مقهى الشهبندر والمثقفون العرب ومكتبة الإسكندرية

الأربعاء 2015/04/08

في الخامس من الشهر الماضي، حلت الذكرى الثامنة على وقوع حادث التفجير الغاشم الجهول، الذي تعرض له مقهى الشهبندر التاريخي في شارع المتنبي الشهير بقلب بغداد، بعد أن أدّى انفجار سيارة مفخخة إلى تدمير المقهى وتدمير أشهر مكتبات الشارع وتحويلها إلى ركام وأنقاض.

هذا الشارع الذي كان يعتبره المثقفون العراقيون واحة للسلام، ويعتقدون أنه سيبقى خارج ساحة الصراع السياسي الطائفي البغيض، هناك من أصرّ على استهدافه، وكأنه يستهدف العقل المثقف، ويرى في حرق مكتباته وتدمير وإتلاف ما بها من كنوز الكتب والمخطوطات، القضاء على البذرة الأساسية للتنوير.

أنشئ مقهى الشهبندر عام 1917، أي أننا سنحتفل قريبا، بالذكرى المئوية لإنشائه. وكان شارع المتنبي العريق يعتبر، عبر العصور، واحة للمثقفين العراقيين وغير العراقيين الذين يفدون إلى بغداد كمرفأ للثقافة والنشر والإبداع الأدبي والفكري. وكأن استهداف مقهى الشهبندر، مقصود لإسكات صوت المثقف، فالمقهى كان منارة للقاء المثقفين والشعراء، حيث يتناقشون في القضايا الفكرية والأدبية والسياسية.

كان للاعتداء الآثم على مقهى الشهبندر أثره الكبير على عدد كبير من المثقفين في العالم الحر -منقوصا منه بكل أسف- العالم العربي.

صاحب مكتبة في سان فرنسيسكو، تبيع الكتب القديمة، هو في الوقت نفسه كاتب وشاعر، بمجرد أن قرأ خبر التفجير في صحف الصباح، شرع في حملة تحت شعار “من هنا يبدأ شارع المتنبي”، معتبرا أن اعتداء من هذا النوع هو اعتداء على كل باعة الكتب في العالم الذين يقدمون السلعة الثقافية للقارئ المثقف، ولا تنحصر علاقتهم به في البيع والشراء، بل يعتبرون قضية الكتاب قضية للوعي في مغزاها العميق.

شملت الحملة نداء وجهه إلى المثقفين الأحرار في العالم للتضامن مع المثقفين العراقيين، عن طريق إصدار سلسلة من الكتب، يتبرع بها كتابها. وقد أصدر في 2012 كتابا ضخما يضم رسائل الاحتجاج التي أرسلها إليه 130 مبدعا ومفكرا وكاتبا من العالم الحر، ثم أصدر تباعا ما بلغ عدده 130 كتابا، بمعدل كتاب لكل ضحية من ضحايا الهجوم الغادر من القتلى والجرحى.

في العراق أخرج المخرج الشاب عماد علي، فيلما قصيرا عن مقهى الشهبندر، حاز على عدة جوائز دولية، وقد بدأ تصويره في مقهى الشهبندر قبل التفجير، ثم عاد لاستكمال باقي مادة الفيلم بتصوير المظاهرة التي ضمت أعدادا كبيرة من المثقفين العراقيين، والتي خرجت في اليوم التالي وسارت بين أنقاض شارع المتنبي نفسه.

ومع ذلك تعرض عماد في تلك اللحظة، لإطلاق النار على ساقه وصدره وأصيب بست رصاصات، وهو الحادث الذي يكشف عن نية مبيتة لدى البعض لاستهداف المثقف والمبدع والفنان بقصد إسكات صوته.

أما ما يدعو إلى الأسف، بل وإلى الغضب، فهو أن يمر ذلك الحادث المأساوي مرور الكرام في العالم العربي، حتى أنه لم يخطر على بال مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور إسماعيل سراج الدين، أن يخصص ولو أمسية واحدة لإحياء الحدث، يجمع خلالها عددا من رموز الثقافة العراقية والعربية مع زملائهم المصريين، ولو بشكل رمزي.

وفي المقابل يبدو سراج الدين الآن مشغولا بالدفاع عن السيدة سوزان مبارك، وتبرير مواقفه السابقة، أكثر من اهتمامه بقضية الثقافة. وبهذا فقدت مكتبة الإسكندرية دورا كانت تزعم قيامها به، أي الدفاع عن حرية الفكر والرأي وحماية الكتاب. وكيف ستفعل ذلك وهي ليست في نهاية الأمر، سوى جزء من “دولاب الدولة العتيقة” التي تقاوم التغيير بكل جبروت؟

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16