مقتل شيكاو زعيم بوكو حرام يخلط أوراق الجماعات الجهادية في نيجيريا وجوارها

جماعة بوكو حرام المتطرفة تتجه إلى خلق كتلة تتنوع أساليبها بين الخشونة والمرونة بعد مقتل زعيمها أبوبكر شيكاو.
الاثنين 2021/05/24
كيف يمكن لبوكو حرام امتصاص السخط الشعبي ضدها

يضع مقتل أبوبكر شيكاو زعيم بوكو حرام، القيادي المثير للجدل والمطلوب دوليا، عنوان الفصل الأخير لمسيرته التي اتسمت بالرعب والترويع. ومن غير المستبعد أن يقود تخلص جماعة بوكو حرام من أبرز قادتها الأكثر راديكالية ووحشية إلى احتواء الانتفاضة الشعبية الغاضبة ضدها واختراق حالة تعاون المجتمع المدني المحلي مع الأجهزة الأمنية، علاوة على حرمان الحكومة من استغلال انقسامات الجماعة ما يعني بدء مرحلة جديدة بآليات مختلفة من الصراع بين بوكو حرام والسلطات في نيجيريا.

بات مقتل أبوبكر شيكاو زعيم بوكو حرام في نيجيريا الأربعاء الماضي حقيقة مؤكدة هذه المرة بعد أن أعلن خطأ عن موته أربع مرات سابقا، حيث أكد الجيش النيجيري رسميا مقتله.

وتضع الطريقة الدراماتيكية التي انتهت بها حياة هذا القيادي المثير للجدل وأكثر شخص مطاردا ومطلوبا دوليا عنوان الفصل الأخير لمسيرة اتسمت بتبني الأساليب الأكثر قسوة ووحشية، حيث بث الرعب في نفوس النيجيريين وسكان دول الجوار بعمليات جز الرؤوس وقتل الآلاف وخطف البنات والاغتصاب الوحشي وتوظيف الأطفال لأغراض الجنس وتجنيدهم كانتحاريين يفجرون أنفسهم إما بغسل أدمغتهم أو بالإكراه في صفوف المدنيين.

فجر شيكاو نفسه في نهاية المطاف أخيرا بحزام ناسف كان يخفيه بعد محاصرته ومقاتلين موالين له من قبل مجموعة تنتمي لداعش، وبعد أن ساوموه لإجباره على الجلوس والتفاوض على التنازل وترك الإمارة وإعلان مبايعته لقائد داعش في غرب أفريقيا، فجر حزامه الناسف حتى لا يقدم تنازلات لخصومه وتفاديا لوقوعه في الأسر.

وبعد سنوات من إحكام حمايته من خلال مقاتلين مدربين بشكل جيد وحراس يدينون بالولاء التام له وشبكة قوات خاصة جعلته يتجنب خطط الإمساك به أو اغتياله، أكد مسؤولون أمنيون أن مقاتلين تابعين لداعش نجحوا خلال الأشهر الأخيرة في تجنيد كبار مساعدي شيكاو، وهو ما سمح باختراق الدائرة المحيطة به، وصولا لاستسلامه الذي ترتب على استسلام حراسه الشخصيين أولا عندما سلموا أنفسهم لمقاتلي داعش.

ولا تُعد هذه الخطوة المهمة نجاحا مباشرا لأجهزة الأمن والجيش النيجيري حيث قُتل شيكاو الذي طارده الأمن لسنوات دون جدوى ووضعت الحكومة الأميركية مكافأة بقيمة 7 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تقود لاعتقاله أو اغتياله على يد جهاديين منافسين له، وعلى الأرجح ينتمون للمجموعة النخبوية المعروفة باسم إيسواب الموالية لداعش، تمكنوا من تحييد شيكاو بمقر احتجاز الفتيات بمنطقة تمبكتو بغابة سامبيسا، ما اضطره لتفجير نفسه بعد أن تيقن من أن المقربين منه قد خانوه وأنه واقع في الأسر لا محالة.

ما بعد شيكاو

مسؤولون أمنيون يؤكدون أن مقاتلين تابعين لداعش نجحوا خلال الأشهر الأخيرة في تجنيد كبار مساعدي أبوبكر شيكاو، وهو ما سمح باختراق الدائرة المحيطة به
أمنيون يؤكدون أن مقاتلين تابعين لداعش نجحوا خلال الأشهر الأخيرة في تجنيد كبار مساعدي أبوبكر شيكاو، وهو ما سمح باختراق الدائرة المحيطة به

من المرجح أن يُسهم مقتل شيكاو الذي تزعم بوكو حرام منذ العام 2009 قبل أن يعزله أبوبكر البغدادي في العام 2016 ويعين بدلا منه أبومصعب البرناوي، في إحداث تغييرات داخل داعش والحالة الجهادية بنيجيريا وجوارها، بالنظر إلى أنه كان التجسيد الأبرز لانشقاق التنظيم إلى فصيلين وللتحولات الأكثر وحشية التي شهدتها المنطقة.

ولم تُعز هذه التحولات في الأساس لمناهج داعش الذي كان قادته أقل تطرفا وأكثر حرصا على حياة المدنيين، إنما كانت خيارا تكتيكيا لقائد بوكو حرام الذي حول فرع القاعدة بنيجيريا وغرب أفريقيا من تنظيم متشدد إلى منظمة تمارس أقصى درجات العنف وتصدره إلى خارج البلاد.

وتراجع خلال الفترة الماضية نفوذ داعش بمعقله بشمال شرقي نيجيريا ليس فحسب على ضوء الضربات العسكرية التي تعرض لها إنما أيضا بسبب الانشقاقات التي نشبت داخله، والتي عمل القادة المتنافسون على احتوائها في البدايات عبر عمليات التنسيق وفصل مناطق النفوذ والنشاط، لكنها باتت مؤخرا عقبة رئيسية ومن عوامل التراجع والضعف وربما التفكك والانهيار الوشيكين.

لم تعد بوكو حرام تملك أدواتها التقليدية لتحقيق أهدافها وفي مقدمتها وضعها في صدارة خارطة التنظيم الإرهابية وإسقاط نظم الحكم القائمة وإقامة خلافة داعش في غرب أفريقيا

وعُدت جماعة بوكو حرام على مدار سنوات استثناء على عدة أوجه داخل الأوساط الجهادية، حيث تكرست حالة من التعايش والتعاون بين فصيلين داخلها أحدهما تابع للقاعدة يقوده شيكاو والآخر مبايع لداعش منذ مارس 2015 يقوده  البرناوي، ونجحا لفترة عبر تبادل الأدوار في الحفاظ على التوازن التنظيمي ومعادلة عدم الاعتداء؛ ففرع القاعدة يتبنى نهج داعش الدموي في استهداف المدنيين وخطف الأطفال والفتيات وفرع داعش يسلك تكتيكات القاعدة في تحييد المدنيين واستهداف قوات الجيش والشرطة.

ومقتل شيكاو الذي أُطيح به من قيادة الجماعة منذ أغسطس 2016 ليقود بعدها تنظيما مستقلا يتفق مع منافسيه في الأهداف النهائية وفي التعاون لمواجهة الجيش النيجيري ويختلف في أدواته، وضع حدا لهذا التعايش، ليبدأ فصل جديد يتكرس خلاله نفوذ فرع داعش في غرب أفريقيا المتمركز في منطقة بحيرة تشاد، على حساب فرع القاعدة الذي كان يمثل له قائده شيكاو عمود الخيمة وعنوان استقلالية التنظيم عملياتيا وحركيا بعيدا عن أي اعتبارات فكرية ومنهجية، والذي كان يتمركز بمنطقة غابة سامبيسا.

ولم تؤدِ الأساليب الوحشية التي يتبعها شيكاو الذي لم يتورع عن قتل وذبح المدنيين واختطاف الفتيات فقط إلى الحيلولة دون مواصلة عمليات التجنيد والاستقطاب، إنما إلى ما هو أبعد عندما تشكلت مجموعات من السكان المدنيين لعبت دورا كبيرا خلال الشهور الماضية في مساعدة الدولة على القيام بعمليات استخباراتية ساقت لتنفيذ مهام عسكرية ناجحة ضد بؤر التنظيم، ما شجع على تطوير هذا النشاط لدرجة حمل مجموعات من المدنيين السلاح والانخراط في نشاط مسلح عبر التنسيق مع أجهزة الأمن لطرد متمردي بوكو حرام أو القبض عليهم.

وتقلصت أعداد تنظيم بوكو حرام الذي تميز في السابق عن غيره من التنظيمات الإرهابية بوفرة مقاتليه وفشل قادته في ضم المزيد من العناصر وتأثر كثيرا بفقدان كوادره من جراء العمليات الموسعة التي تُنفذ ضده.

لذلك بات الفرع الذي يقوده شيكاو عبئا على الجماعة بفصيليها الداعشي والقاعدي، ما دفع لمحاولة تغيير واقع الانقسام تمهيدا لتوحيد الحركة على منهج وتكتيكات كفيلة بالحفاظ على الحد المتاح من الحواضن الشعبية التي كانت تميل لجناح داعش الذي يتزعمه البرناوي في حوض بحيرة تشاد، كلما خُيرت بين الفصيلين.

معادلة مغايرة

الرئيس النيجيري يحضر اجتماعا مع أكثر من 300 تلميذ خطفوا الأسبوع الماضي في هجوم على مدرستهم في شمال غرب نيجيريا وقد تم تحريرهم الجمعة في كاتسينا
الرئيس النيجيري يحضر اجتماعا مع أكثر من 300 تلميذ خطفوا الأسبوع الماضي في هجوم على مدرستهم غرب نيجيريا وقد تم تحريرهم الجمعة في كاتسينا

لم تعوض التوسعات الإقليمية غير المدروسة داخل تشاد والكاميرون والنيجر إخفاقات جماعة بوكو حرام داخل نيجيريا، بل أوجدت حالة من الاستنفار والتعاون الأمني الإقليمي والدولي ضدها، بعد أن سعت للتحول لتنظيم عابر للحدود على نحو يجعلها بؤرة داعشية جاذبة للإرهابيين المطارَدين والهاربين من مناطق انهيار داعش، وتعززت الجهود الإقليمية لمواجهة تلك الأخطار المشتركة لتحقيق الأمن بدول غرب أفريقيا.

ومع فقدان ميزة استمرارية التوسعات داخل دول الجوار خاصة بالكاميرون والنيجر وتشاد وانهيار شعبية التنظيم داخل ملاذاته وحواضنه داخل نيجيريا من جراء انسحاب آثار عمليات الخطف والقتل الجماعي وقطع الرؤوس والعمليات الانتحارية في صفوف المدنيين على فصيل داعش الذي كان نسق لسنوات مع تنظيم شيكاو، بات التخلص من الأخير حاجة ملحة لقادة بوكو حرام لخلق واقع حركي جديد قادر على الحفاظ على ما تبقى من الجماعة ومنحها بعض الأدوات والأوراق التي تمكنها من استعادة حضورها وقوتها.

ولم تعد بوكو حرام تملك أدواتها التقليدية لتحقيق أهدافها وفي مقدمتها وضعها في صدارة خارطة التنظيم الإرهابية وإسقاط نظم الحكم القائمة وإقامة خلافة داعش في غرب أفريقيا عن طريق توسيع نطاق العمليات الإرهابية والتوغل في المزيد من العنف وسفك الدماء وهي التي تسببت في مقتل ما يقارب الخمسين ألفا وتهجير أكثر من مليونين من السكان، ما أدى إلى تكتل المحيط الإقليمي ضدها واستنفر المدنيون قواهم داخل نيجيريا للتعاون ميدانيا على الأرض مع السلطات لكبح جماحها.

وبعد أن تسبب التنافس بين فصيلي بوكو حرام في السابق في عدم استقرار البلاد وارتكاب جرائم بشعة في صفوف المدنيين وطلبة وطالبات المدارس، فرض هذا التنافس مؤخرا معادلة مغايرة، بالنظر إلى أن السبيل الوحيد لبقاء الحد الأدنى التنظيمي لبوكو حرام حاضرا في المشهد يتمثل في خلق كتلة تنظيمية موحدة تنوع في أساليبها بين الخشونة والمرونة وتحييد المدنيين وتدخل في مفاوضات مع السلطات الحكومية تضمن نجاحها بعد أن فشلت غالبية المحادثات السابقة نتيجة الخلافات بين الفصائل داخل الجماعة وتباين الآراء بين القادة داخل الحركة.

ورغم تجنب الصراع العسكري على مدار سنوات بين فصيلي داعش المتنافسين ونجاحهما في التعامل مع الضغوط التي تعرضا لها منذ حدوث الانقسام في أغسطس 2016 عندما قررت القيادة الرئيسية لداعش الإطاحة بزعيم الجماعة شيكاو وتعيين البرناوي بديلا له، إلا أن نار الخلاف الفكري والمنهجي وتباين الوسائل والتكتيكات والتنافس الشرس بين قادة متقاربين في السن ظلت تحت الرماد.

وطفت الخلافات الفكرية والحركية وطموحات القادة الشباب وحرصهم على الانفراد بالهيمنة على السطح، بعدما طغت حاجة الجماعة الملحة للسيطرة على الانقسام داخلها بغرض تدعيم حالة من التماسك التنظيمي.

ازدهار البدايات

الأمن النيجيري يحرس منطقة بالقرب من الحدود النيجيرية في ظل التهديد المستمر من قبل جماعة بوكو حرام ومعارضيها
الأمن النيجيري يحرس منطقة بالقرب من الحدود النيجيرية في ظل التهديد المستمر من قبل جماعة بوكو حرام ومعارضيها

مقتل شيكاو على يد مجموعة نخبوية منتمية لداعش بعد النجاح في اختراق دفاعاته وخيانة عدد من المقربين منه، يذهب بجماعة بوكو حرام لأول مرة منذ 2016 إلى تأسيس كتلة تنظيمية موحدة ومتماسكة.

ويقود توحيد القيادة والتنظيم بعد مقتل شيكاو إلى الحد من الانشقاقات التي لعب التوتر في العلاقات بين قادتي الفصيلين المتنافسين دورا كبيرا في اتساعها، فضلا عن تحقيق الهدف الأهم وهو استعادة بوكو حرام جاذبيتها ومقدرتها على التجنيد والاستقطاب خاصة داخل الأوساط الحضرية الفقيرة والمهمشة والتي نفرت من ممارسات التنظيم الوحشية، التي كانت تنسب لمجمل جماعة بوكو حرام بالنظر إلى أن النخب المتخصصة فقط هي من كانت تفرق بين قناعات وممارسات الفصيلين المتنافسين داخل الجماعة.

وسيكون خفض مستويات العنف تجاه المدنيين نتيجة مباشرة للقضاء على ازدواجية القيادة داخل بوكو حرام وإنهاء حياة ودور متزعم هذا التوجه شيكاو، ما يعني تكريس منهجية مختلفة تستوحي الإستراتيجية التي أثبتت فعاليتها في العديد من مناطق أفريقيا، والتي تعتمد على استهداف قوات الأمن والعسكريين وتحييد المدنيين، فضلا عن تقديم التنظيم نفسه داخل الأوساط التي تشعر بالاضطهاد والغبن كبديل للدولة ونصير للطبقات الأكثر فقرا والتي تعاني من التمييز الطائفي.

وبعد تراجع نفوذ بوكو حرام إقليميا وداخل نيجيريا صار عين قادتها على التكتيك والرواية التي روجتها وأسهمت في صعودها وانتشارها خاصة بعد انتقالها من جماعة دخلت في شراكة سياسية مع الدولة النيجيرية بين عامي 2002 و2009 عندما لعبت دورا في تصعيد سياسيين وتمكينهم من حكم ولاية بورنو في شمال شرق نيجيريا مقابل وعود بتحكيم الشريعة، إلى جماعة إرهابية تتبنى الصدام المسلح ضد الدولة التي تصفها بالكافرة منذ منتصف العام 2009.

التخلص من شيكاو مثل حاجة ملحة لقادة بوكو حرام لخلق واقع حركي جديد قادر على الحفاظ على ما تبقى من الجماعة وتحييد صفوفها

ومن المتوقع أن تعاود بوكو حرام بعد نجاحها في توحيد صفوفها وقيادتها ترويج روايات المظلومية في مواجهة قمع الحكومة الوحشي، بالتوازي مع استقطاب من يعانون من البؤس والفقر نتيجة الإهمال الحكومي وانتشار الفساد، وهي تكتيكات أسهمت في صعود الحركة في بداياتها، وتعد أكثر نجاعة وفاعلية بالمقارنة بما لحقها من سمعة سيئة وسخط شعبي نتيجة انتهاجها هي العنف ضد المدنيين.

وتخلص جماعة بوكو حرام من قادتها الأكثر راديكالية ووحشية من شأنه احتواء الانتفاضة الشعبية الغاضبة ضدها واختراق حالة تعاون المجتمع المدني المحلي مع الأجهزة الأمنية، علاوة على حرمان الحكومة من استغلال انقسامات الجماعة، ما يعني بدء مرحلة جديدة بآليات مختلفة من الصراع بين بوكو حرام والسلطات النيجيرية.

13