مقتل إمام في منطقة القبائل يفجر سجالا أيديولوجيا حادا في الجزائر

الإمام المغدور تعرض للذبح من طرف إرهابي ينتمي إلى حركة استقلال القبائل.
الأحد 2021/07/25
أزمة الهوية تعود الى الواجهة مجددا

الجزائر - فجر مقتل إمام مسجد في ولاية تيزي وزو الجزائرية سجالا أيديولوجيا صاخبا تجلى في التراشق بالاتهامات بين تيارات سياسية متعددة حول الخلفيات والملابسات التي أحاطت بالعملية، ليطفو بذلك حجم وشدة اللغم الذي يهدد بنسف قرون من التعايش والانصهار بين مختلف الإثنيات.

وفشلت الرواية الرسمية التي قدمتها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية حول مقتل الإمام الشاب بلال حمودي في احتواء اللغط المتصاعد بسبب الخلفيات السياسية والأيديولوجية المحركة لعدد من التيارات في البلاد.

وفيما تحدثت تقارير محلية عن “تعرض الإمام المغدور للذبح من طرف إرهابي ينتمي إلى حركة استقلال القبائل (ماك)”، ذكرت مديرية الشؤون الدينية في الولاية بأن “الجاني مختل عقليا باغت الإمام وهو يؤمّ المصلين في مسجد قرية مكيرة التابعة لبلدة ذراع الميزان في ولاية تيزي وزو عاصمة منطقة القبائل”.

وأرجعت إفادة زميل للضحية تم تداولها على نطاق واسع، الجريمة إلى صراع بين الجاني والضحية حول إمامة الناس رغم أنهما ينتميان إلى نفس التيار الديني (السلفية)، غير أن الضحية كان يحظى بتعاطف روّاد المسجد لاعتدال مواقفه وتديّنه، بينما كان الجاني متطرفا في أفكاره ومواقفه.

الرواية التي قدمتها وزارة الشؤون الدينية حول مقتل الإمام الشاب بلال حمودي فشلت في احتواء اللغط المتصاعد بشأن الحادثة

وأضافت الإفادة بأن “الجاني طلب من الضحية في أكثر من مرة بأن ينسحب من الإمامة من أجل أن يخلفه، غير أن الأول ظل رافضا مستندا إلى رغبة الناس الذين يؤمهم في الصلوات”.

ولفتت إلى أن الجاني كان يعاني من مرض أعصاب ويتناول حبوبا مهدئة، وهو ما اعتبره البعض الخيط الرابط بين ما ورد في بيان مديرية الشؤون الدينية وبين الإفادة المذكورة.

غير أن دوائر معادية للمكون الأمازيغي تحاول عبر شبكات التواصل الاجتماعي توريط منطقة القبائل في العملية استنادا إلى ما تصفه بـ”توجهاتها المناوئة لثوابت المجتمع وارتباطها بجهات خارجية”، وتستغرب سر اختيار الجاني المختل عقليا للإمام تحديدا دون بقية المصلين لتنفيذ جريمته.

وذهب آخرون إلى أن العملية نفذها عنصر تابع لحركة “ماك” الانفصالية انتقاما لإدراجها في خانة التنظيمات الإرهابية من طرف السلطة خلال الأشهر الأخيرة، وأن الجريمة هي محاولة لاستقطاب الأضواء الإعلامية وتصعيد الموقف.

يأتي ذلك رغم عدم انتهاء عملية التحقيق التي باشرتها مصالح الأمن مع الشخص المعتدي، مما يترجم الحساسية المفرطة التي باتت تخيم على المشهد الأيديولوجي والإثني في البلاد، والذي كانت تقف وراءه جهات نافذة في السلطة، بحسب ما كشف عنه مؤخرا بشأن إقالة وسجن عدد من ضباط المؤسسة العسكرية الذين وجهت إليهم تهم التخطيط وتنفيذ صراع أيديولوجي وجهوي وإثني بين مكونات المجتمع.

ولأن العملية التي استهدفت إمام تيزي وزو ليست هي الأولى من نوعها، فقد سبق لعدد من الأئمة وموظفي الشؤون الدينية أن تعرضوا للقتل والعنف لأسباب مختلفة، فقد دخلت إحدى النقابات على الخط بتوجيه رسالة شديدة اللهجة من أجل ما أسمته بـ”حماية الأئمة”.

دوائر معادية للمكون الأمازيغي تحاول عبر شبكات التواصل الاجتماعي توريط منطقة القبائل في العملية

ودعا في هذا الشأن المجلس الوطني المستقل للأئمة وموظفي قطاع الشؤون الدينية والأوقاف الرئيس عبدالمجيد تبون للتدخل العاجل لحماية الأئمة من مختلف الاعتداءات والتهديدات.

وكشف بيان للنقابة اطلعت عليه “العرب” أنها “ستودع رسالة على مستوى رئاسة الجمهورية على وجه الاستعجال بعد تسجيل حادثة ذبح الإمام المتطوع بلال حمودي في ولاية تيزي وزو”.

وطالبت المجتمع بكل فعالياته المدنية والسياسية والإدارية بما فيها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إلى استنكار هذا الجرم الدخيل على المجتمع الجزائري، واعتبرت القانون الصادر العام الماضي لا يفي بحماية الإمام، مما يستدعي إصدار جملة من القوانين والنصوص التنظيمية التي يكون فيها مسلك وقاية الإمام واضحا.

ولا يزال قطاع الشؤون الدينية يعيش حالة من الغليان بسبب الظروف المهنية والاجتماعية للعاملين فيه خاصة الأئمة، وهو ما حدا بالنقابة المذكورة إلى تنظيم عدة وقفات واحتجاجات تنديدا بما أسمته “صمت الوزارة الوصية عن تلبية المطالب المرفوعة حول تحسين ظروف العمل من حماية وتأمين ورواتب وترقيات” وغيرها.

وذهبت النقابة إلى “ضرورة تحمّل السلطات مسؤولية المختلّين عقليا الذين يجوبون الشوارع ومنعهم من دخول المساجد، نظرا إلى احتمالية تسببهم في الاعتداءات على الأئمة سواء طواعية أو بتحريض”.

كما دعت إلى “حماية الأئمة من الجهات الأمنية والقضائية عن طريق فتح خط أخضر بين الأئمة والسلطات، مع تخصيص يوم إعلامي للتحسيس بحقوق الإمام المعنوية والمادية، وتنظيم يوم تضامني مع الإمام يحدد تاريخه ومكانه لاحقا، والتأكيد على النواب لضرورة تبني مطالب الأئمة خاصة في ما يتعلق بحمايتهم”.

2