مقبول العلوي يستعيد حياة العربي الذي ملأ الدنيا موسيقى

الجمعة 2014/10/03
مقبول العلوي وراء زرياب من منفاه إلى حلوله بالأندلس

دمشق- نحن لا نختار أقدارنا، بل أقدارنا تفرض علينا خياراتنا، رحلة طويلة بين عواصم الخلافة الإسلامية بطلها “زرياب” أو علي بن نافع، المكنّى بأبي الحسن، العبد الأسود الذي ملأ الدنيا موسيقى بطل رواية السعودي مقبول العلوي بعنوان “زرياب”، الصادرة عن دار “الساقي”(2014).

صوت الراوي يعلو على الجميع، من اللحظة الأولى يتكشف أن زرياب هو من يتحدث، ليتبيّن لاحقا أنها مذكرات بدأ بكتابتها منذ بداية نفيه من بغداد وصولا إلى الأندلس، لتنتهي برسالة أحد تلامذته -أسلم بن عبدالعزيز القاضي- يصف فيها أحوال الموسيقي قبيل مماته.

العبد لا يختار شيئا، حتى اسمه، زرياب هو الاسم الذي أطلقه “إسحاق الموصلي” على العبد الذي وهبه إياه الخليفة المهدي، زرياب الذي فقد أمّه ورآها تقتل أمام عينيه دهسا بحوافر الخيول، لقد تتلمذ على يد الموصلي الذي اعتبره أنجب تلميذ، وأهداه “أمعاء شبل النمر” حتى يشدّ بها أوتار عوده، لينتهي الأمر بالتلميذ ذي الصوت الحسن والأداء المميز إلى ديوان هارون الرشيد.

المكائد والدسائس والإباحية هي ما يحكم قصور الخلافة، فزرياب الذي ما زال يذكر بصورة ضبابية ما كان يحدث في قصر المهدي توجّس خيفة من زيارة الخليفة الرشيد، لكن في حضرة هذا الأخير شعّ زرياب، أبهر الجميع بعذوبة كلامه وسعة اطلاعه ورقة ألحانه، فهو تلميذ الموصلي وصديق ابن ماسويه، ومن المداومين في دار الحكمة حيث يصرف وقته في القراءة والاطلاع على مختلف العلوم والفنون.

شقاء قدري محكوم به زرياب، فمن حوله مصابون بداء الحسد، والجميع يريد إبعاده أو قتله

هذه الحادثة هي بداية الشقاء في حياة المغني وعازف العود، فأستاذه اللطيف الودود الذي كان زرياب نفسه يكن له الاحترام تحوّل إلى عدوّ لدود بعد أن شعر بالتهديد من زرياب الذي أصبح من خلاّن الخليفة بعد وفاة الرشيد واستلام الأمين الحكم، تعود العداوة إلى التجدّد بعد انقلاب المأمون، فالموصلي الذي هدّد زرياب مسبقا وطلب إليه الرحيل، يُنفى لبضع سنوات قضاها مع المأمون مُبعدا، ويعود بعد انتصار المأمون لينفي زرياب قسرا خارج بغداد.


شقاء المنفى


يُنفى أبو الحسن من بغداد، في رحلة تدوم لسنوات يحلّ فيها بالموصل أولا، مدينته الأم، مستذكرا فيها شذرات من طفولته وحياته في قصر المهدي، ثمّ يتجه نحو دمشق حاضنة الأمويين السابقة فالإسكندرية ثمّ القيروان ليصل إلى المكان الذي لطالما سمع عنه، الأندلس، البلاد العجيبة التي تفتح ذراعيها للمرء كي ينهل منها ما يشاء.

شقاء قدري محكوم به زرياب، فمن حوله مصابون بداء الحسد، والجميع يريد إبعاده، أو قتله، الكل ينقلب على الفنان غيرة من مكانته وحظوته عند الخلفاء، كل مدينة يدخلها كأنه لص، ويخرج منها هاربا، إلى أن التقفته الأندلس “فيها ترى بغداد ودمشق والموصل والإسكندرية والقيروان كلها مجتمعة ومنصهرة في بوتقة واحدة”، هناك حل زرياب في ضيافة الخليفة عبدالرحمن بن الحكم، وفي قرطبة كان مثالا يُحتذى، فطباع أهلها ما زالت جلفاء وكان لزرياب الدور الأكبر في تعليمهم الموسيقى وأساليب اللباس وأنواع الطعام والممشى والتزيّن والغناء، وأخيرا إثر رحيل طويل نال أبو الحسن الحظوة التي يستحقها.


السياسة إثم

الرواية تعكس خفايا الفساد السياسي والأحقاد التي تحكم القصور الملكية أثناء فترة الخلافة الإسلامية العباسية


يعكس صاحب “فتنة جدّة” في روايته هذه خفايا الفساد السياسي والأحقاد التي تحكم القصور الملكية أثناء فترة الخلافة الإسلامية العباسية في العراق فالانقلابات والدسائس تحكم البلاط ورفض الطاعة ودفع الجزية، بالإضافة إلى المماحكات السياسية التي كانت تدور في بلاد المسلمين، والفتنة تنتشر بسرعة على يد الوصوليين والانتهازيين، فالقيروان مثلا محكومة “بأنصاف رجال الدين” الذين حاربوا زرياب ورأوا عمله بدعة تبعد الناس عن الجهاد وفريضته وحاكوا له المكائد حتى اضطرّ الأمير إلى طرده من القيروان، فخرج منها سرا إلى الأندلس محتملا مشاق “بحر الظلمات” وقطاع الطرق والقراصنة.

لغة الرواية مسبوكة بصورة جزلة، فصيحة لكن ليست بالفصحى المنفرّة، فالقارئ يستحضر شذرات من أمهات كتب الأيام والحكايا والرحلات، حيث تنساب الأحداث على لسان الراوي أشبه بصور من الذاكرة مفعمة بالغنائية، وكأن الراوي زرياب والكاتب توحدا لصياغة بعض الجمل يرويان فيها حنينا وعطشا قديما إلى ذلك التاريخ الذي يحوي إشراقات مشرفة.

يتخلل الرواية وصف لقصور هارون الرشيد وقصور دمشق والقيروان وبغداد ومعالم كبيت الحكمة والبيمارستان ومآثر قرطبة ورحلات الصحراء الطويلـــــة والقوافل.

الرواية تعيد رسم عوالم قديمة محمّلة بروائح الخيل والحريم والجواري، واللغة فيها محمّلة بالتاريخ، تفيض بالمعاني لتشطح بنا بعيدا عن جمود كتب التاريخ والمخطوطات، وتقدم سردا يستوحي سحره من الأماكن والشخوص، من خلفاء وعلماء ومفكرين وأهل الكلام والشعر.


سيكولوجيا العبد


زرياب لا يمتلك انتماء حقيقيا، وهو دائما خاضع للأهواء، بالرغم من أن سيّده الأول الموصلي أطلقه وزوجته وأمّن لهما العيش الرغيد، لكنا نراه دائما يخضع لغيره، فهو يؤخذ قسرا للقاء الخليفة، ويطرد قهرا من البلاد.

"زرياب" سيرة مبدع عربي تعيد رسم حقبة تاريخية مميزة من تاريخ الحضارة الإسلامية

أمّا التصريح بأن زرياب عبد أسود والإشارة الواضحة إلى لونه فذلك يتمّ في القيروان على لسان الأمير زيادة الله بن الأغلب، حينها يستعدي زرياب أبيات من عنترة فينشد: “فَإِن تَكُ أُمّي غُرابيَّةً/ مِنَ أبناء حامٍ بِها عِبتَني/ فَإِنّي لَطيفٌ بِبيضِ الظُبى/ وَسُمرِ العَوالي إِذا جِئتَني/ وَلَولا فِرارُكَ يَومَ الوَغى/ لَقُدتُكَ في الحَربِ أَو قُدتَني”.

حتى اسمه، “الطائر الأسود ذو الصوت الجميل”، حكم مسبق يحمل في داخله افتراض بأن العبد عبد يعرف حتى من اسمه، والإشارة إلى لونه واجبة حتى لو لم يره أحد وهذا ما يصرّح به زرياب نفسه في البداية “قالوا لي اصمت، فليس لك من الأمر شيء، نحن السادة وأنت من جملة العبيد، وسنطلق عليك الاسم الذي نريد، فخرست وسكتت على مضض”.

14