مقتل راكب قطار يحقق نبوءة مسرحية مصرية

شاب مصري يلقي نفسه تحت عجلات قطار “الإسكندريةـ الأقصر” استجابة لمفتش التذاكر الذي خيره بين دفع قيمة تذكرة وغرامة أو القفز خارج العربة.
الأربعاء 2019/10/30
الواقع لا يبعد عن الخيال

نقل مصرع شاب مصري تحت عجلات قطار في مصر قبل يومين بسبب تعنت مفتش التذاكر، عملا مسرحيا للشاعر الراحل صلاح عبدالصبور من خشبة المسرح إلى أرض الواقع، بنفس تتابع أحداثه وشخوصه ونتائجه وإسقاطاته المجتمعية.

القاهرة - أقدم شاب مصري على إلقاء نفسه تحت عجلات قطار “الإسكندريةـ الأقصر”، استجابة لمفتش التذاكر الذي خيره بين دفع قيمة تذكرة وغرامة أو القفز خارج العربة، لينقل إلى الواقع مسرحية “مسافر الليل” لصلاح عبدالصبور التي كتبها عام 1968، منتقدا فيها تسلط من يمتلك سلطة القانون.

واتخذ الشاب محمد عيد الذي يعمل بائعا متجولا، قراره المصيري بإلقاء جسده خارج القطار أثناء تخفيض سرعته لينفصل رأسه عن جسده، بعدما رمق الركاب بنظرة احتجاج وردد عبارة عتاب إزاء موقفهم السلبي من الموظف الحكومي الذي لم يترك له خيارا، مرددا بحسب شهود عيان “القطر ده ما فيهوش رجالة” (هذا القطار لا يوجد على متنه رجال).

وتعيد الحادثة تجسيد فصول المسرحية التي تحدثت عن بائع تذاكر “دكتاتور”، يطعن مسافرا بخنجر في عربة آخر قطار ليلي، بعدما جرده من تذكرة السفر وهويته الشخصية والتهمها، بحجة أنه لم يتناول طعاما منذ أيام، ثم عامل الراكب كخارج عن القانون، وحمّله مسؤولية مشكلات البشرية كلها بداية من عهد الإسكندر الأكبر.

وكان الشاب، الذي لم يكمل عامه الـ23 ويبيع إكسسوار يدوي لجلب الحظ، أمام خيارين كلاهما صعب، فالتذكرة مع الغرامة يبلغان معا 4 دولارات، والامتناع عن الدفع يعرضه لسحب هويته الشخصية واقتياده إلى أقرب محطة توقف للقطارات لتحرير محضر لدى شرطة محطة سكك الحديد يتحول بعدها إلى قضية وغرامة مالية أكبر وهو ما جعله يتخذ القرار الصعب على أمل أن ينجو.

وتمسك الشاب ببطاقة هويته مراهنا على فقدان حياته في سبيلها على اعتبار أهميتها، فضياعها يجعل الشخص يواجه المشكلات القانونية وربما الاحتجاز للتأكد من خلوّ سجله الجنائي، أو مثلما عبرت عنها مسرحية “مسافر الليل”، بأن ضياع البطاقة الشخصية يعني “أن السارق قد قتلك.. بعدما أفقدك تشخيصك المتعين”.

وربما يكون العامل الأكثر تشابها بين الواقع والفن ردّ فعل الركاب، ففي المسرحية اكتنفوا الصمت، على ما يتعرض له زميلهم من انتهاكات وساعدوا عامل التذاكر على التخلص من جثته في النهاية خوفا من أدوات التعذيب التي يملكها. وفي الواقع لعب الركاب دور المتفرج واكتفوا بتسجيل -باستخدام هواتفهم الذكية- لحظة إلقاء الشاب نفسه من القطار قرب محطة فرعية في قرية بدلتا مصر لم تشهد تطويرا منذ 50 عاما.

وحاولت مسرحية “مسافر الليل”، حين وقع عرضها في أوج التجربة الاشتراكية، انتقاد السلطة الصارمة التي لا تعطي مساحة للحرية بأشكالها السياسية والاجتماعية والدينية، وتجسيد الصراع بين الإنسان والسلطة والتي ظهرت بالبشاعة ذاتها، في حادث تكرر بعد نصف قرن.

قطارات الفقراء
قطارات الفقراء

ويستقل العديد من الركاب “قطارات الفقراء” بمصر المعروفة بـ”الإكسبريس” دون تذاكر أو أموال، ومن يتم الإمساك به داخل القطار يتطوع باقي الركاب في استعطاف مفتش التذاكر من أجل العفو عنه، وأحيانا يدفعون الغرامة عنه فالجميع يعانون الظروف ذاتها.

ويعمل في محطات سكك الحديد المئات من الباعة المتجولين يتحركون بالقطارات المميزة (درجة متدنية) بأريحية، لكنهم لا يدخلون المحطات الرئيسية تجنبا لأجهزة الأمن.

واعتاد الباعة المتجولون القفز من القطارات عند تخفيض سرعتها قبل عشرات الأمتار من الأرصفة في حركات بهلوانية اكتسبوها من سنوات العمل الطويلة.

وتشبه تلك النوعية من القطارات الأسواق الشعبية فيباع فيها كل شيء من الإبرة والملابس والمأكولات إلى حتى الأجهزة الكهربائية.

ويتبع بائعوها تجارا كبار، يتولون توريد البضائع وتوزيعها عليهم مقابل نسبة يحصلون عليها من المبيعات ما يجعل العائد الذي يحصلون عليه في النهاية ضئيلا لا تتجاوز قيمته 5 دولارات يوميا.

وفتحت الحادثة الأخيرة المجال أمام انتقاد وزارة النقل، التي وضعت قائمة غرامات على المتخلفين عن دفع قيمة التذاكر أرهقت بعض الركاب الذين لا يقتنعون بمساعي الوزارة لتعزيز إيراداتها المتدنية والعمل على تحسين مستوى الخدمة بالتعاقد على عربات جديدة من عدة دول أوروبية، الأمر الذي دفع وزير النقل إلى التوجه بنفسه لتقديم العزاء في وفاة الشاب.

وتحفظت شرطة محطة سكك الحديد على رئيس القطار الذي ظهر في مقطع مصور التقطه أحد الركاب بعد الحادثة وانتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، متمسكا بحجة أنه لم يقدم على دفع الراكب وأنه كان ينفذ قائمة الغرامات الجديدة التي وضعتها وزارة النقل وهو يمارس صلاحياته في حفظ الأمن داخل القطار وتغريم الركاب الذين لا يملكون تذاكر، ليصبح شعاره مثلما قال عبدالصبور في المسرحية “القانون فوق رؤوس الأفراد”.

24