مقتدى الصدر يجمّد نشاط سرايا السلام في محافظة ديالى العراقية

قرار رجل الدين الشيعي العراقي مقتدى الصدر تجميد عمل الميليشيا التابعة له بمحافظة ديالى، لا يخلو من أبعاد سياسية تتمثل في اندفاعه باتجاه معسكر “الاعتدال” داخل البيت السياسي الشيعي الذي بات يمثله رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، في مقابل معسكر “الصقور” ممثلا بحراس النفوذ الإيراني في العراق.
الأربعاء 2015/11/11
الصدر تميز عن باقي القادة الشيعة بامتلاكه جرأة الاعتراف بجرائم الميليشيات

النجف (العراق) - مثّل إعلان زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر، تجميد نشاط الميليشيا المسلّحة التابعة له سرايا السلام في محافظة ديالى بشمال شرق العراق، أوضح اعتراف من نوعه بسوء سلوك الميليشيات الشيعية في المحافظة المذكورة التي يعاني سكانها منذ استعادة محافظتهم من تنظيم داعش في يناير الماضي من جرائم كبيرة ترتكبها تلك الميليشيات بحقهم كونها تضطلع بدور أساسي في عملية مسك الأرض بعد أن كان لها دور كبير في طرد عناصر التنظيم منها.

ويفسّر موقع ديالى على الحدود مع إيران الدور الكبير للميليشيات الشيعية هناك، حيث ساهمت قوات الحرس الثوري الإيراني منذ تسرّب عناصر تنظيم داعش إلى المحافظة وسيطرتهم على بعض مناطقها بشكل عملي في تأطير جهود مواجهة التنظيم عن طريق الحضور المباشر لقائد الحرس قاسم سليماني على أرض المحافظة وظهوره العلني هناك بصدد قيادة المعارك.

ونظرا لعدم ثقتها في القوات المسلّحة العراقية، فقد دفعت إيران الميليشيات إلى أخذ الدور الأكبر في عملية مسك أرض المحافظة لتكون بمثابة حزام أمني لها.

ولتوفير الغطاء السياسي والإداري لذلك استولت الأحزاب الدينية على منصب المحافظ بعد أن جرى العرف بأن يكون المنصب من نصيب إحدى القوى السياسية السنية اعتبارا للتركيبة السكانية لديالى والمشكّلة من غالبية سنية.

وأسند المنصب لمثنى التميمي المنتمي لمنظمة بدر الشيعية بقيادة هادي العامري.

وعلى مدار الأشهر الماضية مارست الميليشيات ضغوطا شديدة على سكان المحافظة تراوحت بين الخطف والقتل والاستيلاء على الأموال والممتلكات، فيما أثار منع النازحين من سكان المحافظة من العودة إلى ديارهم شكوكا بموجود مخطط لتغيير التركيبة السكانية للمحافظة لتصبح ذات غالبية شيعية.

وفي تبريره لقرار تجميد نشاط سرايا السلام، أشار مقتدى الصدر بوضوح إلى تعديات الميليشيات بحق سكان ديالى قائلا في بيان إن غموضا يكتنف عمل الفصائل الشيعية بالمحافظة، ومشيرا إلى اندساس بعض الأفراد الذين يسيئون لهذا العنوان (اسم آل الصدر) “من خلال أعمال الخطف والابتزاز وأمور أخرى لا يرتضيها العقل والإنسانية والشريعة السمحاء”.

سليم الجبوري: وجوب الإسراع بحصر السلاح بيد القوات الأمنية في جميع أنحاء البلاد

وإلقاء التبعة على “مندسين” أمر شائع بين قادة الفصائل الشيعية في العراق لتبرير ما تقدم عليه من اعتداءات بحقّ سكان بعض المناطق، وخصوصا من أبناء المكوّن السني، لكن الصدر بدا جادا في محاسبة المعتدين، حين أرفق قراره تجميد نشاط سرايا السلام في ديالى بأمر لأحد القادة الميدانيين للسرايا مكنى “أبو شجاع” بأن يجري “تطبيق القرار فورا مع الإعلان عن أسماء المذنبين المجرمين خلال مدة أقصاها 15 يوما من تاريخ هذا البيان، بل وكل من تعاون أو تعاطف معهم وتخليص العنوان –اسم آل الصدر- من هؤلاء الحثالة الضالة ليبقى عنوان الجهاد والمجاهدين ناصعا بأعين الجميع”.

ورحب رئيس مجلس النواب سليم الجبوري بخطوة مقتدى الصدر قائلا في بيان صدر أمس عن مكتبه إنه “يثمن مبادرة السيد مقتدى الصدر بتجميد عمل سرايا السلام في ديالى”، داعيا “للإسراع بإجراءات حصر السلاح بيد القوات الأمنية في جميع أنحاء البلاد”، في إشارة إلى اضطلاع الميليشيات بالمهام الأمنية في ديالى منذ استعادتها من داعش.

ولا تخلو خطوة مقتدى الصدر من أبعاد سياسية أعمق، إذ أنها تكرّس توّجها ملحوظا نحو الابتعاد التدريجي عن “معسكر إيران في العراق” الذي يمثله كبار قادة الميليشيات و”صقور” البيت السياسي الشيعي وعلى رأسهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والاقتراب في المقابل من “معسكر” رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي الذي يقول عراقيون إنه بات يمثّل نهجا استقلاليا عن إيران مدعوما بالمرجعية الشيعية العليا ممثلة بعلي السيستاني.

ومقتدى الصدر أحد ألد أعداء نوري المالكي الذي سبق أن خاض صراعا مسلّحا ضدّه حين كان رئيسا للوزراء بإطلاقه سنة 2008 حملة عسكرية تحت مسمى “صولة الفرسان” مستهدفة ما كان يعرف آنذاك بجيش المهدي التابع للصدر. وعلى هذه الخلفية يقف الصدر اليوم إلى جانب رئيس الوزراء حيدر العبادي في صراعه ضدّ نوري المالكي الذي يحاول إرباك عمله وتعطيل إصلاحاته.

وتعتبر محافظة ديالى نموذجا عن انعدام الأمن منذ استعادتها في يناير الماضي من تنظيم داعش بمشاركة فاعلة من الميليشيات الشيعية. ولا ينقطع سكان ديالى عن الشكوى من تجاوزات كبيرة يرتكبها بحقّهم عناصر الميليشيات الشيعية التي اشتركت في الحرب وتشارك في مسك أرض المحافظة.

وتتنوع تلك الجرائم والتجاوزات من الاعتقال والاحتجاز خارج القانون بتهمة التعاطف مع تنظيم داعش واحتضانه، إلى الاستيلاء على الممتلكات ونسف المنازل. وتذهب حدّ التصفية الجسدية والإعدامات الميدانية.

وتتضاعف مخاوف سكان المناطق المستعادة من يد داعش في ديالى بالذات، كون المحافظة واقعة على حدود إيران ومركز ثقل للتدخل الإيراني في العراق عبر مشاركة ضباط وعسكريين إيرانيين في تأطير ميليشيات الحشد الشعبي، وفي قيادة الحرب ميدانيا، الأمر الذي ساهم في إضفاء المزيد من البعد الطائفي على الحرب هناك.

وما يفتأ عراقيون يحذرون من أن عملية “التطهير الطائفي” لمحافظة ديالى تسير على قدم وساق مستهدفة تغيير الطبيعة الديمغرافية للمحافظة الواقعة على الحدود مع إيران باتجاه إفراغها من سكانها السنّة وتحويلها محافظة شيعية بالكامل خدمة لمخطّط إيراني بجعل المحافظة حزاما أمنيا.

3