مقتدى الصدر مريض إرثه وعدو الحوزة

الأحد 2014/04/27
رجل يعرف أن الجميع قد تآمر عليه

كما لو أنه يتمتع بحضوره حين يغيب، فإن ولعه بالاحتجاب وهو فعل يقع في صميم سلوكه القائم على المفاجآت قاده هذه المرة إلى أن يقرر اعتزال العمل السياسي. ولكن سؤالا من نوع “هل كان السيد مقتدى الصدر سياسيا؟” هو سؤال مرجأ أو مسكوت عنه بالنسبة إلى العراقيين العاديين. أما بالنسبة إلى أفراد الطاقم السياسي فإن الجواب يكاد يكون محسوما. وهو ما لخصه استخفاف رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي بمكانة الصدر السياسية حين قال “إنه لا يفهم شيئا في السياسة”. ولكن وجهة نظر السياسيين شيء وواقع الحشود المليونية التي تدين بالولاء للتيار الذي يتزعمه الصدر شيء آخر.

رجل ما بعد سقوط الدولة


كان الصدر منفردا هو الرجل الأكثر شعبية منذ اليوم الأول الذي سقطت فيه الدولة العراقية إثر الاحتلال الأميركي وهو ما ترى فيه الكثير من الأطراف المحلية تهديدا لمصالحها. وهو ما جعلها تتعامل معه ومع تياره بقسوة، حين تمتلك القدرة على ذلك وهو ما حدث غير مرة، أو بحذر وريبة، حيث تتوقع منه الانقلاب عليها وهو الذي لم يدخل في تحالف معها إلا بطريقة غامضة. فالرجل الذي انقلب على نفسه وعلى أتباعه في مناسبات عديدة، كان من اليسير عليه أن ينقلب على خصومه التاريخيين الذين جعل القدر من صداقتهم أمرا لابد منه.

وإذا ما كان الصدر قد اعتزل العمل السياسي في المرات السابقة لرغبته في العكوف على الدراسة الدينية أو بسبب الاستياء من سلوك المحيطين به فإنه عزا اعتزاله هذه المرة إلى أسباب أخلاقية. في بيان اعتزاله أقر الصدر أنه استمد قراره “من المنطلق الشرعي وحفاظا على سمعة آل الصدر ولاسيما الشهيدين الصدريين (قدس الله أسرارهما) ومن منطلق إنهاء المفاسد التي وقعت أو التي من المحتمل أن تقع تحت عنواننا وعنوان مكتب السيد الشهيد داخل العراق وخارجه ومن باب إنهاء معاناة الشعب كافة والخروج من إشكال السياسية والسياسيين”. لقد اكتشف الرجل بعد أكثر من عشر سنوات من ممارسته العمل السياسي المباشر على الأرض أن السياسة مفسدة وأن السياسيين فاسدون. وهو ما عده الكثيرون موقفا جريئا وشجاعا في مواجهة ما آلت إليه أحوال العراق من فساد، جعل إمكانية خروجه من مستنقع الاحتلال والتناحر الطائفي أمرا مستحيلا. ولكن هل كان الصدر ينوي من خلال تواريه إلى أن يقرع جرس الإنذار؟

مريدو الصدر وأنصاره ظهروا في أول إعلان لوجودهم في تجمع أحاط ببيت السيستاني بعد سقوط النظام السابق مباشرة، مطالبين برحيله عن الأراضي العراقية كونه إيرانيا

وريث العائلة الطاعن في اختلافه

لم يصنع مقتدى هالته الدينية بنفسه ولا عن طريق أفعاله التي قام بالكثير منها مضطرا. فالرجل الذي ولد عام 1973 كان قد فقد أباه واثنين من إخوته (مصطفى ومؤمل) الذين قتلوا في عملية اغتيال قيل إن النظام العراقي السابق كان قد دبرها عام 1999. يومها ورث مقتدى الحوزة الناطقة، وهي التسمية التي اخترعها أبوه (محمد الصدر) الذي كان مرجعا دينيا، حظي بحب والتفاف فقراء الشيعة من حوله في مواجهة ما أسماه بالحوزة الصامتة، وكان يقصد بها حوزتي النجف وقم. لذلك لن يكون من الصعب تقدير حجم الوضع التاريخي الملتبس الذي عاشه الصدر الابن وقد كان على يقين من أن رجال الحوزتين قد دبروا مقتل والده، إن بشكل مباشر بعد أن اتهموه علنا بمحاباة النظام أو من خلال تحريض النظام عليه، من خلال التشهير به. وما يؤكد ذلك الشعور المأساوي المبيت أن مريدي الصدر وأنصاره كانوا قد ظهروا في أول إعلان لوجودهم في تجمع أحاط ببيت المرجع الشيعي الأعلى السيستاني بعد سقوط النظام السابق مباشرة عام 2003 مطالبين برحيله عن الأراضي العراقية كونه إيرانيا. كانت تلك الخطوة التي لم تؤت قطافها قد صنعت أرضية لخطوة ستكون بمثابة عقاب لمقتدى تمثلت في مقتل رجل الدين الشيعي، بريطاني الجنسية مجيد الخوئي في النجف، بل وداخل ضريح الإمام علي بن أبي طالب. يومها ألصقت تلك الجريمة التي كانت تعبيرا عن حرب مخابراتية بين دولتين تحالفتا على احتلال العراق بمقتدى الصدر، وهو ما سهل وضع اسمه على لائحة المطلوبين للعدالة، في بلد عطل بريمير رئيس سلطة الاحتلال العمل بقوانينه. يومها شنت القوات الأميركية حربها ضد النجف. حدث ذلك عام 2004 في الوقت نفسه الذي كانت القوات الأميركية تخوض حربا ضروسا في محاولة منها للقضاء على المقاومة في الفلوجة. وكان الصدر يومها قد عبر عن تعاطفه مع المحاصرين في الفلوجة وأبدى رغبته في إرسال مقاتلين من جيشه للدفاع عنها. يومها تخلى الجميع عنه، فكانت معركة النجف مأثرته لشخصية.

ولكن ما جرى بعد ذلك يلقي بظلال الشك على دوره في إشعال حرب طائفية، ذهبت عشرات الآلاف من الارواح البريئة ضحية لها.

جيش المهدي والحرب الأهلية

عام 2006 تم تفجير ضريحي الإمامين الهادي والعسكري وهما من أئمة الشيعة في سامراء في عملية مدبرة، ما كان لها أن تقع لولا مساهمة حراس الضريحين فيها. يومها أعلن المرجع الشيعي الأعلى السيستاني أنه لن يكون قادرا على لجم ردود أتباع المذهب، بل إنه دعا أولئك الأتباع إلى التعبير كل على طريقته عن احتجاجه. يومها بدأت حرب طائفية، كان الأصل فيها الرغبة في إبادة أكبر عدد ممكن من العرب السنة. وهو ما مهد لدخول تنظيم القاعدة (المحسوب على السنة) طرفا في المعادلة التي كان جيش المهدي التابع للتيار الصدري الطرف المقابل فيها. كان الصدر يومها صامتا، غير أن المحيطين به كانوا قد تصدروا المشهد بشراسة. ولأن تلك الحرب الأهلية كانت تجري في ظل رقابة أميركية فقد كانت كتلة الصدر مرحّبا بها في حكومة شراكة وطنية. ولم يكن مستغربا أن تكون وزارة الصحة من حصة الصدريين. ولأن تلك الحرب كانت في حقيقتها حربا ضد المقاومة العراقية فقد كانت المستشفيات الصدرية تؤدي واجبها في قتل الجرحى من المقاومين العراقيين. قد يكون نوعا من المجازفة القول الآن إن أحدا لم يخدم الاحتلال مثلما فعل مقتدى الصدر، حين أدخل البلاد في حرب أهلية، كان الهدف منها القضاء على المقاومة الوطنية.

كان الصدر منفردا الرجل الأكثر شعبية منذ اليوم الأول الذي سقطت فيه الدولة العراقية إثر الاحتلال الأميركي وهو ما ترى فيه الكثير من الأطراف المحلية تهديدا لمصالحها. وهو ما جعلها تتعامل معه ومع تياره بقسوة

حيرة الابن الضال

ولكن مقتدى الذي يحلم بتبني المؤسسة الدينية له رجل دين مجتهد، لا يزال حائرا لا بسبب كاظم الحائري الذي يقلده، بل بسبب شبكة العلاقات المحلية التي لا تقبل به شريكا في السياسة إلا على مضض. الرجل المحسوب على الفقراء لن يجد له مكانا وسط النخب الدينية التي تعتاش على أموال الخمس. صحيح أن الصدر من خلال تياره كان قد التهم جزءا من الدولة العراقية الناشئة، غير أن الأحزاب الشيعية التقليدية لم يكن في إمكانها أن تنظر إلى تياره الشعبي بطريقة تجعل ذلك التيار موضع احترام. بالنسبة إلى تلك الأحزاب كان الصدر شعبويا، وهو تقدير يكشف عن مستوى عكوفها على عوالمها الداخلية. لقد قدر لمقتدى الصدر أن ينشئ تيارا فكريا، كان الفقراء مادته، وهو ما لم يتسن لأي طرف حزبي شيعي القيام به. لقد ورث مقتدى شعبا، يقدر عدده بسبعة ملايين شخص. فما الذي يملكه المالكي وعلاوي والحكيم وسواهم من السياسيين العراقيين؟ لقد قرر الصدر أن لا يكون ضحية لأحد.

يعرف الصدر أن الجميع قد تآمر عليه. يعرف أن أعداءه يقفون في محيطه عند كل باب. لهذا اختار أن يفاجئهم باعتزاله، وهو يعرف جيدا أن ذلك القرار لن يكون مريحا لهم. ذلك لأنهم كانوا يتمنوه ميتا يوم ظهر بكفنه خطيبا في مسجد الكوفة. فهل سينظر التاريخ إلى مقتدى الصدر باعتباره ثائرا أم أنه سيعقّد النظر إليه من جهة كونه الوارث الذي لم ينطق بكلمة الحق كاملة؟

7