مقطع مسرب

الاثنين 2015/03/09

مقطع مسرّب، هذا التوصيف بات لازمة مكرّرة في وسائل الإعلام العربيّة، حتّى أنّ هناك مَن صار يستعذب تسريب مقاطع عن نفسه، سواء من الفنّانين أو السياسيّين، كي يلفت الأنظار إليه، عسى أن يضعه ذلك في صدارة الاهتمام، وعناوين الأخبار إلى حين، ويدفع إلى الاستعانة به وأخذ رأيه فيما جرى ويجري باسمه، ويخلق أفعالا وردود أفعال مقصودة.

كانت المقاطع المسرّبة سابقا ملتصقة بالصحافة الصفراء، أمّا في عصر التكنولوجيا فقد تمّ تعميم الخصوصيّات وتأميمها، بحيث أنّ ما قد يتبدّى عصيّا على الاختراق يغدو عرضة للقرصنة، والنشر، والتهديد، وقد يقع في شراك المستهدفين الذين تدفعهم أهداف متعددة تسوقهم للقيام بأعمال معيّنة لتحقيقها.

تحظى كلمة “مسرّب” بجاذبيّة خاصّة لا تفتأ تتجدّد مع كلّ تسريب، فهي تشي بأنّ هناك أسرارا سيتمّ كشفها للعلن، وأنّ ألغازا مجهولة قد يزاح عنها النقاب، أو أنّ الشخص الذي تعرّض لتسريب مقطع عنه أو له يمثّل ويزعم عكس ما يخفيه، وأنّ ما يجري في عالم التسريب يختلف عمّا يجري في العلن، ويأتي التسريب ليساوي بين السرّ والعلن، أو ليكشف الأسرار ويبدّد الغموض.

يشير التسريب إلى أنّ هناك تجاوزا وانتهاكا، ويتفرّع إلى أنواع، فقد يكون صوتيّا، أو مصوّرا، ولكلّ منهما غاية ووسيلة، كما أنّه لا يخلو من فضاء سرابيّ، بربط الكلمة بجذرها اللغويّ وإرجاعها إليه، بحيث يتشعّب المقطع كسرب محلّق في فضاء التواصل والإعلام، ويتناثر أسرارا وفضائح، ويصبح محور نقاشات وسجالات.

ولربّما يخلق التسريب غموضا آخر بدوره، ويدفع إلى التساؤل عن غايات من يعلنه ويكشفه ويطلقه، وهل يروم الفضح والتعرية أم بثّ نوع من الترويع والهلع في النفوس، واحتمال أن يؤدّي غايات متباينة، وقد يكون منطلقا لتوجيه رسائل لأكثر من جهة، يصارح من جهة التخفّي المصطنعة.

لا يقتصر جانب الإغراء في التسريب على الإشارة إلى ما يعرف بالمقاطع الجنسيّة المسرّبة، تلك التي تضمر فضيحة ما، بل يتعدّى الأمر إلى السياسة والثقافة وكلّ مناحي الحياة.

وقد تتّخذ الأجهزة الأمنيّة هذه النقطة كبوّابة لترويع المعارضين، بحيث تسرّب مقطعا إلى الإعلام يصوّر شراستها وعنفها مع معارضيها لترويعهم، وتهديدهم بطريقة غير مباشرة أنّهم عرضة لهذه الأفعال في حال بقائهم على مواقفهم في معارضتها.

تتعدّد غايات المسرّبين وأهدافهم وتوجّهاتهم، وتكمن المقاصد في ما وراء التسريب، وسبل الغواية التي يحرّضها ويقودها، ومهما يكن من أمر فإنّ الكلمة تظلّ تمارس مفعولها السحريّ على المتابعين، وتثير فيهم رغبة المتابعة لاكتشاف المفاجأة، وربّما الصدمة بها.


كاتب من سوريا

15