مقتدى الصدر تمرّغ بأوحال السياسة وتركها حفاظا على سمعة أسرته

الثلاثاء 2014/02/18
المشهد السياسي العراقي الملتبس اليوم يجعله يتقبل "رجل دين ببدلة الأفندي"

بغداد – لم يغب مقتدى الصدر عن المشهد السياسي- الديني في عراق ما بعد 2013 كي تتم استعادته اليوم بعد إعلانه الانسحاب من الحياة السياسية “هل كان سياسيا في الأصل؟”.

سقوط رجال الدين في الفخ السياسي وفقا لمقولة آية الله الخميني “من لم يدخل الدين في السياسية والسياسة في الدين لا يفهم في الدين ولا يفهم في السياسة” يجعل المتابع يستعيد بقوة جملة “السياسيون الكبار كذابون كبار”، وغالباً ما استطاع الكذابون الكبار أن يكونوا سياسيين كبارا، ومقتدى الصدر أسوة بعمار الحكيم الطباطبائي وإبراهيم الجعفري ونوري المالكي و... يقدمون أنفسهم كأصوات رجال الدين وإن كان بعضهم تعلم ارتداء بدلة الأفندي بينما هو يعيش تحت جبة رجل الدين، فالمشهد السياسي العراقي الملتبس اليوم يجعله يتقبل “رجل دين ببدلة الأفندي” طبقا لمتطلبات ذلك المشهد.

هل نذكّر القارئ هنا كيف خلع نوري المالكي ربطة عنقه في حضرة المرشد الإيراني علي خامنئي؟ أية دلالة سياسية ودينية تحمل ربطة العنق عند ملالي إيران “المالكي مثل الجعفري على رأس حزب الدعوة الإسلامي الذي يقلد مراجع عربية وفارسية ويسعى لنقل تقاليد المسجد للدولة”.

وعندما اختلف حزب الدعوة الإسلامي والمجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري إبان الانتخابات السابقة، استدعى المرشد الأعلى الإيراني ممثلين عن هذه الأحزاب إلى طهران وكان توجيهه الأول هو “الحفاظ على وحدة الطائفة وأن يبقى الحكم بيدها”.

مقتدى الصدر لم يستطع أن يكون رجل سياسة وكذلك لم يستطع أن يكون رجل دين إلا بالاعتماد على اسم أسرته “آل الصدر” فهو لم يكمل دراسته، وفي كل كلامه أمام وسائل الإعلام يظهر بما لا يقبل الشك أنه “فتى أمي لا يستطيع صياغة جملة سليمة، ولا هو بقادر على التعبير عن أفكاره بغير اللهجة الدارجة”.

الصدر الذي لم يتقن “لعبة السياسة” أصبح مع ذلك “صانع الملوك” في زمن رث يسجله التاريخ بأنه حلقة شاذة من تاريخ العراق.

له من الأتباع ما لا يعد… وتنهال الأموال عليه ويفتح المكاتب الصدرية في محافظات العراق ويفوز أتباعه في الانتخابات البرلمانية ويكون صوتهم مؤثرا في تشكيل الحكومة، فهو اللاسياسي الذي صار سياسيا بامتياز في الصورة وليس في الواقع، وأصبح من حقه أن يعلن الانسحاب من الحياة السياسية.

وعمامته السوداء لا تؤهله بأي حال من الأحوال ليكون رجل دين، ولنا أن نتخيل أنه ابن مدينة دينية تحتشد مكاتبها بمضان تاريخية ومصادر عن الشيعة وأحوالهم ويقبل خيار الذهاب إلى قم ليدرس السطوح. هكذا تتم تهيئة الفتى ليكون رجل دين بمسحة سياسية، وإيرانية بالتحديد.

تلقى مقتدى معارفه الأولية على يد “ملالي” النجف بالرغم من وجود نظام تربوي حكومي عصري، لكنه سرعان ما التحق بالدراسة في “الحوزة العلمية”، إلا أنه لم يظهر أية مقدرة في استيعاب علوم اللغة والفقه الإسلامي، وبالتالي لم يصل إلى مرتبة المجتهد وفق الكاتب زهير المخ، ويعرف في الحوزة العلمية في النجف بأنه ليس أكثر من “طالب بحث خارجي”، وهو أمر لا ينفيه مقتدى نفسه الذي ظل يردد دائماً أنه “ليس مرجعية مقلدة”، بل وكيل المرجع آية الله كاظم الحائري المقيم في مدينة قم الإيرانية.

عمامة مقتدى الصدر السوداء لا تؤهله بأي حال من الأحوال ليكون رجل دين، ولنا أن نتخيل أنه ابن مدينة دينية تحتشد مكاتبها بمضان تاريخية ومصادر عن الشيعة وأحوالهم ويقبل خيار الذهاب إلى قم ليدرس السطوح. هكذا تتم تهيئة الفتى ليكون رجل دين بمسحة سياسية، وإيرانية بالتحديد.


أصابع إيران في كل السيناريوهات


سيتفرع إعلان الصدر الانسحاب من الحياة السياسية عن سيناريوهات متعددة لن تكون إيران هامشا في أي منها، بل ستؤسس كل تلك السيناريوهات عليها، فأصابع طهران هي من تحرك “أحزاب إيران في العراق”، وستصبح التوقعات مدعاة للقلق والسعادة في آن بين الأطراف، “هل ثمة رابح في كل الذي حصل والذي سيحصل في العراق” سنصل إلى نتيجة نتفق عليها جميعا أن لا قيمة لمعرفة الرابح بقدر ما إن العراقيين كل العراقيين وحدهم من خسر والعراق هو الخاسر الأكبر في ما يديره سياسيو إيران في العراق.

كذلك تنمو الأخطاء السياسية في مناخ عدم الواقعية لتكون آخر نتائجها، أن يكون إعلان مقتدى الصدر انسحابه من الحياة السياسية مدعاة للتساؤل والتحليل، وأن تصبح الانتخابات بعدها أشبه بواجب ديني يمرر الأحزاب الطائفية إلى السلطة من جديد.

فالخلط الشنيع الذي يقوم به رجال الدين في عصر العولمة قد يودي إلى تجريم مصداقية حماة حقوق الإنسان، التي من أجلها احتلت الولايات المتحدة العراق، ليصبح عصر العولمة لحماية حقوق الإنسان حرباً ضد حقوق الإنسان.

هل كان التصريح الذي نشره الصحفي البريطاني باتريك كوكبيرن في صحيفة “إندبندنت” في الثلاثين من نوفمبر 2013 بداية تمهد لقرار الصدر بترك العمل السياسي والذي شغل وسائل الإعلام هذا الأسبوع، ووصف قرار انسحابه من العمل السياسي في البلاد وإغلاق مكاتبه السياسية وحل تياره بالقرار المفاجئ قبل أكثر من شهرين من الانتخابات البرلمانية.

وقال الصدر في البيان “أعلن عدم تدخلي في الأمور السياسية كافة وأن لا كتلة تمثلنا بعد الآن ولا أي منصب في داخل الحكومة وخارجها ولا البرلمان”.

وأضاف: “أعلن إغلاق جميع المكاتب وملحقاتها على كافة الأصعدة الدينية والاجتماعية والسياسية”.

مقتدى الصدر وسقوط العراق
صحفي مثل باتريك كوكبيرن ينظر للعراق من خلف عدساته يؤلف كتابا عن مقتدى الصدر "مقتدى الصدر وسقوط العراق" ويقدمه إلى القارئ الغربي وفق الصورة السائدة عنه في وسائل الإعلام، وكأن معضلة العراق بعد الاحتلال تتجسد في خلاف أسرتي الصدر والحكيم ومن يحصل أكثر على دعم إيران. باتريك كوكبيرن كان قبل أسابيع في النجف ليكتب عن المدينة ويعيد صياغة آراء جديدة لمقتدى الصدر عندما رسم صورة بالغة السوداوية لمستقبل العراق محمّلا المسؤولية لرئيس الحكومة الحالية ورئيس حزب الدعوة الاسلامي نوري المالكي.

وحذّر الصدر في مقابلة مع كوكبيرن، من إن مستقبل بلاده كدولة موحدة ومستقلة يواجه الخطر بسبب ما اعتبره العداء الطائفي بين السنة والشيعة، وكشف أن حكومة إقليم كردستان العراق قد تتجه إلى الاستقلال إذا ما واجهت ضغوطا أكبر من حكومة نوري المالكي. وقال "إن الشعب العراقي سيتفكك وتنهار حكومته ويصبح من السهل على القوى الخارجية السيطرة على البلاد، وسيكون الظلام هو المستقبل القريب للعراق بسبب انتشار الطائفية"، مشيرا إلى "أن وقوفه ضد الطائفية جعله يفقد التأييد بين أنصاره".

وأشار إلى أنه "حاول مع زعماء عراقيين آخرين استبدال المالكي، لكنه بقي في منصبه بسبب الدعم الذي حظي به من قوى أجنبية وتحديدا أميركا وإيران". وقال "ما يثير الدهشة حقا هو أن الولايات المتحدة وإيران اتخذتا قرارا بشأن شخص واحد، لذلك فإن المالكي قوي لأنه معتمد من قبل أميركا وإيران وبريطانيا".

وكشف الصدر بأن مسعود البارزاني رئيس إقليم كردستان العراق أبلغه بأنه "سيطلب الاستقلال إذا ما مارس عليه المالكي ضغوطا أكبر". وتساءل "رجل الدين" الشاب في نهاية الحوار عما إذا كانت الحكومة البريطانية مازالت تنظر إليه كإرهابي، وهل تعتقد اليوم أنها حررت بالفعل الشعب العراقي، وهل يمكن مقاضاتها على الضحايا العراقيين الذين سقطوا برصاص جنودها.

وبرر الصدر قراره بالقول أنه جاء “حفاظا على سمعة آل الصدر (…) ومن منطلق إنهاء كل المفاسد التي وقعت أو التي من المحتمل أن تقع تحت عنوانها (…) ومن باب الخروج من أفكاك الساسة والسياسيين”.

يحلل الأكاديمي زهير المخ شخصية مقتدى الصدر المولود عام 1974 طبقا لطفولته الصعبة، فقد عانى من أب لا يهتم به لأنه غارق في إدارة المرجعية، وأخوة كبار كانوا يبدون الكثير من الامتعاض لتصرفات الصبي المتهورة. وفعلت هذه المعاناة في نفسه فازداد ميله الطبيعي إلى تعميق حضوره العام بموازاة الحذر من الآخرين، وهما سمتان بارزتان في شخصيته.

ويكتب المخ: “ينظر مقتدى إلى العالم بعينين هاربتين، نظرة خوف وكأنه رجل مطارد يتربص به الشر وهو يفتش عن سبيل للبقاء في صورة الأحداث.

وبالنسبة إلى الذين يعرفونه عن قرب لا يتوانون عن وصفه بأنه عصبي المزاج، يفضل الأفكار البسيطة والأجوبة الجاهزة، ويضايقه الكلام المفخم والثقيل على مسامع الناس، وهو في نظره ينطوي على الكثير من العجز. ورأى آخرون فيه (رجل غموض وألغاز)، يتصرف سراً ويحيط نفسه بالأحاجي”.

سنجد صورة مشابه عن تحليل شخصيات دينية- سياسية من نفس “طينة” مقتدى فعمار الحكيم رجل الدين الشاب عاش عقد الأصل والولاء، فهو ابن أسرة دينية تنازع أصولها الفارسية وتثبيت وجودها العراقي، فنصف حياته عاشها في إيران وعمه من أسس مليشيا المجلس الأعلى الإسلامي في طهران وقاتل معها في حربها مع بغداد، وهو الآن يقدم نفسه للعراقيين كرجل سياسة يعدهم بالرخاء، بعد أن واجه مشروعه في فيدرالية الجنوب الفشل على أرض الواقع.

كما أن نوري المالكي الذي يقدم نفسه للعالم بأنه سياسي يتقن لعبة تبادل الكراسي والباب الدوار، ليس أكثر من رجل دين تعلم ارتداء بدلة الأفندي ليمارس “التقية” السياسية وفق مفهوم الحزب الديني الطائفي الذي يرأسه، فحزب الدعوة الإسلامي لا يخجل من الإعلان عن تقليده مراجع فارسية وعربية.

ومثل الصدر والحكيم والمالكي، يمكن العثور بيسر على نماذج دينية بهيئة سياسية في عراق “المنطقة الخضراء” اليوم، كم رجل دين بين عضوية البرلمان العراقي اليوم؟ لا أسهل من الإجابة عن هذا السؤال، وكم وزير في حكومة المالكي لا يخجل من تقبيل يد المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي من دون خجل؟ هل نحتاج إلى أن نعيد على القارئ الفيلم الذي يظهر هادي العامري وزير النقل وهو يقبل يد الخامنئي؟

كل السيناريوهات التي طرحت على مدار الأيام الماضية سقطت في الفخ السياسي متناسية عن قصد أو جهل الجانب الديني، فمقتدى الصدر لم يستطع مغادرة بيئته الدينية ولم يشغف قلوب الفقراء والأميين والبسطاء إلا بدلالة تكوينه الديني و”نخوته” الحسينية وعمامته السوداء، ودخل بأعضائه إلى البرلمان الذي يفترض أن يكون سياسيا وليس مسجداً أو حسينة، ليس بمشروع سياسي للعدالة والرفاه المجتمعي، بل بصوت آبائه وأجداده من آل الصدر.

وهو اليوم يريد إنقاذ سمعة آل الصدر من كل المفاسد التي وقعت أو التي من المحتمل أن تقع تحت عنوانها (…) ومن باب الخروج من أفكاك الساسة والسياسيين، بالتنحي من دوره السياسي حفاظا على دوره الديني.

أي تناقض مريع بين الديني والسياسي ليس عند الصدر وحده، بل في عراق المحاصصة الطائفية برمتها، فحتى سنة العراق لم يجدوا ممثلا لهم غير المعادل الطائفي، لا أحد منهم يتحدث عن مشروع عراقي وطني، فمظاهرات الأنبار الرافضة لطائفية المالكي تسقط في نفس فخ الطائفية عندما تختار رجال دين لا يقلون طائفية عن معادلهم الآخر.

سيمر تنحي رجل الدين الشاب مقتدى الصدر من الحياة السياسية بلاواقعية في حياة سياسية عراقية لا واقعية أصلا، والسبب ببساطة أن الديني سقط في فخ السياسي، هل نحتاج التذكير بما بدأناه في هذا المقال “السياسيون الكبار كذابون كبار”، وغالباً ما استطاع الكذابون الكبار أن يكونوا سياسيين كباراً”.

لا أحد من كل هؤلاء بعمائمهم السوداء والبيضاء على حد سواء، وهم يتجادلون في المحافل البرلمانية والمواقع الحكومية وعلى شاشات التلفزيون، يقبل باستعادة خطاب الرجل الحكيم الذي قال للإمام علي بن أبي طالب بعد مبايعته على الخلافة بقوله “ليست لك”. لأنه كان يدرك أن عدالة الإمام وإخلاصه لربه لا يمكن أن يستقيما مع ألاعيب الحكم السياسية.

ورجال الدين في عراق اليوم سواء منهم من تشبث بالحكم ومن تنحى هم كذابون كبار، ويا للعار عندما يكذب رجل الدين وهو بهيئة السياسي.

6