مقتدى الصدر يضحي بالأعرجي في طريق الصعود إلى زعامة العراق

مقتدى الصدر الذي قفز من نافذة محاربة الفساد والمطالبة بالإصلاح إلى واجهة السياسة العراقية التي سبق أن أعلن انسحابه منها بقرار صريح وواضح، بدأ يفرض نفسه سلطة مطلقة فوق السلط تمتلك صلاحية توجيه الأوامر وإعطاء المهلات لرئيس الحكومة، بل حتى احتجاز ومحاسبة من يعتبره مذنبا من منظوره.
الثلاثاء 2016/03/08
تحت رحمة ولي النعمة

بغداد - لفت إعلان مكتب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، عن احتجاز نائب رئيس الوزراء المقال بهاء الأعرجي في مقر لجنة محاربة الفساد التابعة للتيار لمدة ثلاثة أشهر، النظر مجدّدا إلى التداخل الكبير في إدارة شؤون الدولة العراقية مع وجود مراكز قرار غير رسمية تنافس الدولة سلطاتها في كلّ المجالات وتسطو على صلاحياتها.

ولم يكلّف مكتب الصدر وهو يعلن عن احتجاز الأعرجي، نفسه عناء شرح المسوّغات التي تتيح له احتجاز شخص خارج القانون ودون حكم قضائي، فيما بات من المعلوم على نطاق واسع أن دوائر دينية شيعية، من بينها التيار الصدري، تمتلك أذرعا عسكرية، لا تتردّد في استخدامها لتطبيق ما تراه “عدالة” من منظورها الخاص وبما يخدم أهداف ومصالح زعمائها النافذين.

ولا ينفصل الإعلان عن احتجاز الأعرجي عن عمليات استعراض القوّة التي انغمس فيها رجل الدين الشيعي مقتدى خلال الأسابيع الماضية بشكل لافت، مستغلاّ موجة المطالبة بالإصلاح التي عمّت الأوساط الشعبية العراقية بعد الشيوع غير المسبوق لظاهرة الفساد وانعكاسها المباشر على مختلف مظاهر الحياة.

ويبدو أنّ مقتدى الصدر الذي عانى خلال السنوات الماضية وجود منافسين أقوياء له من الزعماء ورجال السياسة الشيعة الذين حرموه احتلال المكانة التي كان يحلم بها كحامل للواء عائلة الصدر العريقة في مجال التدين الشيعي، وجد الفرصة ملائمة للعودة إلى مقدّمة المشهد من خلال قيادة مظاهرات حاشدة في بغداد مهدّدا باقتحام المنطقة الخضراء.

وجعل مقتدى الصدر يتوجّه للحكومة، بما في ذلك رئيس الوزراء حيدر العبادي بخطاب استعلائي أقرب إلى الأوامر فيما يتعلّق بالإصلاح ومن ذلك تغيير الكابينة الوزارية.

ولم يتردد الصدر في منح رئيس الوزراء مهلات محدّدة بتوقيتات وأزمنة لتنفيذ ما يأمره به من “إصلاح”.

ومن هذا المنظور لم يكن رجل الدين الشيعي بحاجة إلى مسوّغ قانوني ليعلن على الملأ احتجاز وزير سابق محسوب على كتلته، وهو أمر في قوانين مختلف الدول جريمة مكتملة الأركان يطلق عليها عادة اسم “الاحتجاز خارج القانون”.

وقرار الاحتجاز الذي يبدو “غريبا” يأتي ملائما لتكتيكات مقتدى الصدر في لفت الأنظار واجتذاب الأضواء عبر إحداث “الصدمة” بقرارات مفاجئة خارجة عن المألوف حتى وإن كانت شكلية مثل إعلانه في فبراير 2014 انسحابه من العمل السياسي في البلاد وإغلاق جميع مكاتبه السياسية، وهو القرار الذي طبّق عكسه تماما حيث يرى الصدر اليوم أكثر انغماسا في الشأن السياسي من ذي قبل.

احتجاز الأعرجي جزء من تكتيكات الصدر لجلب الأضواء بقرارات خارجة عن المألوف من قبيل قراره السابق باعتزال السياسة

ويتعامل مقتدى الصدر مع السياسيين المحسوبين على تياره كأشياء ووسائل لا يتردّد في التضحية بمن شاء منهم لتلميع صورته وتبرئة ذمّته من المسؤولية عن ظاهرة الفساد، وتخريب الدولة العراقية والعبث بمؤسساتها، وهي مسؤولية لا يُستثنى منها أي من قادة ورموز الطبقة السياسية الدينية التي جاءت بعد إسقاط الاحتلال الأميركي لنظام الرئيس الأسبق صدّام حسين.

ويفسّر الاستسلام الكامل للسياسيين المحسوبين على الصدر بكونهم من غير ذوي الكفاءة والتجربة، وبأنّهم مدينون بما وصلوا إليه من مناصب وما حصّلوه من مكاسب مادية للصدر ذاته، ما يجعل من الأخير بالنسبة إليهم “ولي نعمة” أكثر مما هو قائد أو زعيم لهم.

وسبق لبهاء الأعرجي، نائب رئيس الوزراء العراقي الذي أقيل من منصبه في أول قرار اتخذه رئيس الوزراء حيدر العبادي من أجل الإصلاح أن حُوّل إلى القضاء بتهمة تضخم أمواله من غير أن يظهر علنا شيء من نتائج التحقيق معه.

غير أن ظهور الرجل المحسوب على كتلة الأحرار في البرلمان، وهي الكتلة التابعة للتيار الصدري في التظاهرات التي شهدتها بغداد الجمعة السابقة استفز مقتدى الصدر شخصيا فأمر باعتقاله لثلاثة أشهر من أجل التحقيق معه بالتهم عينها.

وكما يبدو، فإن الأعرجي الذي تحوم الشبهات حول ثروته منذ سنوات لن يفلت من الحجز هذه المرة، فبالإضافة إلى أنه أكد أنه سيمتثل للأمر، فإنه اعتبر التحقيق معه “خطوة في الاتجاه الصحيح”، ملقيا باللوم على “المتصيدين في المياه العكرة”.

واللافت في الأمر أن لغة التحدي التي استعملها الأعرجي يوم أمرت الحكومة بالتحقيق معه قد اختفت وهو يمارس نوعا من الطاعة والخضوع لولي نعمته، الصدر.

وكان الصدر قد دعا الهيئة السياسية للتيار الصدري في وقت سابق إلى تفعيل “قانون من أين لك هذا”، وهو ما يعني أن ما عجزت الدولة عن القيام به لن يكون صعبا على الميليشيات أو الكتل الحزبية القيام به. وهو ما يلقي بظلال من الشك على نوع الحماية التي توفرها تلك الكتل لأفرادها في مجال ممارسة الفساد.

فبالرغم من أن تهم الفساد كانت قد طالت الكثير من ممثلي التيار الصدري في الحكومة، فإن الصدر نفسه كان يعوّل على أن تلك التهم ليست سوى شائعات تسعى إلى النيل منه ومن تياره. غير أن إعلانه التخلي عن وزرائه ونوابه في البرلمان الذي تزامن مع دعوته أتباعه للتظاهر يعني أن الرجل بات متأكدا من أن ممثليه كانوا ضالعين في الفساد.

3