مقتل فلويد ينكأ الجروح القديمة في الديمقراطية الأميركية

القمع الوحشي للمحتجين على مقتل المواطن الأميركي جورج فلويد يزيح عن واشنطن قناع حقوق الإنسان.
الخميس 2020/06/04
العالم يثور على أميركا

“لا أستطيع التنفس” كانت هذه آخر الكلمات التي نطق بها المواطن الأميركي جورج فلويد قبل مقتله بثوان على يد شرطي، وهو ما أشعل فتيل الاحتجاجات في الولايات المتحدة. وهذا التحول الجديد الذي يشهده الشارع الأميركي لم يضع الرئيس دونالد ترامب في دائرة الاتهام فحسب، بعد كل ما أظهرته توصياته بالتعامل بقوة مع المحتجين ضد العنصرية، بل أيضا أعادت مسألة الديمقراطية واحترام الحقوق والحريات على طاولة النقاش في أميركا والعالم.

 واشنطن - لا تهدأ الولايات المتحدة مؤخرا من الاحتجاجات التي تجاهل منفذوها حظر التجول للتعبير عن غضبهم بعد وفاة جورج فلويد أسمر البشرة على يد شرطي، محملين ترامب ما وصلت إليه أوضاع حقوق الإنسان في عهده.

ورغم التراجع الملحوظ في مستوى العنف الذي دفع إليه ترامب بعدما هدد بنشر الجيش لإسكات المحتجين، فإن المشكلة راهنا لم تعد تتعلق بترامب نفسه في وقت يحاول خصومه الديمقراطيون وفي مقدّمتهم جو بايدن الإطاحة به في المعركة الانتخابية بل باتت تضع على المحك التشكيك في الديمقراطية الأميركية.

سقوط القناع

أدانت منظمات حقوق الإنسان وكذلك عدة دول غربية ما وصل إليه الوضع في الولايات المتحدة من قمع للمحتجين. كما قام مسؤولون أميركيون ومن بينهم السفير الأميركي في جمهورية الكونغو الديمقراطية مايك هامر بنقد ذاتي بقوله إن “العنصرية ليست مقبولة، يجب القيام بما هو أفضل”.

ولفظ جورج فلويد أنفاسه بعدما ظل شرطي أبيض جاثما بركبته على رقبته لما يقرب من تسع دقائق يوم 25 مايو في مدينة منيابوليس ليشعل ذلك من جديد قضية وحشية الشرطة ضد الأميركيين من أصل أفريقي.

وتظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص في شوارع المدن الأميركية في طول البلاد وعرضها للّيلة الثامنة على التوالي بينما اصطف جنود من الحرس الوطني على سلم نصب لينكولن التذكاري. وهو ما دفع الكثير من المراقبين إلى التشكيك في الديمقراطية الأميركية التي يقول البعض إنها وصلت مرحلة الإنهاك في عهد ترامب.

اصطهاد للأميركيين من أصل أفريقي
اضطهاد للأميركيين من أصل أفريقي

وكشف في هذا الصدد تقرير صادر عن مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن عنف الشرطة والهجمات العنصرية يكشفان زيف صورة أميركا كمنارة للحرية في العالم.

ويقول صاحبا المقال كولم لينش وروبي جرامر “يشاهد العالم الآن، الذي كان يتطلع إلى الولايات المتحدة كمدافعة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، الفزع والانزعاج بعدما أطلقت إدارات الشرطة في جميع أنحاء البلاد حملة قمع عنيفة ضد المتظاهرين رغم أن ترامب انتقد الاثنين حكام الولايات على استجابتهم الضعيفة لتلك الأحداث”.

وأثارت وفاة فلويد قبل أسبوع المظاهرات التي تحولت بسرعة إلى أعمال شغب في أكثر من 100 مدينة أميركية. كما أقيمت مراسم تعاطف أيضا في المدن حول العالم، مثل وقفة الشموع الاحتجاجية في مدينة مشهد في إيران، ورسم لوحة جدارية على جدار برلين تحمل صورة فلويد وهو يحتضر ويقول “لا أستطيع التنفس”.

وشعر المراقبون في جميع أنحاء العالم بالصدمة نتيجة الرد الوحشي من قبل قوات الشرطة، حيث تم تصوير مقاطع فيديو لبعضهم وهم  يدهسون المتظاهرين وطلاب الجامعات بسيارتهم. كما أطلق ضابط شرطة مسلح من مينيابوليس النار ليلة السبت على أحد السكان وهو يراقب الأحداث من شرفته، بينما صرخ ضابط آخر “أطلق الرصاص عليهم”.

وبدا ترامب بحسب كولم لينش وروبي جرامر وكأنه يشجع عنف الدولة، حيث أخبر حكام الولايات الأميركية في مكالمة جماعية بالفيديو الاثنين “يجب أن تسيطروا على الوضع. وإذا لم تستطيعوا فرض سيطرتكم، فأنتم تضيعون وقتكم. سيصطدمون بكم، ويجب عليكم أن تهيمنوا عليهم”.

رد فعل دولي

ليندا توماس غرينفيلد: صورة الولايات المتحدة في العالم تراجعت بالفعل
ليندا توماس غرينفيلد: صورة الولايات المتحدة في العالم تراجعت بالفعل

أظهر رد الفعل الدولي السلبي على الحملة القمعية مدى انهيار سمعة الولايات المتحدة في أعين العالم تحت رئاسة ترامب، مما أثار الاستياء الدولي الموجه إلى الحكومات الأميركية السابقة خلال حرب فيتنام وعصر الحقوق المدنية، عندما قامت الشرطة في الولايات الجنوبية بإطلاق الكلاب المفترسة على مسيرات المطالبة بالحرية لذوي البشرة السوداء.

ونقلت فورين بوليسي عن دبلوماسي أوروبي كبير قوله “تآكل القيادة العالمية للولايات المتحدة يسير أسرع مما كان متوقعا. التفوق العسكري والنفوذ المالي لا يزالان موجودين. ومع ذلك، يتم استنفاد احتياطي القوة السياسية والقوة الناعمة بوتيرة متسارعة”.

وأضاف الدبلوماسي “هذا يضع الحلفاء التقليديين في موقف صعب وهم يحاولون التمسك بعلاقة قائمة على القيم مع الولايات المتحدة التي تتراجع بوتيرة متسارعة. تأمل أوروبا في حدوث نقطة تحول، رغم أن الجميع يدركون أنه لا توجد عودة مطلقة لعام 2016”.

وكشفت الاحتجاجات عن مشاكل المجتمع المتجذرة في العالم في الولايات المتحدة، مما قوّض من مكانتها كحامل لمعايير القيم الليبرالية الحديثة، مثل تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية ورأسمالية السوق الحرة.

وقالت ليندا توماس غرينفيلد، وهي دبلوماسية سابقة “أشعر بالقلق تجاه كيفية تأثير ذلك على قيادتنا وصوتنا في الخارج. يتطلع الناس إلى الولايات المتحدة من خلال دورها القيادي، ويتوقعون الحصول على الدعم منا، ويشعرون بالقلق من أننا نفقد مكانتنا”.

وقال مستشار الأمن القومي لترامب روبرت أوبراين، واصفا خصوم الولايات المتحدة بالمنافقين، بأنهم كانوا يحاولون استغلال الوضع وأطلقوا انتقاداتهم.

وكتب دبلوماسي أميركي رفيع المستوى وسفير الولايات المتحدة في زيمبابوي برايان نيكولز، في رسالة نشرتها السفارة “كوني أميركيا من أصل أفريقي، لطالما أتذكر أنني عرفت أن حقوقي وجسدي لم يكونا ملكي بالكامل. لطالما علمت دائما أن أميركا كانت دائما تطمح إلى أن تكون أفضل، ولهذا السبب كرست حياتي لخدمتها”.

وتعكس رسالة نيكولز كيف يتم إجبار المواقع الدبلوماسية الأميركية في الخارج الآن على معالجة الصراع الداخلي في ظل غضب الدول الأجنبية بسبب الظلم العنصري وعنف الشرطة في الولايات المتحدة.

وقالت غرينفيلد إنه في حين أن الرسائل الواردة من المواقع الدبلوماسية الأميركية في الخارج مهمة، إلا أنها لا تعوض الفراغ في واشنطن.

روبرت أوبراين: خصومنا المنافقون يحاولون توظيف الوضع لفائدتهم
روبرت أوبراين: خصومنا المنافقون يحاولون توظيف الوضع لفائدتهم

وأضافت “من الصعب للغاية على السفراء أن يحاولوا شرح ما يحدث في الولايات المتحدة في سياق حقوق الإنسان والعدالة، حيث كنا دائما الصوت الذي يتطلع إليه الناس. إنهم يفعلون أفضل ما لديهم”.

وقد ساهمت مشاهد المحتجين خلال عطلة نهاية الأسبوع في الضغط على البيت الأبيض، إلى أن وصل الأمر حد الحديث عن أن الرئيس مختبئ في مكان آمن، ما أكد عزلة رئيس لم يجد سوى القليل من التضامن من حلفائه.

وفشل ترامب بحسب التقرير الأميركي في اتخاذ دور القيادة وظهر ذلك واضحا في قضية اعتداءات الشرطة والاحتجاجات المنتشرة في الشوارع في جميع أنحاء البلاد. وشكلت هذه الأحداث أحدث ضربة لسمعة ترامب المتراجعة في جميع أنحاء العالم، بعد اتباعه لمبدأ “أميركا أولا” تجاه جائجة كورونا وإهاناته المتكررة لحلفاء الولايات المتحدة وكذلك انسحاباته من اتفاقيات رئيسية واحدة تلو الأخرى، مثل اتفاق المناخ في باريس، واتفاقية الأجواء المفتوحة مؤخرا.

وتعتقد غرينفيلد أن السلسلة الأخيرة من أحداث عنف الشرطة والاحتجاجات لم تكن إلا جزءا من لغز أكبر، قائلة “أعتقد أن صورتنا في العالم قد تراجعت بالفعل”.

ويراقب خصوم الولايات المتحدة، الذين لا يمتلك معظمهم سجلات عادلة في ملف حقوق الإنسان الاحتجاجات، مستمتعين برؤية قوة منافسة غارقة في الحجر والإغلاق بسبب الجائحة وبسبب الاضطرابات الاجتماعية التي كشفت عن استمرار العنصرية وعدم المساواة.

واستغلت موسكو وبكين وطهران هذا الوضع لتصفية حساباتها مع واشنطن، حيث غرد وزير الخارجية الإيرانيمحمد جواد ظريف، وهو يشارك نسخة من بيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية بشأن الاحتجاجات في إيران “لا يؤمن الكثيرون بهاشتاغ #بلاك لايفز ماتر. أما بالنسبة لهؤلاء الذين يؤمنون به مثلنا، أقول: لقد طال انتظار العالم لشن حرب ضد العنصرية. حان الوقت لوقوف العالم ضد العنصرية #وورلد أجينست ريسيزم”.

واستغلت بكين، التي لا تزال تعاني من تداعيات هجماتها العنصرية ضد المهاجرين الأفارقة في الصين في أبريل، الاحتجاجات الأميركية لصرف الانتباه عن حملتها القمعية ضد المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في هونغ كونغ.

كما أدانت حسابات وسائل التواصل الاجتماعي الرسمية للسفارة الروسية في واشنطن عنف الشرطة تجاه أعضاء وسائل الإعلام بعد أن أصيب مراسل وكالة الأنباء الحكومية الروسية “ريا نوفوستي” برذاذ الفلفل.

ونشرت السفارة على فيسبوك “نشعر بالقلق إزاء تزايد عدد حالات العنف التي تمارسها الشرطة والاحتجاز غير المبرر للصحافيين أثناء تغطيتهم للاحتجاجات في الولايات المتحدة التي اندلعت بعد مقتل جورج فلويد”.

وبالنسبة للعديد من الحلفاء التقليديين، تؤكد الأحداث في الولايات المتحدة مدى إجبار بقية العالم على التوفيق بين قوتين عظميين. وقال دبلوماسي آسيوي بارز لفورين بوليسي “يقع الخيار الآن بين ديمقراطية غير جديرة بالثقة واستبدادية ’وهي الولايات المتحدة’، وبين أوتوقراطية استبدادية صاعدة غير متسامحة ’وهي الصين’”.

7