مقربون من النهضة ونداء تونس يتصارعون على الأملاك المصادرة

يمثل بيع الأملاك المصادرة في تونس أحد أكثر الملفات التي يكتنفها الغموض، باعتبار غياب الشفافية بخصوص ما توفره عمليات البيع للخزينة العامة للدولة. وتتضارب تقديرات العائدات التي يتم إدراجها ضمن قانون المالية مع ما يتم الإعلان عنه في نهاية كل سنة من قبل لجنة التصرف في الممتلكات المصادرة، مما يفتح المجال لتوجيه تهم بالفساد للجهات المشرفة على عمليات البيع بما فيها المتصرفون القضائيون.
السبت 2017/10/21
علامات الإهمال

تونس - أفادت منظمات غير حكومية وشخصيات سياسية تونسية بوجود شبهات فساد في ملف بيع الأملاك المصادرة، إذ استندت في موقفها على تضارب الأرقام المعلنة في ميزانية الدولة من حيث تقديرات عائدات البيع مقابل الأرقام المقدمة من طرف الهيئات المكلفة بهذه العمليات.

وأكد متابعون أن غياب الشفافية في التعامل مع ملف الأملاك المصادرة وتضارب التصريحات الحكومية حول موارده المالية يدفعان نحو توجيه تهم الفساد للبعض من الجهات المكلفة بعمليات البيع.

وقال يوسف بلقاسم، مدير البرامج في منظمة أنا يقظ (منظمة غير حكومية تنشط في مجال مكافحة الفساد)، إن ملف بيع الأملاك المصادرة يشوبه الكثير من الغموض إذ يبدو في الظاهر أن العملية تتم وفق مزاد علني.

وأفاد بلقاسم، في تصريحات لـ”العرب”، بأن سوء التصرف في الأملاك المصادرة سواء العقارية أو غيرها “يؤدي إلى خسائر مالية كبيرة عند عمليات البيع”.

وأكد أن البعض منها تم بيعها بأقل من نصف ثمنها الحقيقي. وأشار إلى صفقة بيع الطائرة الرئاسية التي كانت على ملك الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، إذ تم بيعها سنة 2016 بمبلغ 80 مليون دولار في حين أن سعرها الحقيقي يبلغ 150 مليون دولار.

واستغرب بلقاسم بيع شركات مصادرة رغم أنها رابحة وتوفر إيرادات مالية هامة للدولة مثل شركة اسمنت قرطاج وغيرها.

وأكد أنه على غرار بيع أملاك بأسعار متواضعة، يتم كذلك بيع شركات رابحة بأثمان زهيدة في حين تتم المحافظة على الشركات التي تسجل عجزا ماليا مما يكبد الدولة خسائر مالية كبيرة.

يوسف بلقاسم: هناك صراع بين الحزبين الكبيرين حول الأملاك المصادرة مما يعطل بيعها

واستطرد بلقاسم “هناك صراعات بين الحزبين الكبيرين في البلاد حول شراء الأملاك المصادرة وهو ما يعطل عمليات بيعها”.

وكشفت لمياء الزريبي وزيرة المالية السابقة، خلال مناقشة ميزانية الدولة لعام 2017، أن العائدات المالية المتأتية من بيع الأملاك المصادرة بلغت 45 مليون دينار في حين أن التقديرات المالية المدرجة ضمن مشروع قانون المالية بلغت 130 مليون دينار أي بفارق 70 مليون دينار.

وتضمن تقرير دائرة المحاسبات، في يونيو الماضي، نقائص وتجاوزات عديدة خاصة في ما يتعلق بالتصرف في الأملاك المصادرة. وقال الرئيس الأول لدائرة المحاسبات نجيب القطاري إن ثلثي عائدات بيع الأملاك المصادرة تم استغلالها في خلاص البعض من الديون “مما يؤشر على وجود أفعال ترتقي إلى درجة الفساد في عمليات التفويت”.

وبلغت الديون البنكية للدولة 809.3 مليون دينار نتيجة ضعف نتائج بيع الشركات المصادرة، بحسب دائرة المحاسبات.

وذكر التقرير السنوي للدائرة أن لجنة المصادرة لم تتمكن إلى نهاية فبراير 2016 من مصادرة كل الأملاك المعنية والمتمثلة في 27 عقارا و4 سيارات ومساهمات في رأس مال 11 شركة وأرصدة بنكية بقيمة جملية تصل إلى 2.655 مليون دينار.

وأكد القطاري أن “تواصل المشاغبة والتصرف في هذه العقارات حرم الدولة من مبلغ 1.4 مليون دينار وتعرض 17 عقارا مصادرا للتخريب”، مشيرا إلى عدم الحرص على دفع نصيب الدولة من أرباح 4 شركات مصادرة بقيمة 159 مليون دينار.

ولفت القطاري إلى ضعف عائدات معرض الأملاك المصادرة الذي تم تنظيمه في فترة سابقة، إذ لم تغط عائداته سوى نسبة 40 بالمئة من المصاريف بالإضافة إلى إثقال كاهل الدولة بمبلغ 1.830 مليون دينار من الأموال المدفوعة على المعرض.

وأكد القطاري رصد نقائص بشأن حفظ وصيانة السيارات المصادرة، مما أدى إلى تراجع قيمة 14 منها بحوالي 900 ألف دينار.

وأكد الخبير الاقتصادي معز الجودي أن ملف بيع الأملاك المصادرة “يعتبر من أكثر الملفات التي تحوم حولها شبهات الفساد وسوء التصرف نتيجة تعيين متصرفين قضائيين أساؤوا التصرف في الشركات عن سوء نية أو حسن نية”.

وقال، في تصريحات لـ”العرب”، إن “إدارة الشركات المصادرة ليست من اختصاص المتصرفين القضائيين الذين لا يجيدون إدارتها مما تسبب في خسائر مالية ضخمة للدولة عوض تحقيقها مواردَ مالية إضافية”.

وأضاف الجودي “هناك حسابات ضيقة بين العديد من الأطراف حول عمليات بيع الأملاك المصادرة».

وتابع فمن جهة يتم بيع الشركات التي تحقق أرباحا مالية ضخمة ومن جهة أخرى يتم الاحتفاظ بالشركات التي تحقق خسائر وهذا ما يعزز توجيه الاتهامات بالفساد للبعض من الجهات المتدخلة في الملف”.

وأشار الجودي إلى أن توجيه تهم الفساد للبعض من الأطراف المعنية بملف البيع جاء من طرف أعلى هرم السلطة.

وذكر بتصريحات رئيس الحكومة السابق حبيب الصيد، حين كان في منصبه، التي قال فيها إن “بيع الأملاك المصادرة من أكبر ملفات الفساد المطروحة على الحكومة”.

ودعا الجودي إلى فتح ملف بيع الأملاك المصادرة بكل شفافية بهدف أن يكون بيعها عاملا يعزز إمكانيات خزينة الدولة “لا عبئا عليها”.

4