مقتل الكساسبة يفاجئنا بدينين لا ثالث لهما

الخميس 2015/02/05

أسوأ حالة عدائية ضد الإنسانية شهدها العالم في عصرنا الحديث تلك التي قدّمها نموذج التطرف بقتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة، تلك حالة متفردة من السوء تضاف إلى سجلات جز الأعناق والرمي من المباني الشاهقة والرجم بالحجارة، وكأن الذين يقومون بذلك يتنافسون في البشاعة التي يصدّرونها باسم الدين.

وليس من دين دون عمق وامتداد إنساني. الدين الذي يعبث به هؤلاء جاء مكملا لمكارم الأخلاق، فقريش وبقية العقد الجاهلي كانت لهم أخلاقهم وأبعادهم الإنسانية، ولم يأتهم الدين في عقول بيضاء أو سلوكيات اجتماعية معدومة، ذلك يجعلنا نتساءل كما تساءلنا مسبقا. من أين يأتي هؤلاء بدينهم؟ هذا الدين الذي يبرر القتل البشع واستنزاف الأرواح والاحتفاظ بالغل في النفوس واستخدام عقل الشيطان فيما يفوق تصوراتنا في الأذى والموت، ويفتقد الرحمة والتماس الأعذار والتسامح.

الدين لا يحمل إكراها، ويمنح الناس حق الخيار والاختيار ولا يبقيهم أسرى لنصوص لا يمكن تحريكها وفقا لمسائل المصالح المرسلة وفقه الواقع، هل لنا دين ولهم دين؟ ذلك سؤال يفرض نفسه وإن احتمل تمايزا وتصنيفا يعزل هؤلاء الغلاة ومن يشايعهم ويتعاطف معهم.

ونحن نقرأ ما تيسر من القرآن لم نجد مثل هذا السفور العقدي والتأويل غير المتطابق مع مقتضيات الدين، وشفاء الصدور لا يمكن أن يكون بهذه الوحشية، لم يعذب هؤلاء بقدر ما تم تعذيب الرسول الكريم في مستهل الدعوة وهو يرمى عليه بالحجارة وتوضع الأشواك في طريقه وتشج رباعيته وتسيل دماؤه الطاهرة، لم ينفجر غيظا ودموية ويستبح مكة حين دخلها منتصرا وفاتحا، وإنما أمّنها ومنح كل مشرك الأمان. حين يقول هؤلاء، ومن يتعاطف معهم على النحو الذي نتابعه في “تويتر”، إن هناك قياسات شرعية لما تم للكساسبة، فإنهم يهدرون كرامة الإنسان وسماحة الدين ووسطيته والتواضع به بعيدا عن مبادئه الإنسانية. أولئك نعتبرهم خسائر عقدية ينبغي إبعادها من المشهد الذي يتعامل مع الدين كفكرة كلّية تعظّم الإنسان وتكرمه وتمنع عنه مثل هذه النهايات اللاإنسانية، ولا نريد القفز إلى فكرة أن الجريمة الإرهابية تطور سلبي للغاية في الفكر المتطرف لأننا على يقين بانحساره، ولكن تبقى الجريمة شاهدا على تخريب الدين.

في الواقع نحن في مرحلة مفصلية تقترب من معادلة “نكون أو لا نكون” لأن هناك تشويها مستمرا لديننا وإنسانيتنا يتم خلاله مصادرة واختطاف واستغلال الدين ببشاعة، وإذا بقي الوضع دون معالجات تصلح عقيدة هؤلاء وتفتح النصوص في أطر عقلانية تطور الموروث وتكسبه جماليات الخلق الديني فإن الحال سيشهد مزيدا من التدهور، ودون وسطية حقيقية ومؤثرة تنتشل أولئك المضللين من غياهب الانتكاس الديني والعقلي فإنهم يكتسبون عادة الموت الرجيم ويستسلمون للنفس الأمارة بالسوء والقبح البشري.

ولأن عقلية هؤلاء صلبة وأغلقت على نصوص يساء فهمها وتأويلها، وتسمح لهم بالتقلب كيفما شاؤوا في السوء باسم الدين، فإنهم يضعون الجميع في محطة التمييز والتصنيف الفاصلة، وذلك ضروري لاستعادة الدين المختطف وعزل الإرهابيين عن المجتمعات والنصوص، فالموروث السلبي والجامد الذي يتوقف عند أدبيات معطّلة منذ القرن الثالث عشر لم يعد مفيدا في حفظ حياة الناس وأمانهم، وذلك ما انتهى بنا إلى حالة معاذ وقبله من قطعت رؤوسهم وتم رميهم من الشواهق، فهل هناك صحيح عقل يؤيد ذلك؟ الدين لا يفعل، من يفعل؟ ربما الشيطان، ربما الاعتلال العقلي والنفسي، ربما وربما أشياء كثيرة تضعنا في خاتمة المطاف في مفترق طرق لا يسمح بأن يمثلنا فيها هؤلاء مطلقا.

7