مقعد أمام مائدة رمضان التلفزيونية

الأربعاء 2015/06/24

تقدر إحصائية فورية عدد المسلسلات التي تعرض على الفضائيات العربية خلال شهر رمضان بأكثر من مئة عمل تتأرجح بين الكوميديا الشعبية شبه المرتجلة وأصناف الدراما التلفزيونية المتقنة مهنيا وفنيا.

وتتنوع من مسلسلات الإثارة والأكشن والعنف والجريمة إلى النقد السياسي أو الاجتماعي الصريح أوالمبطن للأوضاع المهيمنة منذ سنوات على الساحة العربية أو أن تهتم بمعالجة الصراعات الحياتية داخل الأسرة العربية ومشاكلها الفكرية أو الاقتصادية أو العائلية، وقد تختلط مع بعضها مشاهد غنائية ومواقف ترفيهية وهزليات لفظية أو إيمائية، ومعظم، بل كل هذه الأصناف تسعى إلى كسب المشاهدين وإرضائهم و“الفوز” بأكبر عدد منهم لتحقيق الهدف الذي ما أنتجت معظم هذه الأعمال التلفزيونية إلا من أجل جذبه إلى هذه الشاشة أو تلك، ألا وهو الإعلان التجاري. ويعرف الجميع أنه ما كان لمعظم هذه الأعمال أن تنتج لولا التمويل، وأهم مصادر المال هو الإعلان التجاري.

يؤكد منتجو المسلسلات الرمضانية، وحتى مدراء الفضائيات، أن شهر رمضان هو الشهر الأغزر في حجم الإعلانات عبر التلفزيون، فهو شهر التبضع والشراء والتجوال في الأسواق والتواصل الأسري والاجتماعي، ويرغب التجار ورجال الأعمال في زيادة حجم الترويج لبضائهم في هذا الشهر الكريم.

ومن هنا اشتدت المنافسات بين المنتجين والفضائيات لإنتاج برامج تلفزيونية “جذابة” تغوي المعلنين وتبشر بشد الجمهور إليها، وإذا لم يحققوا ذلك عبر مسلسلات متفوقة بأبطالها ومضمونها وإخراجها ومستواها المهني والفني، لجأوا إلى أصناف أخرى من الأعمال البسيطة الركيكة أو الساذجة أو الكوميدية اللفظية أو الحركية المفتعلة، إضافة إلى برامج الكاميرا الخفية التي صارت من مستلزمات مائدة البرامج التلفزيونية الرمضانية الدائمة!

يقول أحد المتابعين المهوسيين ببرامج رمضان، إن فضائيات دول الخليج العربي وحدها تبث في رمضان 42 مسلسلا تمثيليا من كل الأصناف، وأكثر من ثمانين برنامجا ترفيهيا من أنواع الكوميديا الساخرة والمسابقات والطرائف والمقابلات الخفيفة والكاميرا الخفية والمنوعات.

فنانة مصرية دافعت في مقابلة تلفزيونية عن هذا “التنوع” البرامجي واصفة إياه بأنه “مائدة رمضانية كل شخص يتناول منها ما يشاء!”.

ورأت الفنانة أن وجود الغث والسمين فيها أمر طبيعي لا يدعو إلى القلق لأن المتفرج سيختار منها ما يستطيبه ويمتعه ويسليه ويترك الفاسد والهابط.

لا بأس بهذا الوصف، ولكن المائدة الرمضانية كما نعرفها لها مواصفاتها، ومراعاتها لخصوصية هذا الشهر الكريم، ولها تقاليدها وسلامتها من الأضرار والسموم، فهل تراعي ذلك مائدة رمضان التلفزيونية؟

نحن الآن في اليوم السابع من رمضان، وقد تدفقت على المشاهدين عشرات المسلسلات والبرامج الرمضانية عبر الفضائيات، ليل نهار، سببت حيرة عند الكثير من الناس، ماذا يتابع؟ وماذا يهمل؟ وكيف ينظم وقته؟ خاصة وأن ساعة الحلقة التلفزيونية تضاعف وقت عرضها لكثرة ما يتخللها من انقطاعات لبث الإعلانات والترويجات المتكررة. وصار المتفرج كي يشاهد حلقة من مسلسل في ساعة عليه أن يتفرغ لها ساعتين، فإن تابع مثلا ثلاثة مسلسلات سيخصص من وقته ست ساعات يوميا، وإذا كان المتفرج له اهتمامات أخرى كالأخبار أو بعض البرامج الدينية والإيمانية والثقافية وغيرها فإنه سيقضي يومه مبحلقا في شاشة التلفزيون لا يعمل ولا يلتفت لعائلته أو مصالحه ولا يصلي ولا يدعو ولا يسعى في الأرض !!

كيف سيهتدي المتفرج إلى البرنامج الذي يمكن أن يرضيه ويلبي لهفته إلى مشاهدة ممتعة؟ كيف يمكنه أن يختار من “مائدة برامج رمضان” المتنوعة بإفراط؟ ماذا يعرف المتفرج عن الأعمال القادمة غير الترويجات المقتضبة على شاشة الفضائية التي تبشر بما سيأتي؟

قد يهتدي المتفرج إلى الأعمال الجيدة والتي تستحق المشاهدة عن طريق ثقته بالأسماء المشتركة في العمل والجهة المنتجة، ولكن الملاحظ وسط هذا التزاحم البرامجي الرمضاني هو ميل الكثير من الناس إلى اختيار “الوجبات السريعة” من مائدة رمضان العامرة، فاسمعهم يتحدثون عن ذلك البرنامج الهزلي بمرح، ويسخرون منه ومن سذاجته وسخفه، ولكنهم مع ذلك ينتظرون حلقته القادمة بشغف!!

18