مقبول فدا حسين المتطاول على الهندوس في معرض استعادي بلندن

الاثنين 2014/06/16
أعماله صور بشرية على الطريقة الشكلانية

لندن - ليس من السهل إقامة معرض تشكيلي للفنان الهندي الراحل مقبول فدا حسين (1915 - 2011) حتى في مدينة آمنة مثل لندن. فالفنان حسين الذي يلقّب بـ”بيكاسو الهند” يطارده بعض المتشددين من الهندوس الذين يعتقدون أن هذا الفنان قد جرح مشاعرهم الدينية حينما صوّر الآلهة الهندوسية عاريات، حيث داهموا بيته ومعارضه الشخصية في الهند ولندن وحطموا العديد من لوحاته، وشوهوا البعض الآخر بالصبغ الأسود.

ربما يكون حسين هو الفنان الوحيد في العالم الذي رُفعت ضده نحو (900) قضية، لكن النظام الديمقراطي في الهند لم يزجّ به خلف القضبان. ومع ذلك فقد ضاقت الدنيا بالفنان حسين وقرر أن يغادرها في العام 2006 إلى الخليج العربي، ليعيش متنقلا بين دبي والدوحة ولندن، لكنه ظل يحنّ إلى بلده وذكرياته المحفورة في المدن الهندية التي عاش فيها ردحا طويلا من الزمن، أو التي زارها كي يرسم مناظرها الطبيعية الخلابة.

لا بدّ من الإشارة إلى أن حسين قد رسم خلال حياته الطويلة التي امتدت على مدى 95 عاما (60.000) لوحة تضمها الآن أربعة متاحف كبيرة في الهند، ولا غرابة في هذا الرقم الخرافي المذهل حينما نعرف أنه كان يرسم من 10 إلى 15 لوحة يوميا.

ولقد أهدى ذات مرة 80 لوحة فنية إلى حبيبته اليوغسلافية ماريا زركوفا التي رافقته كمترجمة خلال أيام المعرض الذي أقيم له في براغ! لقد احتفظت زركوفا بهذه اللوحات الثمانين، لكنها قررت إعادتها له بعد أربعة عقود، لأنها تعتقد أن هذه اللوحات هي جزء من تاريخ الهند وتراثها الفني.

لم تسفر هذه العلاقة العاطفية بين حسين وزركوفا عن زواج، لكنها أفضت إلى صداقة لم تنفصل عراها إلى أن فارق الحياة عام 2011 في أحد المستشفيات اللندنية.

خلال زياراته الصيفية إلى لندن كان حسين ينهمك في شيئين أساسيين وهما الرسم وقراءة التاريخ الهندي. وقد قرر في داخله أن يرسم 96 عملا فنيا من الحجم الكبير بقياس (16 × 6) أقدام، على أن يضم كل عمل ثلاث لوحات منفصلة، وقد أنجز من هذه السلسلة ثمانية أعمال تضم أربعا وعشرين لوحة مختلفة في مواضيعها، وهي التي كانت مادة المعرض الأساسية إضافة إلى لوحة الإله “غانيشا” التي تعتبر مفتاحا أساسيا يفضي بالمتلقي إلى عالم المعرض برمته.

لا يلتفت الداخل إلى المعرض إلى لوحة “غانيشا” الصغيرة الحجم، وإنما تغريه الأعمال الثمانية التي تحتوي كل واحدة منها على ثلاث لوحات متساوية الأبعاد مختلفة الثيمات.

تضم الثلاثية الأولى من جهة اليسار الإمبراطور المغولي الأكبر العظيم، المتزوج من الأميرة جودا، التي أنجبت له ولدا اسمه سالم، الذي سوف يصبح ملك جهنكير بعد والده. أما اللوحة الثانية في المنتصف، فتركز على آشوكا أعظم إمبراطور موري بالهند، وهو من وحّد أجزاء كثيرة من الهند وباكستان وبنغلاديش وأفغانستان. أما لوحة اليمين فتسلط الضوء على الحكم البريطاني الذي امتد من 1858 حتى1947.

تصور الـ”Triptych” الثانية حكاية المدن الثلاث التي تعد أعظم مدن الهند وهي دلهي التي تمثل الأمة في الهند، وفاراناسي التي تعتبر مركزها الروحي، وكلكتا ثقافتها ومركز أنشطتها المختلفة.

انتبه حسين منذ وقت مبكر إلى أهمية بعض المذاهب الأوروبية الحديثة ومنها التكعيبية

يركز العمل الثالث المعنون بـ”المهرجانات الهندية التقليدية” على ثلاثة موتيفات، الأول يحمل عنوان “قدوم الربيع”، والثاني “النبتة المقدسة” أما الثالث والأخير، فيركز على ليلة القمر المكتمل والأضواء العائمة على النهر والتي تمثل قوة الضوء وسطوته.

أما العمل الرابع فهو عن أشكال الرقص الهندي، حيث نشاهد في جهة اليسار الفنانة مادهوري ديكسيت التي تؤدي رقصة الـ”كاثاك”، وهي رقصة تاريخية نشأت في شمالي الهند. أما لوحة الوسط فيرقص فيها عدي شانكار الذي يعدّه الفنان حسين أول راقص باليه هندي في العصر الحديث، وتتناول اللوحة الأخيرة رقصة قديمة من إقليم كيرالا.

يتناول العمل الخامس وسائل النقل المختلفة باعتبارها كناية عن رحلة الحياة. أما العمل السادس المعنون بـ”الثالوث الهندوسي”، فيتناول في اللوحة الأولى نهر الكنج الذي يتدفق من السماء إلى الأرض، لكن شيفا يكبح جماحه ويمنعه من تدمير العالم. فإذا كان براهما يمثل الخالق فإن فيشنو هو الحافظ في اللوحة الثانية، وإن شيفا هو المدمِّر في اللوحة الثالثة.

في العمل السابع يعتمد على الشاعر الهندي طاغور، ليثبت أن لغة الحجر قد تجاوزت لغة الإنسان وانتصرت عليه. أما العمل الأخير فيركز فيه حسين على الحياة الأسرية التي استوحى بعض جوانبها من أفراد أسرته على وجه التحديد، ومن بينهم جدهم بابا عبدل الذي يدخن الأركيلة وزوجة أبيه التي تقرأ القرآن، وهو نفسه الذي يرسم تحت السرير.

صحيح أن الفنان حسين مولع بالثقافة الهندية ومتشبث بتقاليد الفن الهندي العريق الذي لم يغادره إلاّ لماما، غير أنه انتبه منذ وقت مبكر إلى أهمية بعض المذاهب الأوروبية الحديثة، ومنها التكعيبية التي يمكن تلمسها في العديد من أعماله الفنية من بينها “الخيول”، وحتى بعض الأشكال البشرية التي وجد من المناسب أن يتعاطى معها بهذه الطريقة الشكلانية التي تؤكد عالميته، مضافا إليها قوة الجانب المحلي الذي يعوِّل عليه في الآلاف من أعماله الفنية.

أخيرا لا بدّ من الإشادة بالجهود الكبيرة التي بذلتها السيدة أوشا ميتال، زوجة المليونير لاكشامي ميتال، التي أعارت هذه اللوحات التسع إلى متحف فيكتوريا وألبرت، كي يُنظم هذا المعرض الاستعادي الذي أخذت فيه الكثير من تدابير الحيطة والحذر خشية أن يدهمه بعض المتطرفين الذين يرون في هذه الأعمال إساءة إلى مشاعرهم الدينية الهندوسية.

16