارنة بالأعوام العشرين الأخيرة.

وسجّلت الإحصاءات الرسمية المصرية ارتفاع نسبة الفقر في مصر إلى 32.5 بالمئة مقارنة بـ27.8 بالمئة في 2015، بحسب تقرير جديد للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر صدر أواخر يوليو الماضي.

وأشار الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن نتائج بحث الدخل والإنفاق لعام 2018 تعكس صورة حقيقية لحياة المواطن المصري من جميع الأبعاد الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية. وبذلك وصلت نسبة الفقر على مستوى الجمهورية إلى 32.5 بالمئة في بحث 2018-2017 مقابل 27.8 بالمئة في بحث 2015 بزيادة قدرها 4.7 بالمئة.

ويحمّل بعض الخبراءِ إجراءاتَ الحكومة التقشفية لإنعاش الاقتصاد مسؤوليةَ ارتفاع الفقر في مصر، وتعيش مصر أزمة اقتصادية صعبة تحاول التعافي منها منذ الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011.

وفي نوفمبر 2016، حصلت القاهرة على حزمة دعم بقيمة 12 مليار دولار (10.7 مليار يورو) من صندوق النقد الدولي بعد تطبيق برنامج إصلاح حكومي عانى المصريون من تبعاته. وكان على رأس الإصلاحات التي قامت بها الحكومة، قرار البنك المركزي تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، ما تسبب في ارتفاع سعر الدولار من 8.8 جنيه إلى حوالى 17.5 جنيه حاليا.

وتسبب تعويم العملة في موجة تضخم غير مسبوقة للأسعار عانى منها المصريون وبلغت ذروتها في يوليو 2017 حين سجّل المؤشر السنوي لأسعار المستهلكين 34.2 بالمئة، إلا أنه أخذ في الانخفاض وصولا إلى 8.9 بالمئة مع نهاية يونيو. وإضافة إلى تعويم الجنيه، تضمن برنامج الإصلاح خفض دعم المحروقات وفرض ضريبة القيمة المضافة.

تدابير قاسية

ظاهرة الفقر في اتساع
ظاهرة الفقر في اتساع

نتيجة لتلك الإجراءات، ارتفعت معدلات التضخم في مصر إلى مستويات قياسية غير مسبوقة خلال سنوات، ما أدى إلى تآكل قيمة الدخول الحقيقية للمواطنين، قبل أن تبدأ في التراجع دون 10 بالمئة مؤخرا.

 وفي تقريره الصادر في شهر مايو الماضي قال البنك الدولي إن “حوالي 60 بالمئة من سكان مصر إما فقراء وإما أكثر احتياجا”، لكنه اعتبر أن الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها مصر تظهر علامات نجاح مبكرة.

وأكد بيان البنك الدولي أن جهود الحكومة الإصلاحية ساعدت على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وانتعاش النمو، وتقليص عجز الموازنة، وانخفاض التضخم، وزيادة الاحتياطات الأجنبية. لكنه أكد أيضا أن الإصلاحات الاقتصادية أثرت على الطبقة الوسطى، التي تواجه ارتفاع بعض تكاليف المعيشة بسبب الإصلاحات.

وقال إن “عدم المساواة آخذ في الازدياد”، مشيرا إلى أن هناك تباينات جغرافية مذهلة في معدلات الفقر، إذ تتراوح بين 7 بالمئة في محافظة بورسعيد شرقي مصر

و66 بالمئة في بعض محافظات الصعيد جنوبي مصر.

وتؤكد البيانات الرسمية أن الفرد الذي يقل دخله الشهري في مصر عن 735 جنيها (نحو 45 دولارا) يدخل ضمن شريحة الفقراء، والأسرة المكونة من أب وأم وطفلين ويقل دخلها الشهري عن 2691 جنيها شهريا (163 دولارا) تعيش حياة أدنى من خط الفقر.

وكشفت بيانات التقرير الذي أجراه جهاز التعبئة والإحصاء التابع للحكومة بالتعاون مع خبراء دوليين، أن ارتفاع معدلات الفقر في مصر يرتبط مباشرةً بتدهور التعليم والصحة والمساواة النوعية، ويحمل تأثيرات واضحة على سن الزواج ومعدلات الطلاق والجرائم المالية والفساد، فضلا عن قابلية المجتمع للتطرف والتورط في العنف والإرهاب، ما يطلق علامات إنذار مبكرة لوضع خطط وقتية للتكيف مع الأوضاع لحين الانتهاء من إجراءات الإصلاح الاقتصادي.

إنذارات سابقة

Thumbnail

تؤكد القراءة الأولية للإحصائيات الحكومية الأخيرة أن نسبة الفقراء في مصر تطورت في السنوات الأخيرة. والمفارقة الجديرة بالملاحظة أن عام 1999 الذي بدأت معه عملية قياس معدلات الفقر، تزامن مع صدور كتاب مهم للمفكر المصري الراحل رمزي زكي (2009-1941) بعنوان “وداعا للطبقة الوسطى”، رصد فيه بدايات تآكل تلك الطبقة وتنبأ باتساع معدلات الفقر، كرد فعل طبيعي على تخلي الدولة عن دورها لحساب القطاع الخاص.

وفي عام 2008 نشر مفكر اقتصادي آخر معروف بتوجهاته الليبرالية هو محمود عبدالفضيل (2017-1941) كتابا بعنوان “نواقيس الإنذار المبكر” مكررا التحذير ذاته بكثير من التفصيل، ومتوقعا أن تنتهي الطبقة الوسطى في غضون عشر سنوات.

ويرى خبراء أن التطور السلبي الجاري في معدل الفقر منذ 1999 والتحذيرات التي أطلقها مفكرون ومراقبون يعنيان أن أساليب المعالجة المجتمعية المتبعة من الحكومات المتعاقبة غير فعالة لوقف تمدد هذه الظاهرة.

وأشارت إنجي عبدالحميد، الخبيرة في مركز البحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة، لـ”العرب” إلى أن “إجراءات مواجهة الفقر لم تتغير، لأن الحكومة تركز على فكرة تقديم دعم نقدي إلى الطبقة الفقيرة، في حين تتجاهل الطبقة الوسطى، ما يجعل هذه الطبقة مهددة بالتآكل”.

وأوضحت أن الطبقة الوسطى خارج اهتمام البرامج الاجتماعية، فضلا عن كونها غير محصورة بيانيا، ما يجعلها الأكثر معاناة والأسرع تدهورا عند اتخاذ أي إجراءات إصلاحية، وهو ما يفسر ازدياد نسبة الفقر عاما بعد آخر.

سجّلت الإحصاءات الرسمية المصرية ارتفاع نسبة الفقر إلى 32.5 بالمئة مقارنة بـ27.8 بالمئة في عام  2015، بحسب تقرير جديد للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء

وتبدو النسبة المعلنة لمن هم تحت خط الفقر في مصر حددت كنتيجة لمسح سابق تم في العام الماضي، لكن المؤشرات الحقيقية التي يعمل عليها خبراء الاجتماع في الوقت الحالي ترتفع بالنسبة الحقيقية إلى نحو 40 بالمئة.

وهناك مؤشر غير معلن يخص خط الفقر المجتمعي، والذي اعتمد البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة على إقراره بمن يقل دخله اليومي عن 5.5 دولار، ويقيس القدرة الشرائية للفرد، وقدّر البرنامج عدد أولئك الفقراء في العالم، طبقا لهذا المؤشر، بثلاثة مليارات شخص، وفي مصر فإن رقم هؤلاء كبير ومخيف ويتجاوز نصف السكان.

وتكشف خارطة الفقر تركز الفقراء في الأقاليم الواقعة في جنوب مصر، وتبلغ نسبتهم في الريف هناك 52 بالمئة، مقارنة بـ27.3 بالمئة في ريف المحافظات الواقعة في شمال مصر. ويعيش نحو 25 بالمئة من سكان مصر، المقدر عددهم بـ100 مليون نسمة، في محافظات ما يسمى بالوجه القبلي، أي جنوب القاهرة.

ويفسر البعض من الخبراء ارتفاع نسبة الفقراء في ريف الوجه القبلي بسمتين تميزان الريف، وهما ارتفاع الكثافة السكانية، نتيجة العادات التي تعتبر كثرة الأولاد وجاهة اجتماعية، إلى جانب محدودية الموارد وضعف المشروعات الإنتاجية التي تنحصر في قطاع الزراعة.

بين الشمال والجنوب

وفقا للمسح التفصيلي للإحصاء، فقد جاء ترتيب المحافظات المصرية الجنوبية الأكثر فقرا ليرصد احتلال محافظة أسيوط المركز الأول في الفقر بنسبة 66.7 بالمئة، تلتها في المرتبة الثانية محافظة سوهاج بنسبة 59.6 بالمئة، ثم الأقصر بنسبة 55.3 بالمئة، ثم المنيا بنسبة 54.7 بالمئة.

 أما في العاصمة القاهرة، فقد سجلت نسبة 31.1 بالمئة، وهي نسبة فقر قريبة من المتوسط العام لمصر. والمفارقة أن المحافظة الأقل فقرا كانت محافظة بورسعيد بنسبة 7.6 بالمئة، وتلتها الغربية بنسبة 9.4 بالمئة، ثم محافظة دمياط بنسبة 14.6 بالمئة.

وذكر عبدالرحيم أبوشامة الخبير الاقتصادي لـ”العرب” أن احتلال محافظات أسيوط وسوهاج والأقصر والمنيا للمراكز الأولى على مستوى البلاد أمر طبيعي، فأسيوط مثلا محافظة شبه منغلقة، ولا توجد فيها مشروعات استثمارية إلا منطقة صناعية صغيرة شبه مهجورة، وتقل مساحة الأراضي الزراعية فيها عن غيرها من محافظات الجنوب، نظرا إلى انحصارها بين نهر النيل والجبال الغربية، ما يجعل هامش الحركة أمام السكان لتخفيف مستوى الفقر ضعيفا.

وأوضحت دراسة حديثة أجراها المركز المصري للدراسات الاقتصادية أن 762 قرية من القرى الألف الأشد فقرا في مصر تقع في محافظات أسيوط وسوهاج والمنيا.

أما تفوق بورسعيد على محافظات مصر في مستويات الدخل، فيرجع إلى طبيعة سكان المدينة المطلة على البحر المتوسط، المرتبطين بأعمال تجارية متنوعة ومربحة نتيجة اختلاطهم الدائم بالأجانب العابرين لقناة السويس، ما جعل المجتمع أكثر انفتاحا وقدرة على تغيير أنماط حياته، بما يتماشى مع البيئة العامة.

التطور السلبي الجاري في معدل الفقر منذ 1999 والتحذيرات التي أطلقها مفكرون ومراقبون يعنيان أن أساليب المعالجة المجتمعية المتبعة من الحكومات المتعاقبة غير فعالة لوقف تمدد هذه الظاهرة

وأشار علي مكاوي، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة القاهرة، في تصريح لـ”العرب” إلى أن هناك تأثيرات تاريخية ومكانية تلعب دورا في بعض السمات الاجتماعية لسكان محافظات بعينها وتؤثر في أحوالهم المعيشية. وضرب مثلا محافظة دمياط الواقعة على البحر المتوسط، وهي ثالثة أفضل المحافظات من حيث قلة الفقر، حيث أن تحسن أحوال أهل المحافظة جاء نتيجة طبيعية لسيادة ثقافة العمل داخل المجتمع على مدى الأجيال، حتى أن نسبة البطالة هناك تقترب من الصفر أحيانا.

ولفت مكاوي إلى أن تنوع المشروعات في المحافظة بين الزراعة وإنتاج الألبان وتصنيع الأثاث المنزلي أدى إلى توارث فكرة النشاط وتأصل حلم الثراء لدى الكثير من السكان.

وثمة ارتباط وثيق بين انخفاض مستوى التعليم والفقر، حيث ترتفع نسبة الفقراء كلما زاد الجهل، فتبلغ نسبة الفقراء بين الأميين 39.2 بالمئة، وتقل النسبة كلما زاد مستوى التعليم، فنجدها بين من يعرفون القراءة والكتابة دون شهادات تعليمية 37.9 بالمئة، وتبلغ 34.4 بالمئة بين الحاصلين على شهادة الإعدادية، ونحو 28.6 بالمئة بين الحاصلين على شهادة الثانوية أو ما يعادلها، و20.1 بالمئة بين الحاصلين على شهادة فوق متوسطة، و11.8 بالمئة بين الحاصلين على شهادات جامعية، و5.5 بالمئة بين الحاصلين على شهادات فوق جامعية.

ولذلك فإن عدد فرص العمل المتاحة للحاصلين على شهادات تعليمية أكبر من عدد الفرص المتاحة لغيرهم حتى في المهن المتاحة للجميع، مثل أعمال البناء والزراعة والبيع، لأن أصحاب الأعمال يفضلون من يقرأون ويكتبون.

ويقود ارتفاع نسبة الفقر أيضا إلى تدهور التعليم، وليس أدل على ذلك من أن متوسط ما تنفقه الأسرة المصرية سنويا على التعليم يبلغ 4.5 بالمئة من دخلها، بينما تنفق 37.1 بالمئة من ذلك الدخل على الطعام والشراب ونحو 18.6 بالمئة على المسكن ومستلزماته، بل إنها تنفق على الملابس والأحذية نحو 4.8 بالمئة من دخلها السنوي، وهو أعلى مما تنفقه على التعليم.

تبعات الفقر

Thumbnail

يرصد البعض من الخبراء مجموعة أخرى من التأثيرات التي لها علاقة بثقافة المجتمع وأساليب تفكيره، وتؤدي بالمجتمعات الأفقر إلى سرعة تقبل واستيعاب أفكار التعصب والتطرف مقارنة بغيرها، ويمكن ملاحظتها عند المقارنة بين مجتمعين، أحدهما يعيش في قرية في صعيد مصر، والآخر يعيش أفراده في مدينة ساحلية شمال مصر، حيث يبدو المجتمع الثاني أكثر تسامحا ووعيا وتقبلا للآخر.

وقال نبيل العيسوي، الباحث في شؤون الإسلام السياسي، لـ”العرب” إن الأشخاص شديدي الفقر عرضة دائما للاستقطاب من جانب السلفيين وجماعات الإسلام السياسي من أجل الانتفاع بالعطايا المادية المخصصة لهم، مثل الولائم التي تقام في بعض المساجد والمساعدات العينية والمادية التي تقدم للمحتاجين.

وأوضح أن اتساع مستويات الفقر المالي يؤدي إلى مستويات أعلى من الفقر، وهو ما يعرف بالفقر النفسي، حيث يصبح الموسومون بذلك لقمة سائغة للجماعات المتطرفة، ما يجعلهم يشعرون بالدونية والتبعية، ويندفعون في بعض الأحيان نحو لفت الأنظار وإثبات الوجود، ما يؤدي إلى ظهور رجال دين وقادة متسيدين على الناس بادعاء أنهم عارفون بالعلم الديني، مشددا على أن ذلك “يمكن أن يؤلف بين قلوب الفقراء بالعطايا لكسب أصواتهم الانتخابية ما يمكّن الفكر المتطرف من القيادة”.

في المقابل يرى البعض من الخبراء أن هناك تغيرات سلوكية إيجابية تمثل تكيفا مع اتساع خارطة الفقر في مصر، وتتمثل بعض أنماط التكيف في سعي معظم الأسر إلى ترشيد استهلاكها للسلع والخدمات والابتعاد عن الاستهلاك السفهي.

هذا علاوة على قبول الكثير من الأشخاص، خاصة من الشباب المتعلم، العمل في مجالات لم تكن مقبولة منهم، مثل العمل كسائقين بشركات النقل الحديثة، أو كحرفيين وعمال صناعة ومندوبي بيع بنظام الوقت المقتطع.

ومن الظواهر الاجتماعية الجديدة التي عرفها المصريون نتيجة تحرير أسعار الوقود، ظاهرة النقل التشاركي بين بعض الموظفين والعاملات والتلاميذ القاطنين بجوار بعضهم البعض، توفيرا لاستهلاك الوقود، ما أسهم في الحد من الازدحام.

12