مقبول العلوي: زرياب واجه السلطة من بغداد إلى الأندلس

الجمعة 2014/03/07
العلوي: الأحداث التاريخية في عهد زرياب تتطابق بشكل مذهل مع ما يحدث اليوم

السعودية - مقبول العلوي قاص وروائي سعودي (45 عاما)، عمل مدرسا للتربية الفنية، صدرت له مؤخرا رواية “زرياب” عن دار الساقي (2014). وصلت روايته “فتنة جدة” (2010) إلى اللائحة الطويلة لجائزة (البوكر) فضلا عن روايته “سنوات الحب و الخطيئة” (2011) التي ترشحت لجائزة الرواية السعودية عام 2012 ،عمل مدرسا للتربية الفنية و صحفيا في الصحف السعودية المحلية ، كان لـ”العرب” لقاء مع الروائي تحدث فيه عن تجربته وشؤون الكتابة والثقافة.

اختار العلوي زرياب بطلا لروايته الأخيرة، وعن ذلك يقول: “زرياب شخصية تبدو غامضة قليلا، يعرفه الكثيرون على أنه مجرد مغن ولكنه في حقيقة الأمر كان شخصية حضارية -كما وصفه المؤرخ حسين مؤنس- وهو بالفعل كذلك؛ فزرياب لم يكن مجرد متقن لفنون الغناء وأسراره وخفاياه فحسب بل هو رجل ثري المعرفة واسع الاطلاع يعشق الحياة ويقدّسها، لذا كان تأثيره كبيرا جدا في الأندلس. وقد عاش زرياب كثيرا في داخلي حيث استفزتني شخصيته بالفعل، وأن سيرته الغنية والثرّية كانت تحثني على الكتابة عنه رغم أن ما ورد عنه في المصادر التاريخية قليل جدا ومتشابه، وحينما اختمرت الفكرة في رأسي وجدت نفسي أكتب رواية زرياب..”.

رواية التاريخ

يستعيد الكاتب في “زرياب” أحداثا تاريخية وسيرة حياة فنان ذي تجربة أصيلة، عند سؤاله عمّا يواجهه المبدع حاليا وهل يحاكي ما كان يحدث قديما يجيب قائلا: “أثناء الكتابة عن شخصية تاريخية لابد أن تتداعى الأحداث التاريخية أمامك. تجدها تفرض نفسها عليك فرضا فلا تستطيع تجاهلها أو غضّ الطرف عنها على شرط أن لا يتقّمص الروائي شخصية المؤرخ حتى لا يكون عمله الروائي عملا تاريخيا بحتا ، والمبدع قديما هو المبدع حديثا وإن اختلفت الظروف إنما الفرق يكمن في قدرة المبدع الحقيقي في تطويع الظروف لصالحه فلا تكون عائقا أمام إبداعه..”.

في “زرياب” هناك إحالات سياسية ضمن الرواية تتعلق بالمؤامرات وما يحاك داخل القصور والبلاطات، هل هي إحالات يمكن إسقاطها على الواقع، وهل أنت كروائي مطالب بالحديث عمّا يحدث في كواليس السلطة، يستطرد العلوي قائلا: “بالضبط هذا ما حدث لي أثناء كتابة رواية زرياب ووجدت أن حركة التاريخ الدائرية تبدأ وتعود إلى نفس نقطة البداية ثم تعود وتسير في نفس الاتجاه، الحركة مستمرة لكن الزمن متغير وهكذا دواليك، فالظروف السياسية في عهد زرياب تشبه إلى حدّ كبير ما يحدث اليوم، انظر مثلا إلى ما يحدث في العراق وسوريا ومصر وتونس ألا ترى أن الأحداث تتكرر وتعيد نفسها؟ هناك ثورات وهناك اقتتال وهناك بؤس وتشرذم ودم يراق".

أثناء الكتابة عن شخصية تاريخية تحضر لدى الكاتب أحداث الواقع

جوائز الأدب

عن علاقته بالمرأة وحالة المرأة في المجتمع السعودي يقول “علاقتي بالمرأة علاقة تكاملية أتماهى معها وأسير بجانبها على نفس الطريق، فكلانا متمّم للآخر بشكل أو بآخر، هذا ما يجب أن يكون.

أما كيف أصف حالة المرأة في المجتمع السعودي فإني أجد المرأة السعودية تتشابه مع نظيراتها في المجتمعات العربية الأخرى فلهن نفس الظروف ونفس الهواجس ونفس الهموم المشتركة”.

ترشحت روايات “مقبول العلوي” إلى عدد من الجوائز، سألناه عن تقييمه للجوائز وهل تفي الكاتب حقه فيجيب قائلا: “الجوائز والترشيحات التي تسبقها مهمة للكاتب وخصوصا فئة الكتاب المبتدئين مثلي، فهي تنفض عنهم الغبار وتبرز أعمالهم للقراء وتسلّط الضوء عليها، فهذا يحقق ما يصبو إليه الكاتب من الذيوع والانتشار. إذن هي مهمّة جدا للانتشار وهي ربما تفي حقه معنويا أما ماديا فالأمر يختلف من شخص لآخر.”


المرأة شريك

من موقفه ككاتب سألنا العلوي هل يرى أن الكتابة- الرواية، قادرة على التغيير أم مهمتها التوصيف فقط ..؟ وهل يمكن إيجاد علاقات جديدة بين الأشياء قادرة على تغيير النظرة إلى الكون والمجتمع والإنسان فيعقب: “الكتابة وخصوصا الرواية قادرة بالفعل على التغيير لأنها وعاء متسع يشمل كل الأفكار التي يطمح الكاتب إلى التعبير عنها.

هناك الكثير من الكتابات الروائية وصلت إلى عقول الناس وأحدثت تغييرا جذريّا في منظومة الأفكار، إنها كالسحر تماما بسبب شموليتها وتأثيرها الذي لا ينكر”.

“في فتيات العالم السفلي” وصف البعض تجربتك بأنها اشتباك مع المرأة، كيف تنظر إلى دور الرجل والمجتمع البطريركي وما يحدث في العالم العربي الذي يشهد صرخات متعددة تطالب فيه المرأة بدورها، فيجيب: «علينا أن نستبدل عبارة المجتمع البطريركي بالمجتمع الذكوري حتى نخرج من الصبغة الدينية إلى الصبغة الاجتماعية لأنها أعمّ وأشمل، وهذا مجرّد رأي كتبه من اطلع على المجموعة “القصصية فتيات العالم السفلي”».

تاريخ الحاضر

هناك حضور دائم للسلطة ضمن حياة زرياب، بوصفها التي تتحكم بتفاصيل حياة الناس كلها، حتى المأكل والمشرب، كيف يفسر هذه الظاهرة في العالم العربي، وهل هناك من مبرر لاصطدام الفنان- الأديب مع السلطة يجيب “هذا الكلام صحيح لأن زرياب كان موجودا في مواجهة السلطة دوما في بغداد والقيروان والأندلس فمن الطبيعي أن يكون للسلطة حضورا في ثنايا الرواية وتفاصيلها.

برز الشعر كصوت سردي في روايته “سنوات الحب والخطيئة”، وعند سؤاله عن سبب لجوئه إلى الشعر يجيب “للغة الشعرية حضور في رواية سنوات الحب والخطيئة وقد لفت نظري بعض ممن اطلعوا على الرواية إلى كثافة اللغة الشعرية في الرواية. وكان ردّي دائما لهم هو أنني أعشق الشعر وأتأمل كثيرا في المفردات والتراكيب اللغوية الشعرية ثم يختزنها عقلي وأجدها لاشعوريا تندلق أثناء كتابتي الروائية ربما يراه البعض خطأ والبعض يراه “هدية” لغوية يستمتع بها القارئ مثلما استمتع بها الكاتب”.

زرياب عبد، لِمَ اخترت الكتابة عن عبد وعذاباته في ظل ما يمرّ بالوطن العربي حاليا من تمرّدات- ثورات فيعقب العلوي «كانت كلمة “عبد” في غابر الأزمان لا تكاد تذكر وكان يسمون العبد “مولى”؛ إنها كلمة لطيفة نوعا ما تخفف من وقع الشعور بالدونية لمن وسم بالعبودية. زرياب كان مولى جاء به الأسر إلى قصور الخلفاء منذ طفولته، ولكن ذلك لم يكن يفت من عضده، بل جعل من عقدة النقص مطيّة ومحفزة للإبداع والتميز ليكون ما يكون من شخصية حضارية لها تأثيرها الذي لا يزال حاضرا حتى يومنا هذا وسبق أن ذكرت بأن الأحداث التاريخية التي حصلت في عهد زرياب تتطابق إلى حدّ مذهل مع ما يحدث اليوم والغريب أنها تحدث في نفس الحواضر العربية الإسلامية بغداد ودمشق ومصر وتونس».


الكتابة والحياة


علاقة الفنان- الأديب مع الكون هي علاقة مجابهة واصطدام على حدّ تعبير “جان جينيه”، يعلق على ذلك قائلا “ولماذا تكون علاقة الفنان والأديب مع الكون علاقة مجابهة واصطدام؟ لو كانت كذلك -وهذه وجهة نظر شخصية بحتة- لما أبدع المبدع ولانشغل بهذا الاصطدام ومنعه من الخلق والإبداع. لماذا لا تكون علاقة الفنان- الأديب مع من حوله علاقة تفاهم مشترك وتناغم وتعايش؟

إنها مجرّد رؤية قد نتفق أو نختلف حولها. أما تجربتي مع الكتابة فهي تجربة ما زالت في بدايتها وأنا مستمتع بهذه التجربة بعد أن تهيبت الدخول إلى عالمها زمنا ليس بالقصير”.

15