مقطع تاريخي عن سفير فوق العادة للغناء العراقي

الأحد 2013/10/27
نصائح ناظم نعيم ساهمت في نجاح ناظم الغزالي

بغداد- لا يمكن رسم مقطع تاريخي للفنان ناظم الغزالي من دون أن يحظر ناظم نعيم، لأنه في كل الأحوال ستكون "الرسمة التاريخية" غير جديرة بالوفاء، تصل متأخرة ومكررة ككل ما كتب عن ناظم الغزالي في الصحافة العراقية، ولنا أن نتخيل الصورة الشائعة عنه في الكتابات العربية!

تبدو ذاكرة المستمع العربي أكثر حساسية من كل ما كتب عن الغزالي، لأن العربي يحبه كمغن معبّر ويربطه بالعراق وابن الحمولة وهدية العيد، وجسر المسيّب الذي عاد إلى واجهة الأخبار بعد أن أضحى "جسر الموت".

بل إن رجل دين ليبي مثلا كان يتحدث في منتصف التسعينات في محاضرة عن تلاوة القرآن الكريم، لم يتردد بالقول إن أداء ناظم الغزالي للمقامات يكاد يقترب من "التلاوة"، وهو صادق في ذلك لأن المقام العراقي يؤدى ولا يغنى.

واليوم بعد خمسين عاما على رحيل السفير الأول للغناء العراقي، يبدو ناظم نعيم "يعيش في الولايات المتحدة منذ عام 1982" الذي لحن غالبية ما غناه الغزالي ورافقه في أسفاره، شاهدا بامتياز على تجربة هذا الفنان الذي يرتبط اسمه عند المستمعين العرب بالعراق، وعند العراقيين بزوجته الفنانة سليمة مراد.

فلماذا تبقى كل تصريحات ملحن سفير الغناء العراقي مقتضبة وخجولة، بل ورافضة أحيانا، الأمر الذي يؤكد ذلك أن مسلسلات تلفزيونية أنتجت في السنوات الأخيرة عن جانب من حياة الغزالي لا يذكر فيها ناظم نعيم! كما في مسلسل سليمة باشا مثلا.


خلاصة أشبعت بالتقصي


المساحة التاريخية لحياة الفنان ناظم الغزالي تمتد على مسافة 42 عاما "1921 – 23 أكتوبر 1963" وإذا افترضا أنه قضى 15 عاما منها في الفن، فستكون كل الخلاصات المروية والمكتوبة قد أشبعت بالتقصي، وعلى مستوى آخر فاق الإعجاب بغنائه أية محاولة نقدية لتحليل أبعاد صوته، وحتى من قبل الملحنين والكتاب الذين عاصروه، لماذا؟ لأن ناظم الغزالي كان فنانا إنسانيا خلوقاً محبا لكل المحيطين به، فغلبت سمعته الشخصية الطيبة على قيمة فنه، فهذا البغدادي الذي ولد فقيرا وعاش في كنف عمه ثم عمته وخالته بعد وفاة أمه وعمل في مصنع للطحين، لم تغيّره الشهرة التي نزلت عليه بأقصى مما كان يحلم به، وبعدها زواجه من فنانة كانت شاغلة الطبقات السياسية والعائلات العراقية حتى أطلق عليها سليمة باشا بدلا من سليمة مراد. وتحول بيتهما في منطقة السعدون ببغداد إلى صالون ثقافي يحضره الأدباء والشعراء والفنانون.

ارتبط بصداقات فنية مع الوسط الأدبي والفني آنذاك، وثمة صور فوتوغرافية تجمع الغزالي بالشاعر نزار قباني، من دون أن يعرف لماذا لم يتم التعاون بينهما شاعرا ومغنيا! كما أن دراسته للتمثيل في معهد الفنون الجميلة قربته من الفنانين الراحلين حقي الشبلي ومحمد القيسي، وفي حوار تلفزيوني نادر يؤكد الغزالي أنه درس التمثيل ضد رغبة عمه الذي رفض أن يكون "قرقوزا" في منزله! عندما وصف الممثل بالمهرج أو الدمية المتحركة.

ويوصف الغزالي بأنه مثقف ووديع وصبور وسريع حفظ وتقليد للأصوات والشخصيات كلها، واجه عاديات الزمن برباطة جأش حتى في أحلك الظروف، ولم يتخل عن بديهته الحاضرة ونكتته السريعة، وأناقته الشديدة حتى في الأيام التي كان يعاني فيها من الفقر.

وكل ذلك يفسر لنا لماذا موسيقار مثل الفنان محمد القبانجي الذي يعد بمثابة أستاذه لم يتوار في ذرف الدموع عليه بعد وفاته، بل إنه ناح حتى على قبره في مقام "الركباني" المعذب الحزين "علام الدهر شتتنا وطرنا، عقب ذاك الغنا…". القبانجي رثاه على القبر وبعد سبعة أيام أقام له مولدا استذكاريا في منزله وكتب مرثيته الشهيرة في رسالة مؤثرة.

ويرجع قارئ المقام والباحث الموسيقي حسين الأعظمي تصدر الغزالي للمشهد الغنائي في العراق، إلى دور الموسيقار محمد القبانجي في رعايته والتزامه إلى حد تبنيه وعدّه تلميذه، وراهن على قدراته فكان رهانه في محلّه، فاحتل الموقع الأول في الغناء العراقي حسب الأعظمي. بينما اعتبر ناظم نعيم وفاة ناظم الغزالي أصابته في الصميم وشعر أن الحياة برمتها تخلت عنه.

فيما يستذكر الفنان البصري مجيد العلي الذي رافق الغزالي عازفا، أنه كان ينهي حفلاته بعد غناء عدد محدود من أغانيه، رغم أن الجماهير يطالبون بالمزيد، فهو كما يذكر العلي "لا يحب أن يطيل كي لا يرى أحدا يغادر الحفلة وهو يغني، لذا يختم والجميع موجودون".


من درس صوت الغزالي؟

صوت درامي
في معرض وصفه للمطرب ناظم الغزالي يقول الناقد الراحل عادل الهاشمي: صوته يعدّ من الأصوات الرجالية الحادة "التينور" الدرامي وهو الصوت الرجالي الأول في التصنيفات الغربية، أما مجاله الصوتي فيتراوح بين أوكتاف ونصف إلى أوكتافين، والأوكتاف أو "الديوان" بالعربية يتضمن ثماني نوتات أو درجات.

وتنحصر حلاوة الأماكن في صوت الغزالي بين النصف الأول والثاني من الأوكتافين.

بهذا الشكل تكون مساحة صوت ناظم زادت على أربع عشرة درجة في السلم الموسيقي، ومع انفتاح حنجرته كانت قدرته غير العادية على إجادة الموال وتوصيل النوتات بوضوح، بجوابه المتين وقراره الجيد في مختلف ألوان المقامات وأنواعها، وما ساعد الغزالي على ذلك إجادة فن الشهيق والزفير في الأوقات الملائمة.

وما كان يميزه في ذلك معرفته وتعمقه في المقامات العراقية وأصولها إضافة إلى ذلك انفتاح حنجرته وصفاؤها، وكذلك جوابه المتين وقراره الجيد في مختلف ألوان المقامات وأنواعها.

وعند سماعنا أغاني ناظم الغزالي نجد لوازم موسيقية مشغولة وتتضمن توزيعاً موسيقياً مع تعدد الآلات الموسيقية، وكذلك إدخال بعض الآلات الغربية، وكذلك غنى لأشهر الشعراء العرب مثل إيليا أبي ماضي، أحمد شوقي، أبي فراس الحمداني.


ثمة سؤال ينطلق اليوم بعد خمسين عاما على رحيل الغزالي، عمّا إذا دُرس صوت ناظم الغزالي نقديا من دون أن يسقط دارسيه تحت هالة الإعجاب الشعبي به، وتفرده آنذاك في نشر الغناء العراقي في الأرجاء العربية؟

باستثناء ما كتبه الناقدان الراحلان سعاد الهرمزي وعادل الهاشمي من دراسات نقدية، تبقى الغالبية العظمى عنه مجرد استذكارات تاريخية وسردا لحكايات عنه وعن زواجه من الفنانة العراقية اليهودية سليمة مراد، البعض يشكك في هذا الزواج حتى إن ناظم نعيم نفسه قال في حوار تلفزيوني "لم يتزوجا بل ارتبطا بصداقة…" ثم سفره إلى بيروت ومشاركته في فيلم "مرحباً أيها الحب" مع نجاح سلام وأداء أغنيته الشهيرة "يم العيون السود"، وبعدها مدينة الكويت وتسجيل مجموعة من أغانية…

فسعاد الهرمزي يرى أن نجاح ناظم الغزالي لم يكن من صنع يديه، بل إن جهد الملحن ناظم نعيم ونصائحه دفعته للنجاح. بعد أن انعدمت بينهما عوامل الخلاف والفرقة.

فناظم نعيم بنظر الهرمزي "فنان بحق، أما الغزالي فهو مغنّ فقط، أخفق في أدائه أن يكون قرارا صحيحا، بل إن غناءه كان جوابا قاصرا عن مقتنيات الغناء الصحيح…".

فيما يرجع الناقد الراحل عادل الهاشمي، صعود نجم الغزالي إلى زوجته المطربة سليمة مراد باشا وكان زواجه منها من الزيجات المثيرة للجدل، وأن الغزالي كانت به حاجة إلى دفعة معنوية في بداية طريق الشهرة. وكانت أستاذة في فن الغناء، باعتراف النقاد والفنانين جميعاً في ذلك الوقت. ويضيف "تعلم الغزالي على يد سليمة مراد باشا الكثير من المقامات، وكانا في كثير من الأحيان يحييان حفلات مشتركة، يؤديان فيها بعض الوصلات فردية وأخرى ثنائية".

تم زواجهما عام 1953، وخلال عشر سنوات تعاونا على حفظ المقامات والأغنيات. وفي عام 1958 أحييا حفلا غنائيا جماهيريا كبيرا، فتح آفاقاً واسعة لهما إلى خارج حدود العراق فكانت بعدها حفلات في لندن وباريس وبيروت.

لا يوجد تفسير واضح غير العمر القصير، لاكتفاء ناظم الغزالي بألحان ناظم نعيم، بينما كان هناك جيل الخمسينات البارع يحيى حمدي وعباس جميل ورضا علي وأحمد الخليل، "ثمة من يذكر أنه شارك في أوبريت غنائي وطني من ألحان رضا علي عن تمجيد عبد الكريم قاسم"، وقد تفسر لنا الفترة الزمنية القصيرة التي عاشها لماذا لم يغن ناظم الغزالي للموسيقار العراقي اليهودي صالح الكويتي الذي لحن غالبية أغاني زوجته سليمة مراد قبل هجرته إلى إسرائيل.

لكن ليس ثمة شك بأن ناظم نعيم كان مدركا لحجم صوت الغزالي فلذلك رسم له الألحان بحس يتفق مع أبعاد هذا الصوت، فبهر العالم العربي بأداء ملتاع مرة ومتسائل مرات، وهو يؤدي القصائد العربية في مقامات عراقية معبرة أيما تعبير.

غير أن ما يؤخذ عليه أنه لم يؤدّ غير المقامات السهلة ولم يقترب من الصعبة. ويرد العازف سالم حسين الذي رافق الغزالي في غالبية حفلاته عازفا على آلة القانون، بأنه أدى أصعب المقامات لكنها – للاسف- لم تسجل على إسطوانات وضاعت.

لم يذكر سالم حسين أيا من المقامات الصعبة أدى الغزالي، لكن الفنان سعدون جابر اكتشف أن الغزالي أدى أغنية "مسلم، ذاكر هلي يا جواد" على مقام "المخالف" وهو من أصعب المقامات التي وضعها الموسيقار العراقي محمد القبانجي، وأعاد سعدون جابر الأغنية في مسلسل ناظم الغزالي بحسية بارعة تكشف كوامن اللوعة في هذا المقام.

ومع ذلك لا يوجد تسجيل متوفر لهذه الأغنية بصوت ناظم الغزالي. واليوم، وبعد خمسين عاما على رحيل فنان عراقي لم تمت أغانيه مع السنين، تبدو الحاجة ماسة لإعادة دراسته بطريقة نقدية تغيّب العاطفة والوله الذي رافق كل من يستمع إلى ناظم الغزالي.
10