مقدمة الدولة الفاشلة

الاثنين 2014/09/15

عادة ما يوصف المغرب بالبلد الآمن المستقر، الذي نجح في احتواء “ضربات” الرّبيع العربي إمّا جرّاء مرونة الملك كما يؤكد البعض، أو بسبب حنكة رئيس الحكومة عبدالإله بنكيران كما يردد آخرون. ولا بأس، لربّما تبدو التجربة المغربية كأنها أفلحت في احتواء الإسلاميين، الأشدّ تشدّدا، والذين انتقل بعضهم وبقدرة قادر من تكفير البشر والشجر والتحريض على الجهاد في كل مناسبة، أو بلا مناسبة، إلى الدّعوة إلى اجتناب الغلو في الدين!

وبصرف النظر عن ضعف الحجة البلاغية لخطاب اجتناب الغلو والذي يقتصر في كل أحواله على تحريم القتال مع داعش- تحديدا- ودون حتى الإذن بالقتال ضدّها، فلسنا ننكر بأنّ تراجع الشيوخ عن النفخ في رماد الفتنة- ولو إلى حين- يحمل في طياته بعض المكاسب الأمنية.

لكن رغم ذلك يبقى الأمر نسبيا، إذ لا يتوقف أمن المجتمع على عدم التّحريض على العنف، بل يتطلب الأمر الخروج من حالة العجز الاجتهادي الذي كان، ولا يزال، يمنح للنص الديني سلطة على العقول، يتطلب الأمر تفكيكا فوريا للبيئة الثقافية والدينية الحاضنة للتطرّف، بدءا من خطاب المساجد وانتهاء ببرامج الإعلام ومناهج التعليم. وهذا ما كنا ولا نزال ندعو إليه.

نقول، لأجل الأمن والاستقرار لا يجوز أن تقتصر المراجعات على مسائل الخلافة والبيعة ونحو ذلك من الأحكام المتغيرة حتى بالمنطق الفقهي، فإنّ السلوك السياسي ما هو إلا القمّة الظاهرة من جبل ثقافي يقبع في أعماق البحر. الكثير من الخطب المنتجة للعنف ليست بالضرورة محرّضة على العنف السياسي بنحو صريح ومعلن ومباشر، لكنها متورطة في إعداد البيئة الحاضنة للعنف على المدى المتوسط والطويل.

وكما قلنا في أكثر من مناسبة فإنّ بعض الخطب الدينية قد تساهم في تهديد الأمن العام بنحو غير مباشر وعبر تصوراتها حول الأقليات والمرأة والغرب والمثقفين ونحو ذلك.

بل، حتى المواقف الفقهية من الكلب الأسود أو القط الأسود أو لستُ أدري، على تفاهتها، قد تحمل للمستقبل بعض بذور العنف الديني والاجتماعي، وهذا بصرف النظر عن المواقف السياسية المعلنة من الخلافة والإمامة والبيعة وأشياء أخرى.

حين نقول إن المغرب نجح في تفادي تداعيات الرّبيع العربي، فالأمر هنا يحتمل قدرا من الصحة لكنّه يحتمل أيضا بعض المبالغة، لأنّ أحجار الدومينو التي سقطت أثناء الثورات قد شملت الجمهوريات والجمهوريات الوراثية تحديدا، وليس معروفا مكان الملكيات ضمن أحجار الدومينو تلك. نعم، تفادى المغرب تداعيات الرّبيع العربي، والأهم أنّه لم يلتحق بنادي الدّول الفاشلة، هذا كله صحيح، لكن لابد من التنويه بمعطيين أساسيين لا يجوز إغفالهما:

أوّلا، فإنّ الكثير من الدّول أصبحت دولا فاشلة قبل بدء الثورات (العراق، والصومال…)، ولربما تلتحق دول أخرى بركب الدول الفاشلة من غير المرور بتجربة الثورات البوعزيزية.

ثانيا، فإنّ تفادي موجة الثورات لا يعني تفادي السقوط في تجربة الدولة الفاشلة. وبهذا الصدد فإننا نزعم بأن أقصى وأقسى ما اقترفته حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم في حق بلدنا المغرب، أنها أنجزت خطوات كبيرة على درب “أخونة” الدولة و”دعوشة” المجتمع، ولعل الإحصائيات حول عدد المقاتلين في الخارج، وتراجع المضامين العقلانية في برامج الإعلام والتعليم، ونسبة ما يسمّى بالخلايا النائمة، كلها تؤكد بأننا بدأنا نلغم أنفسنا بأنفسنا، تماما مثلما كاد يحدث في تونس لولا قوّة ونباهة المجتمع المدني الحداثي.

سنقولها بلا تردّد، لقد فتحت تجربة العدالة والتنمية في المغرب الباب، لأوّل مرّة، أمام إمكانية سقوط بلدنا الآمن في تجربة الدّولة الفاشلة. فكيف حدث ذلك؟

من أجل بلوغ مرحلة الدّولة الفاشلة هناك مدخل رئيسي، لا يتعلق بفقدان الغذاء كما يظنّ البعض، لا يتعلق بفقدان الأمن كما يعتقد آخرون، لكنه يتعلق بفقدان الثقة، أي فقدان الثقة في الدولة. لماذا؟ لأن الثقة هي العمود الفقري للدولة، هي أساس الدولة، هي مصداقية الدولة. لذلك يقول الحكيم كونفوشيوس قد تفقد الحكومات السلاح وتبقى، قد تفقد الغذاء وتصمد، لكنها حين تفقد الثقة ينهار كل شيء.

بوسعنا أن نستنتج بأنّ فقدان الثقة في الدولة قد بلغ مع تجربة حكومة العدالة والتنمية التي يقودها عبدالإله بنكيران مبلغا غير مسبوق من قبل، إنه فقدان للثقة في كل شيء، في المدرسة العمومية، في المستشفى العمومي، في الإعلام العمومي، في الفضاء العمومي، في كل ما هو عمومي، أولا، بسبب القرارات اللاّ شعبية التي مسّت عيش البسطاء والذين ما عادوا يحتجّون لأنّ بنكيران أقنعهم بأنه لا يطبق إلاّ مشيئة الملك، وقلنا عن هذه المناورة في أكثر من مناسبة بأنها تمثل لعبة خطرة تخرق الدستور وقد تحرق البلد، وثانيا، بسبب إفراغ الحقل السياسي من أي مضمون فكري وإبداعي.

الواضح الفاضح أنّ الشعب المغربي لم يسبق له أن بلغ مثل هذا المبلغ من فقدان الثقة في الدولة وكل ما يرمز للدولة: المدرسة العمومية، المستشفى العمومي، الإعلام العمومي، الإحصاء الذي تنجزه الدولة، الوثيقة التي يتسلمها المواطن من الدولة، وأحيانا حتى صلاحية الحُقنة التي يتناولها المواطن من المستشفى.

إنه فقدان الثقة في خطاب الدولة، في قرارات الدولة، في مصداقية الدولة، في قدرة الدولة على تمثيل المصلحة العامة والخير العام.

ولا بأس أن نعيد التحذير في الأخير، مقدمة الدّولة الفاشلة ليست فقدان الأمن، فإنّ الأمن يسهل استرداده أيا كانت الأحوال، ليست فقدان الغذاء فإن الغذاء يسهل استجلابه في أسوأ الظروف، لكنها فقدان الثقة لأن الثقة متى ضاعت يصعب استرجاعها.

تفشي داء فقدان الثقة هو مقدمة الدولة الفاشلة. لماذا؟ لأن فقدان الثقة يعني… فقدان الأمل.


كاتب مغربي

8