مقتدى الصدر.. شخصية زئبقية لا تثبت على رأي

السبت 2013/09/07
الصدر يريد أن تكون مرجعية النجف ناطقة وليست صامتة

يوصف بأنه شخصية زئبقية وقلقة لايثبت على رأي، ينتقل بمواقفه من طرف إلى آخر، وليس له استراتيجية ثابتة وواضحة. إنه مقتدى الصدر الإبن الأصغر لرجل الدين الراحل محمد صادق الصدر بعد مصطفى ومؤمل، ظهر في فترة هي من أشد فترات الإثارة في تاريخ العراق بعد سقوط النظام العراقي بفعل الاحتلال الأميركي عام 2003، وتطور تأثيره وحضوره في المشهد السياسي ماشكل مفاجأة للأحزاب الدينية العراقية، ومن ثم منافسا لها.

ورغم أن مقتدى الصدر زعيم لشريحة كبيرة في المجتمع العراقي، إلا أنه لم يصل إلى مرحلة الاجتهاد التي تخول له منافسة المرجعيات الدينية والتصدي لها، وكان الأقرب إلى رجل الدين كاظم الحائري الموجود في إيران واختلف معه فيما بعد، وسعى إلى تشكيل مسار مستقل أطلق عليه الخط الصدري.

وواجه مقتدى الصدر انتقادات من رجال الدين الشيعة، بسبب موقفه من المرجعية الدينية في النجف، التي وصفها بأنها مرجعية صامتة لم تنهض بمسؤوليتها تجاه ما يجري في العراق.

ويأخذ الصدر على المرجع الديني السيد علي السيستاني أن موقفه من معركة جيش المهدي مع القوات الأميركية بالنجف عام 2004 لم يكن بمستوى المسؤولية الملقاة على المرجعية في انحيازها للمقاومين للاحتلال، لاسيما وأن قواته تجاوزت الخط الأحمر الذي رسمه السيستاني في تدنيسها للصحن الحيدري في النجف.


إرث عائلة الصدر


ويعتمد الصدر في تجسيد حضوره في المشهد السياسي على الإرث التاريخي لوالده وعائلته، غير أن إيران كانت إحدى العوامل الخارجية التي ساعدت ومدت يد العون له، خصوصا وأن الصدر حظي برعاية ومباركة من مرشد إيران علي خامنئي والرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد.

والمتتبع لمسيرة مقتدى الصدر يستطيع القول أنه يقلد حسن نصرالله زعيم حزب الله ومتأثر بشخصيته، وكان يسعى إلى خلق دولة داخل دولة مثلما فعل حزب الله، إلا أن ظروف العراق والاستقطاب الطائفي، فضلا عن خصومه في التحالف الشيعي ومعاركه في النجف والبصرة حالت دون وصوله إلى مبتغاه.

ويكشف مستشار الأمن الوطني العراقي السابق موفق الربيعي النقاب عن إشرافه على الاتفاق الذي أبرم مع الصدر وحكومة آياد علاوي لإنهاء القتال بين جيش المهدي والقوات الأميركية، غير أن الربيعي نوّه إلى أن علاوي رفض الإعلان عن تفاصيل الإتفاق، موضحا أن القوات الأميركية اعتبرت أن مقتدى الصدر خار ج عن القانون، فيما أصدرت السلطات العراقية أمرا بالقبض عليه.

غير أن هذه الإجراءات لم تجد طريقها للتنفيذ، ما عزز موقف مقتدى الصدر في الشارع الشيعي على حساب الأحزاب الدينية التي لم تدعم موقفه في معركته مع قوات الاحتلال، كما وضع المرجعية الدينية بالنجف في موقف محرج أمام جمهورها الذي إنقسم في حينها في التعاطي مع أزمة الصدر مع الأميركان.

وإذا عدنا إلى بدايات بروز شخصية مقتدى الصدر ونواته جيش المهدي فإننا نستطيع القول، إن حركته لم تنبثق من بنية منظمة، وإنما ظهرت من خلال تشكيل مسلح فضفاض من الشباب والمتطوعين من أبناء مدينة الصدر، سرعان ما توسعت وأصبحت قوة فاعلة على الأرض، أتهمت بالقيام بحملة لتصفية رموز سنية في ذروة العنف الطائفي.

اعترف مقتدى الصدر بمسؤولية أشخاص محسوبين على جيش المهدي بالقيام بهذه الأعمال لاسيما حافظ إسماعيل "أبو درع" وقد أضطر الصدر إلى فصله ليلتحق بعصائب أهل الحق فيما بعد.

وما يؤكد أن شخصية مقتدى الصدر قلقة ومثيرة للجدل، أنه سرعان ما انقلب على هيئة علماء المسلمين والمدرسة الخالصية بعد أن تحالف معهما في إطار سعيه إلى حشد التأييد السني والشيعي لإفشال مشروع الاحتلال الأميركي، إلى حد تقديم الدعم والمساعدة إلى أبناء الفلوجة في معركتهم الأولى ضد قوات الاحتلال.


الاتهام بقتل الخوئي


وواجه الصدر أول انتكاسة له بعد اتهامه بمقتل رجل الدين عبدالمجيد الخوئي في النجف، ما أفقده الكثير من سمعته في الوسط الشيعي. ويرى خبير في شؤون الحوزة في النجف أن مقتل والد مقتدى، محمد صادق الصدر عام 1999، كان إيذانا ببروز (مقتدى) لخلافة والده والسير على نهجه، لاسيما بعد مقتل شقيقيه مصطفى ومؤمل مع والده وهوما فتح الباب أمامه ليكمل المسيرة.

ويروي ضابط في المخابرات العراقية السابق تفاصيل مقتل محمد صادق الصدر قائلا، إن سيارة مدنية تعقبت السيارة التي كان يستقلها الصدر الأب مع ولديه مصطفى ومؤمل في فبراير عام 1999 بين الكوفة والنجف، أطلق من كان في داخلها الرصاص عليهم، نقلوا إلى المستشفى في الحال.

ويشير إلى أن مدير الأمن العام في ذلك التاريخ كان طاهر جليل الحبوش، عندما سمع بالحادث هرع إلى النجف وأقال مدير أمن النجف اللواء سامي الدجيلي في محاولة لتهدئة الشارع الشيعي. وكشف أن السلطات العراقية كانت قد عرضت على السيد محمد صادق الصدر توفير الحماية له ولعائلته، إلا أنه رفض العرض وقال لهم إن الله يرعاني.

وكانت السلطات العراقية عرضت على شاشة التلفزيون الحكومي المدعو حسن الكوفي الذي اعترف بعملية القتل بدافع من إيران، ورغم التحوطات التي إتخذتها السلطات العراقية بعد مقتل الصدر الأب غير أن مظاهرات ومواجهات مسلحة اندلعت في مدينة الصدر والنجف والبصرة إلى حد خروج أجزاء من محافظة البصرة عن السيطرة الحكومية بفعل تدفق مجاميع مسلحة من إيران باتجاه البصرة حسب الرواية الحكومية.

ويلاحظ الخبير في شؤون الحوزة في النجف حامد عبدالحسين، أن الرئيس الراحل صدام حسين كان يشجع ويدعم مرجعية الراحل محمد صادق الصدر بإعتبارها مرجعية عربية لوقف تسلل شخصيات من أصول غير عربية إلى حوزة النجف. وما شجع صدام على دعم موقف الصدر الأب هو إحياء الأخير صلاة الجمعة واجتهاده في إقامتها بشكل متواصل، مخالفا في ذلك موقف المراجع الشيعية الذين أفتوا بعدم جواز قيام صلاة الجمعة بإنتظار الإمام المهدي المنتظر.

ومقتدى الصدر وفي إطار سعيه لتأكيد حضوره كرجل دين أكمل دراسته في قم على مدى ثلاث سنوات وأصبح حجة الإسلام التي قبل بعد مرتبة آية الله، وآية الله العظمى.


تقاطع بين عائلتي الصدر والحكيم


والصدر يتردد على قم بين فترة وأخرى، أحرج القيادة الإيرانية بنشره تفاصيل لقائه مع قاسم سليماني مسؤول الملف العراقي الذي أوضح فيه موقف إيران الرافض لسحب الثقة عن المالكي وتوجيه النقد لمقتدى الصدر لتحالفه مع الأكراد والقائمة العراقية، ما كشف الموقف الإيراني غير المعلن في تعاطيها مع الملف العراقي.

وعلاقة مقتدى الصدر برئيس الحكومة العراقية سيئة ومتشنجة وتفتقد إلى الثقة المتبادلة، وغالبا ما يستعين المالكي بعصائب أهل الحق التي انشقت عن جيش المهدي لردع الذراع العسكري للصدر، فيما تتقاطع عائلتي الصدر والحكيم بسبب الخلافات التاريخية بينهما، ما انعكست سلبا على علاقة مقتدى الصدر بعمار الحكيم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى.

وواجه مقتدى الصدر محاولات عديدة للنيل من تياره تارة بملاحقة رموزه واعتقالهم والنيل من مواقفه وتوجهاته تارة أخرى. وشجع هذا الاستهداف للتيار الصدري إلى حدوث انشقاقات وانسحابات من تياره أضعفته أمام خصومه لاسيما أمام رئيس الوزراء نوري المالكي ومرجعيات النجف والأحزاب الدينية، وما انشقاق عصائب أهل الحق إلا الدليل على تصدع التيار ما دفع مقتدى الصدر إلى تشكيل لواء اليوم الموعود كرد على تشكيل العصائب التي حمّلها مسؤولية دماء العراقيين وفي عمليات التهجير والعنف الطائفي وتلقي الدعم والمساندة من المالكي في محاولة لإضعاف وتفتيت التيار الصدري.

ورغم محاولات المالكي والأحزاب الدينية إضعاف وكسر شوكة التيار الصدري إلا أن هذا التيار حصد نحو (40) مقعدا في البرلمان وأصبح قوة تصويتية وبيضة القبان في ترجيح كفة أي كتلة برلمانية، ناهيك عن دور وزراء التيار الأربع في مجلس الوزراء الذي ضاق المالكي ذرعا بهم لإعتراضاتهم على أدائه وعلى الفساد المستشري في حكومته.

الصدر متردد في حسم تحالفاته
* مقتدى الصدر يقف في ظل الاستقطاب السياسي والطائفي بين أركان العملية السياسية، وحيدا ومترددا في حسم تحالفاته المستقبلية بعد تجربة السنوات التي حملت رموز تياره إلى الحكومة والبرلمان.

* كثيرا ما يتطلع الصدر إلى خارج الحدود بمواقف أحرجت الحكومة العراقية لاسيما المتعلقة بالأحداث في البحرين ومصر واليمن وسوريا، ما فسّر على أنها تندرج في إطار إحراج مواقف حكومة المالكي من هذه الأحداث.

* وزراء التيار الصدري الأربعة في مجلس الوزراء لا يكفون عن انتقاد نوري المالكي على أدائه وعلى الفساد المستشري في حكومته.

ويقف مقتدى الصدر في ظل الاستقطاب السياسي والطائفي بين أركان العملية السياسية، وحيدا ومترددا في حسم تحالفاته المستقبلية بعد تجربة السنوات التي حملت رموز تياره إلى الحكومة والبرلمان. وما يقلق الصدر سعي المالكي وحزب الدعوة عبر محاصرته ونزع شرعيته في الوسط الشيعي، في محاولة لإضعافه وإخراجه من المعادلة السياسية التي يرى المالكي أن الصدر بإنفتاحه على قوى سنية وكردية وليبرالية سيأخذ من جرفه ويفتح شهية الآخرين للنيل منه.

وكثيرا ما يتطلع الصدر إلى خارج الحدود بمواقف أحرجت الحكومة العراقية لاسيما المتعلقة بالأحداث في البحرين ومصر واليمن وسوريا، ما فسر على أنها تندرج في إطارإحراج مواقف الحكومة العراقية من هذه الأحداث.

ويسجل لنواب التيار الصدري رفضهم الموافقة على تمرير الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة وحركة الاحتجاجات الشعبية الرافضة للاتفاقية الأمنية، الأمر الذي أحرج حكومة المالكي ووضعها في مصاف التحالف مع أميركا وتكبيل العراق بإتفاقية مذلة بالضد من إرادة شعبه.

وغالبا ما يلوذ مقتدى الصدر بالصمت ويتوارى عن الأنظار إلى حد التلويح باعتزاله العمل السياسي، كتعبير عن خيبة أمله من تداعيات الأوضاع في العراق وفشل الطبقة السياسية في وقف العنف وتكريس ثروة العراق لسعادة العراقيين عبر وقف هدر المال العام وملاحقة المفسدين.

ومواقف الصدر المتناقضة والغير ثابتة إزاء التحديات التي تواجه العراق ومستقبل تحالفاته السياسية، أضرت بسمعته ومصداقيته وأظهرته أمام الجمهور شخصية غير مستقرة وقلقة يتأرجح بين مواقف متناقضة، إلا أنه يبقى رقما مهما في المعادلة السياسة وعامل توازن بين أطرافها، إذا أجاد قواعد اللعبة السياسية بكل تناقضاتها.
14