مقتدى الصدر يخطف الثورة ويبيعها للشعب

السبت 2016/03/05

الوطنية شعور غريزي يتعلق بالشخصية وارتباطها بالمكان أو البيئة، الشعور بالانتماء لتراكمات زمانية ومكانية تنتج لغة وثقافة وعادات وتقاليد وحضارة مشتركة تسمى وطن.

هذه مقدمة بسيطة لسؤال عن جدوى قيادة السيد مقتدى الصدر لتظاهرة توشحت بالوطنية وهو زعيم تيار طائفي في الحكومة، ومقلد للمرجع الشيعي السيد كاظم الحائري المعروف بإيمانه المطلق بولاية الفقيه أو الخمينية في حكم الطائفة لا الهوية الوطنية.

في تظاهرات الشعب العراقي عام 2011 للمطالبة بالإصلاح والقضاء على الفساد، قدم قادة التظاهرات آنذاك مقترح حكومة التكنوقراط المستقلة للانتقال بالحكم من الخدمة الفئوية إلى خدمة الشعب. ولكن التظاهرات توقفت وتلاشت بسبب مهلة المئة يوم التي منحها مقتدى الصدر لرئيس الوزراء، آنذاك، نوري المالكي ليتمكن الثاني من احتواء التظاهرات والقضاء عليها. لم يؤيد التيار الصدري تلك التظاهرات ولكنه فرض اقتراح مهلة المئة يوم على قادتها بالخوف من الميليشيات التابعة له. والجدير بالذكر أن تظاهرات 2011 لم تكن بأمر رجل دين له مقاعد في البرلمان ووزارات أساسية في الحكومة كالسيد مقتدى الصدر، إنما كانت تظاهرات جماهيرية عمت العراق من شماله إلى جنوبه، وحدت الشعب بطوائفه وقومياته، وتجاوزت به مرحلة العنف إلى مرحلة المطالبة السلمية بالحقوق.

أربعة أعوام فقط، الزمن الفاصل بين التظاهرتين اللتين لعب فيهما مقتدى الصدر دور صمام الأمان لإنقاذ حكومة الائتلاف الشيعي المدبر لشؤون المشروع الإيراني الطائفي في المنطقة. أربعة أعوام تم خلالها:

- لجم القيادات الشبابية الشيعية وقتل هادي المهدي القائد المتميز فيها.

- قيادة نوري المالكي لحملة الإبادة ضد الاعتصامات السنية رافعا لواء الحسين ضد أتباع يزيد ومعاوية.

- تسلل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عبر الحدود العراقية واحتلاله المناطق السنية حتى حزام بغداد.

- أصدر السيد السيستاني فتوى بالجهاد الكفائي، عسكرت بغداد والمدن الشيعية ومنحت الشرعية للميليشيات التابعة لفيلق القدس فرصة فرض سيطرتها على الشارع العراقي.

حكومة التكنوقراط ليست لديها القدرة على منع التدخل الإيراني أو الأميركي في الشأن العراقي، وليست لديها القدرة على تحرير المدن من تنظيم داعش، ولا كبح الميليشيات التابعة لإيران

- انتقلت خلالها الجمهورية الإسلامية الإيرانية من مرحلة التدخل غير المباشر في الشأن العراقي إلى مرحلة التدخل المباشر والشروع بنقل الدولة العراقية من الحكم المدني إلى حكم ولاية الفقيه بقيادة قاسم سليماني.

- عودة الاحتلال الأميركي للعراق بعد أن صار ضرورة لا بد منها للقضاء على داعش.

- دخول البلد في أخطر أزمة اقتصادية.

- وأخيرا، فتح الآفاق لروسيا كي تكون القوة الاحتلالية الموازية لأميركا.

قد لا نبالغ إذا قلنا إن تدخل السيد مقتدى الصدر في تظاهرات 2011 كان السبب في جميع تلك الأحداث، لأن المسألة، ببساطة، كانت متوقفة على حل حكومة المحاصصة برئاسة نوري المالكي وتشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة تخدم الشعب العراقي لا زعماء الكتل والأحزاب أمثال السيد مقتدى الصدر. ولأن الزمن لا يعود إلى الوراء، فإن عراق اليوم لا تنقذه حكومة تكنوقراط تسرقه من بين أنياب القوى المتنازعة عليه.

حكومة التكنوقراط ليست لديها القدرة على منع التدخل الإيراني أو الأميركي في الشأن العراقي، وليست لديها القدرة على تحرير المدن من تنظيم داعش، ولا كبح الميليشيات التابعة لإيران. حكومة التكنوقراط لا تمتلك عصا سحرية لرفع أسعار النفط، المصدر الوحيد للاقتصاد العراقي، أو إعادة الأموال المسروقة من خزينة الدولة، وفرض الأمن وتوفير الخدمات خارج إرادتها في بلد دستوره يشجع على التقسيم وبرلمانه يخدم المنتفعين.

العراق بحاجة إلى ثورة مرجعية النجف المعتدلة على مرجعية ولاية الفقيه الصفوية لكبح الميليشيات، ووضع حد للتدخل الإيراني في الشأن العراقي. العراق بحاجة إلى أن تعترف جماهيره السنية بابتلاعهم طعم داعش والتنظيمات الإرهابية بإرادة بعثية عربية وأن الوقت قد حان للتخلص منه بإرادتهم العراقية، عليهم أن يحرروا مدنهم من تنظيم داعش وإينقذوها مما ينتظرها من دمار طائرات التحالف.

العراق بحاجة للحفاظ على الدولة المدنية ومغادرة رجال الدين، أمثال السيد مقتدى الصدر، أروقة السياسة والعودة إلى أماكنهم في دور العبادة. وهو بحاجة إلى رفض جميع الأحزاب الهجينة وتشكيل أحزاب وطنية تستغل مساحة الديمقراطية لخدمة الشعب العراقي وترسيخ هويته، لا لتنفيذ أجندات دول الجوار.

العراق بحاجة إلى وعي شعبي يستوعب حجم التحديات لينهض من الركام ويثبت جذوره في الأرض. ويبقى السؤال؛ هل هذا ممكن في ظل ظروف الحرب التي تعصف بالمنطقة؟

علمتنا التجارب التاريخية أن للقوة إرادتها وللشعب إرادته كتجربة الشعب الياباني والألماني بعد الحرب العالمية، ربما ظروف الحروب متشابهة، لكن الصراع الطائفي العنيف بقيادة رجال الدين السياسيين دمر الشخصية العراقية ومسخ مقومات انتمائها للمكان، هنا يكمن جوهر المشكلة التي تمنع العراقي من استحضار كلا التجربتين للحفاظ على الهوية.

كاتبة عراقية

9