مقتدى الصدر لـ"العرب": تيارات في السعودية وقطر تمنع الانفتاح على العراق

الاثنين 2015/01/05
الصدر وتفاقم الأسئلة عن دوره الديني والسياسي في العراق

بغداد - الأوضاع الراهنة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا الوضع في العراق، غداة أحداث ما سمي بـ”الربيع العربي” وظهور تنظيم “الدولة الإسلامية” وسيطرته على قطاع شاسع من البلاد والتفاعلات الإقليمية والدولية مع هذه التغيرات، قضايا تفاعل معها رجل الدين العراقي مقتدى الصدر في إطار مقابلة حصرية أجرتها معه “العرب” ومجلة “الهدى” البغدادية.

عزا رجل الدين العراقي مقتدى الصدر أسباب تباطؤ التجاوب السعودي القطري مع العراق إلى تيارات متشددة في الرياض والدوحة متعاطفة مع التنظيمات الإرهابية، وترى الانفتاح على العراق مخالفا لمذهبهم، كما أن وجود القوى الإرهابية والظلامية في العراق يعني بقاء الأمن مستقرا في بلدانهم.

واتهم الصدر في مقابلة حصرية أجرتها معه “العرب” ومجلة “الهدى” البغدادية تلك الدول بالتوافق المذهبي مع الجهات الإرهابية متناسية أن مذهب تلك التنظيمات الإرهابية هو التكفير -تكفير كل شيء- وليس هو المذهب السني أو إحدى جماعاته.

وأشار زعيم التيار الصدري إلى أن التراكمات السابقة للحكومة العراقية أدت إلى تباطؤ وتلكؤ الانفتاح على العراق في المرحلة الحالية، فضلا عن تعرض تلك الدول الشقيقة إلى ضغوط غربية أميركية وبريطانية لعدم التدخل في ملف الإرهاب في العراق، إضافة إلى التنافسات السياسية السلطوية وتشابك الملفات السورية العراقية البحرينية الإيرانية زاد في ذلك التباطؤ.

وعرض الصدر مجموعة من المقترحات لتلافي التباطؤ في إعادة العراق إلى محيطه العربي بانفتاح الحكومة العراقية على تلك الدول من خلال دعوتها إلى زيارة العراق وكذلك الذهاب إليها بوفود عالية المستوى، وزيادة الانفتاح الاقتصادي وتوقيع الاتفاقيات الأمنية ولا سيما مع دول الجوار كإيران وتركيا والكويت والسعودية.

وقال “يمكن للعراق أن يكون وسيطا وحدويا مع دول الإقليم والمنطقة ولا سيما بين السعودية وإيران لما لهذا التقارب من نتيجة فاعلة في إزالة التوترات الطائفية السائدة حاليا”.

وناشد زعيم التيار الصدري الذي يجهر بعدائه للولايات المتحدة، الحكومة العراقية الضغط على أميركا وغيرها بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لمنطقتنا، والاستعانة بالدول الشقيقة كبديل أفضل من الاستعانة بالدول المحتلة من خلال تفعيل الاتفاقيات الاستخباراتية والمعلوماتية.
البصرة بوابة تجارية كبيرة لا ينبغي حصرها في إقليم، بل يجب أن تكون في يد دولة مركزية، كي لا يتم فيها تأجيج نار الفتنة الطائفية


لا مكان لمقابر بريطانية في العراق


وطالب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر البريطانيين بالتوقف عن ترميم مقابر جنودهم الذين سقطوا خلال احتلالهم للعراق بدايات القرن الماضي ورفع جثثهم ودفنها في أرضهم، مهددا بأنهم إن لم يفعلوا ذلك فإنه سيتولى هذا الأمر بنفسه.

وقال في المقابلة التي أجريت معه في مقر إقامته في الكوفة “رأيت من خلال بعض الفضائيات أن هناك مقبرة للبريطانيين قيد التشييد لجثثهم في الاحتلال والحقبة الماضية ومن خلالكم آمرهم بإلغاء ذلك ورفع جثثهم ودفنها في أرضهم وبين عائلاتهم ومنتسبيهم فلا مكان لهم في أرضنا وإلا قمنا نحن باللازم”.

وأبدى زعيم التيار الصدري المعروف براديكاليته عدم ارتياحه لتصاعد دعوات إعلان إقليم البصرة، واختيار علم للإقليم أسوة بإقليم كردستان، ونصح البصريين بالنظر إلى المستقبل ونتائج هذا العمل الذي وصفه بأنه “غير مدروس″، معددا الأضرار التي ستنتج عن إعلان ذلك الإقليم.

وتطرق الصدر الذي ترتبط به ميليشيات طائفية متهمة بالتطهير على الهوية، إلى سياسة الولايات المتحدة الأميركية في العراق معتبرا أن الثروة النفطية وأمن إسرائيل كانا سببين رئيسيّن لاحتلال العراق وانهيار المنطقة. وقال إن أميركا بعيدة كل البعد عن نشر الديمقراطية وقيم الحرية في العالم.

واتهم دولا كبرى بإلهاء الشعوب عن “أهدافها المعنوية والمادية بنشرها التنظيمات الإرهابية، معتبرا أن الربيع العربي أخاف أميركا وإسرائيل لضرره الواضح على مصالحهما”.


لا ربيع عربيا في ليبيا


وأبدى زعيم التيار الصدري تأييده لنجاح الربيع العربي، مستدركا أنه يتحفظ عليه في ليبيا لوقوعها في يد المتشددين.

وأكد على أن الهدف الأكبر للدول الكبرى السيطرة على الدول التي قد تكون النواة الأولى للظهور المقدس، من خلال تقوية الجهات التي لا تؤمن بعقيدة الظهور ووجود المنقذ المعصوم من آل الرسول، “في إشارة إلى إيمان الشيعة بظهور المهدي المنتظر”.

الحكومة العراقية مطالبة بالضغط على الولايات المتحدة لكي لا تتدخل في شؤون منطقتنا، وبأن تستعين بدل ذلك بالدول الشقيقة

وقال “لا ينبغي أن نغفل عن الأسباب التي وسعت من فرصة انتشار تلك التنظيمات الإرهابية وشذاذ الآفاق بيننا وتقدمها الميداني في العراق وسوريا، بل الأهم من ذلك، فهي تاليا لا تريد التمحور في تلك الدول، بل لها مطامع حتى في دول (الاتحاد الأوروبي) كما وصلتنا بعض الأخبار عن ذلك، فضلا عن باقي الدول الإسلامية والعربية”.

وطالب الصدر، الذي أعلن تخليه عن العمل السياسي لكنه سرعان ما عاد وشكل ميليشيات لمقاتلة عناصر داعش بعد سيطرتها على مساحات واسعة من العراق وافتتح مكتبا سياسيا لأنصاره في البصرة، شعوب المنطقة إلى الالتفاف حول قيادات مخلصة واعية لا طائفية ولا غربية والعمل على توحيد صفوفها وزيادة وعيها الثقافي والإسلامي العقائدي للخلاص من الأفكار الطائفية المسمومة التي يبثها الاستعمار الغربي في ما بينهم.

وناشد الصدر الذي خرجت من تياره مجموعات طائفية متطرفة، المعتدلين ترك الخوف جانبا والعمل على تنشيط الاعتدال ونبذ التخلف والعنف من خلال طرق أخلاقية وحدوية وبأساليب حديثة مستنبطة من القواعد الإسلامية والشريعة السمحاء.

واستدرك في الحوار بقوله “إن هذا لا يتم في مدة قصيرة، بل يحتاج إلى أمد طويل إن كان هناك استحقاق وتوفيق إلهي، مضافاً إلى ذلك تبيان الوجه الحقيقي للإسلام وإخراج الجهات المتعصبة التي لا تمثل الوجه الحقيقي له”.

وشد على يد العلماء المجتمعين في مصر وبالخصوص في الأزهر الشريف وغيره، ممن يسعون إلى عزل التكفيريين عن الجسد الإسلامي لا من خلال تكفير الآخرين، بل من خلال التخلي عن شذاذ الآفاق ونبذ أفكارهم الهدامة والمسمومة وجعلهم فرقة منبوذة، لإيقاف النزيف الإسلامي والعربي والتقاتل والصراع الداخلي، ذلك أن شذاذ الآفاق تركوا العدو المشترك وهو الثالوث المشؤوم يرتع في بلادنا وصاروا يقتلون إخوانهم في الدين، بل المذهب ذاته متذرعين بكفرهم ونفاقهم وخروجهم عن الملة، بعد أن نصّبوا أنفسهم قضاة وحكاما وجلادين في الوقت نفسه ليتسلطوا بالرعب على رقاب الجميع دون استثناء.

وعلق مقتدى الصدر عن الوضع في لبنان بقوله “إن من أهم الأسباب التي أوصلت لبنان إلى ما هي عليه، الآن، هو التباعد بين هاتين الجهتين اللبنانيتين الكبريين، أعني الأخوة في حزب الله اللبناني والأخوة في تيار المستقبل، بمعنى أن تقاربهما سيكون بداية لإنهاء بعض الصعوبات التي تعصف بلبنان وشعبها.. وآمل أن يكون هذا التقارب وطنيا لمصالح عامة لا لأغراض سياسية ضيقة ولعل من أهم النتائج الإيجابية التي ستثمر التقارب الفعلي لهاتين الجهتين هو إبعاد خطر الإرهاب عن لبنان الحبيبة وكذا التطور الاقتصادي والتنظيم السياسي والحكومي فيها”.

سرايا السلام لمقاتلة داعش أم لدور أكبر


الولايات المتحدة تريد سلب خيراتنا


وعن الأجندة الأميركية في العراق حدد الصدر مجموعة إشارات أولاها السيطرة على العراق الذي يعني سيطرتها على ما دونه، وسلب خيراته ونفطه، لأن العراق بلد متنوع الأعراق والأديان والمذاهب، فهو يصلح أن يكون منطلقا لتأجيج فتنتها الطائفية، فضلا عن كونه عاصمة المنقذ فلابد من الاقتراب منه، وهو منطقة استراتيجية قريبة من الخليج ودوله وكذا إيران وتركيا بل والصين وروسيا نسبيا.

واتهم الولايات المتحدة الأميركية بزعزعة العقيدة الصالحة في العراق، وإنهاء وجود النفس الثوري والجهادي ومن ثم صيانة أمن إسرائيل.

وقال “أما إذا ما سألتني عن الديمقراطية وقيم الحرية التي زعمت أميركا أنها جاءت لنشرها في بلادنا فأقول لك إن الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن نشر الديمقراطية وقيم الحرية”.

وفي إجابة عن سؤال حول تفاقم واستشراء الفساد في الدوائر الحكومية العراقية ومحاولة رئيس الحكومة حيدر العبادي مكافحته وتشابك ذلك مع الملف الأمني القلق، قال الصدر: في هذا السؤال تشعبات كثيرة.

* أولها الواقع السياسي وتحالفاته الحالية والتي كانت بجهود عراقية بحتة، بعيدة عن أي تدخل خارجي مما أدى إلى التشكيل الحكومي الحالي، وحسب ما أرى، فإن هذه الواقع سينعكس إيجابياً على قوة تلك التحالفات ولا سيما مع وجود الواعز الوطني والابتعاد عن التناحرات السياسية.

* ثانيها: تقييم الأداء للأخ رئيس الوزراء، الذي وضع قدمه على الطريق الصحيح آملين من الجميع التعاون معه وخصوصا في ملف كشف الفساد، آملين منه أيضا أن يشرك الجميع في ذلك وعدم تهميش أي جهة، وأن يكشف الفاسدين دون تمييز بين كتلة وكتلة وهذا ما لمسناه فعلا.

* ثالثها: تحمل رئيس الوزراء الحالي أوزار تفاقم الأخطاء والخروقات الأمنية خلال الحكومة السابقة، مما صعّب على الأخ العبادي طريقه وأوقعه في مشكلات جمة لا يمكن الخروج منها إلا بالتعاون السياسي والأمني.

ولذا فإنني قدمت كل ما لدي وأشرت إلى بعض النقاط في البيان الأخير للخروج من الأزمة الأمنية الحالية وتقليل حدتها بعض الشيء وعلى الجميع التعاون في ذلك وفي باقي الملفات الخدمية والإدارية أيضا، لأن تقوية الحكومة وجيشها أمر مهم في هذه المرحلة وإلا وقعت الحكومة والشعب ضحية للميليشيات لا للإرهاب وتنظيماته فحسب، فإن بعض تلك الميليشيات عاثت في الأرض فسادا وتأجيجا للفتن الطائفية فعلى الحكومة التنبه إلى ذلك، ومع أنني أقدم الشكر للحكومة لما اتخذته من خطوات في الإصلاح لكني أجدد مطالبتها بإبعاد المحتل عن سماء العراق وأرضه فهم لا يريدون لنا الخير.

شعوب المنطقة مطالبة بالالتفاف حول قيادات مخلصة واعية لا طائفية ولا غربية والعمل على توحيد صفوفها وزيادة وعيها الثقافي والإسلامي العقائدي


الميليشيات تعيث في الأرض فسادا


أما عن الدعوات المتصاعدة حول إعلان إقليم البصرة فقال: لعل المهم في هذا الأمر أو قل الأخطر في هذا الملف كثرة الأصوات المطالبة بإقليم البصرة، ومعه قد يصعب على بعضهم رفضه، مخالفين الرغبة البصرية في ذلك، لكني لست ممن يخشى ذلك وأنصحهم بالنظر إلى المستقبل ونتائج هذا العمل غير المدروس، ولعلي هنا أعطيهم بعض النتائج المضرة في حال قيام ذلك الإقليم وهي الصراعات المناطقية وخصوصا بعد تشكيل أقاليم أخرى. وإن البصرة العزيزة حدودية مع أكثر من دولة وهذا يعني تعرضها للخطر.

ثم إننا لا نريد أن تكون محافظة البصرة أول المطالبين بذلك وأما إقليم كردستان فهو لأسباب “صدامية” ليس إلا.

كما أن البصرة بوابة تجارية كبيرة لا ينبغي حصرها في إقليم، بل يجب أن تكون في يد دولة مركزية، كي لا يتم فيها تأجيج نار الفتنة الطائفية. وأقلمة المحافظة منفردة فيها ضعف ووهن وخطر عليها، لكن بالإمكان تفعيل زيادة صلاحيات مجلس المحافظة، وزيادة حصة المحافظة من وارداتها، وتأجيل ذلك إلى حين الاستقرار الأمني والانتهاء من الإصلاح السياسي والإداري، واستشارة علماء الدين والحكماء قبل الإقدام على هذه الخطوة، والتحلي بالروح الوطنية وترك المناطقية والطائفية، فالعراق كله في خطر ولا يقتصر الخطر على محافظتكم.

وفي ختام حديثه وصف مقتدى الصدر الميليشيات المرتبطة به والمسماة “سرايا السلام” بأن منتسبيها بالفعل أثبتوا طاعتهم وانضباطهم.

كما نصحهم بالعمل على كشف المسيئين والمستغلين له لمآربهم الدنيوية والذين صاروا عبئا على سمعتنا آل الصدر، فالمهم عندي سمعتهم. مطالبا إياهم بالبقاء على أهبة الاستعداد دوما من أجل مستقبلهم.

7