مقاومة خفية لانتشار الصوفية داخل المجتمع الجزائري

رهان السلطة على الصوفية يصطدم بأزمة ثقة مهتزة، وجمود الخطاب الصوفي يساهم في العزلة الشعبية للتيار.
الاثنين 2018/10/15
من المؤتمر للصوفية بالجزائر 2016

التيار الصوفي في الجزائر، وإلى جانب امتداد جذوره في عمق المجتمع، فإنه يحظى بمساندة السلطة، مما سبب له المتاعب والحساسيات مع التيارات الدينية الأخرى واتهامه بالدعاية السياسية للسلطة، كما أنه ظل حبيس أدراج الزوايا والكتاتيب القرآنية، الأمر الذي ترك الساحة شاغرة أمام التيارات الأصولية والسلفية، هذا بالإضافة إلى أنه يعاني تشقّقات داخلية.

الجزائر - شكّل قدوم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى السلطة في الجزائر عام 1999، بداية عودة التيار الصوفي إلى الواجهة، كبديل تراهن عليه مقاربة المصالحة الوطنية، لقطع الطريق على التيار الديني المتشدد، واحتواء إفرازات العشرية الدامية، فضلا عن رد جميل من الرجل للمدرسة التي وفّرت له ملاذا آمنا، من التحولات التي أعقبت مرحلة الرئيس السابق هواري بومدين.

وتواجه المدرسة الصوفية في الجزائر مقاومة غير معلنة من طرف الدوائر الرسمية والشعبية، ولم تكفل الرعاية الخاصة التي يحظى بها التيار الصوفي من طرف هرم السلطة، وتعيين مستشار خاص في رئاسة الجمهورية للتكفل بمسائل وقضايا الزوايا والمدارس التعليمية التابعة لها، من الهيمنة على المشهد الديني في البلاد، في ظل تنامي المنافسة الشرسة للتيارات الأخرى.

ويرى خبراء في الشؤون الدينية، أن انخراط التيار الصوفي في الدعاية السياسية للسلطة، وعدم تجديد خطاب الولاء للأمر الواقع، هما سبب انكفاء شعبيته وبقائه حبيس أدراج الزوايا والكتاتيب القرآنية، الأمر الذي ترك الساحة شاغرة أمام التيارات الدينية، وجعل اصطفافه في كل استحقاق خلف مرشح السلطة مصدر متاعبه وحتى تشققاته الداخلية.

وتشكّل إدارة التيار لمعركة الصراع برؤوس متعددة، أحد تجليات التشظي غير المعلن لدى الصوفيين أنفسهم، فلعبة المصالح والنفوذ الآنية تلقي بظلالها على الجمعيات  والتنظيمات الحاملة للواء الصوفية، فرغم تبنيها لنفس الخطاب، إلا أن اكتفاءها بدعم السلطة المغضوب عليها شعبيا وسياسيا وعدم الحسم في الملفات والقضايا المثيرة في البلاد، زادا من عزلتها ومن نخبويتها.

وأثار الدعم الذي توليه المنظمة الوطنية للزوايا لوزير النفط السابق المثير للجدل شكيب خليل، المتهم بالضلوع في قضايا فساد كبيرة، وظهور رئيس المنظمة عبدالقادر باسين كذراع روحية للرجل، العديد من الاستفهامات لدى الرأي العام المحلي ومنح ذريعة مجانية للتيارات المنافسة لانتقاد الصوفية والتشكيك في علاقتها برموز السلطة.

السلطات الجزائرية تحاول بشتى الوسائل تثبيت التيار الصوفي كمرجعية دينية للبلاد، ولا تتوانى في دعم مختلف فعالياته

وكانت الجولة المكوكية التي قام بها شكيب بعد عودته إلى بلاده من منفاه الاختياري في الولايات المتحدة الأميركية العام 2015، قد أثارت جدلا كبيرا في الجزائر حول خلفيات ودلالات هذا النوع من اللجوء الروحي الذي يمارسه المسؤولون الكبار في الدولة للمؤسسات الصوفية، وعلاقة الأخيرة بمراكز النفوذ في السلطة.

فبعد سنوات من لجوئه إلى واشنطن، فرارا من سطوة جهاز الاستخبارات، الذي أطاح به من على رأس وزارة الطاقة عام 2010، وجهّز له ملفات إدانة قضائية، أفلت منها بفضل وفاء صديقه ورفيقه الرئيس بوتفليقة، الذي أنهى الصراع بينه وبين المخابرات لصالحه، عاد شكيب خليل إلى بلاده مسنودا بوعاء المدرسة الصوفية.

وكرّست مواقف ما يعرف بالاتحاد الوطني للزوايا الأشراف، الداعمة للسلطة ولمختلف الخيارات الحكومية المستفزة للجبهتين الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، العلاقة الحميمية بين التيار الصوفي والسلطة، رغم أن المفاضلة التي يحظى بها، لم تحدث القطيعة المنتظرة بين الرأي العام والأفكار والمذاهب المتشدّدة، حيث تعاني الجزائر من تغلغل لافت لمختلف التيارات الدينية الدخيلة.

ومع ذلك تشكل بعض الدوائر العاملة في مؤسسات رسمية بالدولة، أول المعوقات التي تثبط من امتداد التيار، بسبب المقاومة الخفية التي تديرها تلك الدوائر للحيلولة دون “صوفنة” المجتمع، فرغم الانتقاد العلني الرسمي لمواقف وتصريحات رموز في التيارين السلفي والإخواني، إلا أنها لم تصل إلى درجة التأطير أو الردع.

وفيما أثارت تصريحات خطيرة لزعيم التيار السلفي في البلاد محمد علي فركوس، حول ما أسماه بـ”خروج جميع المذاهب والتيارات بما فيها الصوفية من الملة لأنها لا توالي العقيدة السلفية”، فإن الرجل لا يزال يحتفظ بمنصبه كأستاذ في الجامعة، وصاحب منصات دعائية على شبكة الإنترنت والتواصل الاجتماعي، وهو ما يوحي بأن هناك من يرعى في الخفاء أمثال محمد علي فركوس.

التيار الصوفي في الجزائر لم يستطع إحداث القطيعة بين عقيدة المهادنة والإذعان للأمر الواقع منذ سنوات الاستعمار

ويكون الصراع الدائر بين رأسي أكبر مؤسستين دينيتين في البلاد، وزير الشؤون الدينية محمد عيسى، ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى بوعبدالله غلام الله، ينطوي على تضارب غير معلن بين المرجعيات الدينية للرجلين، فالأول يعتبر أحد تلامذة زعيم السلفية في الجامعة، والثاني صوفي القلب والقالب.

ولم يستطع التيار الصوفي في الجزائر إحداث القطيعة بين عقيدة المهادنة والإذعان للأمر الواقع منذ سنوات الاستعمار (1830-1962) حيث تخلفت مدارسه وأتباعه عن ثورة التحرير بسبب عقيدة الولاء للسلطة القائمة، وتبرير الاستعمار بـ”القضاء والقدر”، فضلا عن ارتباطه بشيوع الدروشة والطقوس الخرافية، فكان محل مقاومة من طرف التيار الإصلاحي، وورث هذا الوضع بعد الاستقلال، مما جعل السلطات المتعاقبة تدرجه في خانة الماضي إلى غاية مجيء بوتفليقة للسلطة في 1999.

وفيما يبدي التيار تمسكا بأصول عقيدته القائمة على الارتقاء بعلاقة الإنسان وخالقه إلى عالم المثل، ولا دخل له في ما بين الحاكم والمحكوم، فإن احتماء جمعيات التيار بجلباب السلطة، أفقدها مصداقيتها بشهادة الطريقة الرحمانية في منطقة القبائل والحضنة التي تتحفظ على مثل هذه المواقف وترفض الانخراط في حملات الدعاية السياسية والانتخابية الممارسة باسم التيار الصوفي.

وتحاول السلطات الجزائرية بشتى الوسائل تثبيت التيار الصوفي كمرجعية دينية للبلاد، ولا تتوانى في دعم مختلف فعالياته، على أمل أن يكون بديلا لخطاب التشدّد الذي ورط البلاد في عشرية دموية (1990-2000) ولأحزاب الإسلام السياسي، إلا أن الخطاب التقليدي المنتهج وغياب أي مراجعة فيه يسيران بهذا التحالف إلى الفشل في ظل تفاقم العزلة الشعبية وفي ظل أزمة الثقة المهتزة في كل ما هو مرتبط بالسلطة.

13