مقهى ببغداد مقهى بقلبي

السبت 2014/12/06

وهذا أمرٌ كنّا طبخناهُ البارحةَ متّكئين على قوة الحنين، وفيض التشهّي ولَوَبان الفؤاد بين محبس الأضلع. كأنهُ إعادة وهمية لتدوير ما بادَ من أيامٍ راحت ولن تعود. الزمان هو عشرية الثمانينات الدامية والمبهجة في آنٍ، والموضع هو مقهىً صغيرة تكاد تفغو تحت فيء بناية الكهرباء العالية بمنطقة الميدان ببغداد العباسية المذهلة.

مقهى أبو سعد وقد انولدت أول مرة بسِدّ تلك البناية التي كنا أيامها نراها شاهقة، إنْ دخلتَ الميدان من صوب شارع الجمهورية، ويمّمتَ وجهك شطر الزقاق الأول على يدك اليسرى. هي وصلة من بيت عتيق مبنيةٍ بطابوق الشناشيل ومفروشة بآخر منحوت اسمهُ فرشيّ، ما يجعلها باردة طيبة في الصيف، وعبقة رحيمة في الشتاء. مالكها ونادلها هو الإنسان الطيب أبو سعد البغدادلي القحّ، وقد عاونهُ طوراً على لجاجة الزبائن المفلسين، رجلٌ طويلٌ وسيمٌ بشاربٍ، هو خلطة فنية شهية من شاربي هتلر وجارلس برونسن. مخزون الذاكرة يقول لي أنّ أبا سعد كان اسمه حجي خليل، ونادلهُ المزاجيّ هو مزهر الذي سيكون من اليسير عليك مجادلتهُ بالتي هي أحسن، لتكشفَ عن شيوعيٍّ معتّقٍ جميل ومسالم.

جُدُر المقهى تشيلُ سلّةً من صور مطربي بلاد ما بين القهرين، أهل المقام الذي كان يعشقهُ ويذوب فيه ويترنّم حجّي خليل، مع تنويعات على سلّم بحّات أهل الجنوب، وبسْتات بغداد وما فوقها، وكان الحجّي يتلذّذ ويتفاخر مثل معلّمٍ شاطر، وهو يشرح لنا أنّ هذا دشتٌ وذاك رستٌ وتلك قطعة نوى، وهذه بسْتةٌ لا تخرج إلّا من باب المنصوري، وإنّ مقام الصبا ليؤلمُ القلبَ، وكان إذا استبدّ به الشوق وأكلَ مساءهُ الشجن، أوحى لمن تبقى من زبائن التنبلة، بأنهُ على وشك تنزيل الكَبَنك، فيرحل الجمعُ ويتخلّف خمسةٌ أو ستة كنتُ أحدهم، لتبدأ ليلة حلوة من غناء ومقام وعزف عودٍ ممكنٍ من أنامل أبي سعد، ومائدة انزرعت فوقها زجاجات عرقٍ من صنف العصرية أو المستكيّ وكمشة قناني بيرة يكرعها أغضاض الشاربين، خشية من مخازي التقيّؤ على القمصات أو تحت الطاولة.

على باب التسعينات الميتة، تحركتْ المقهى عشرة أمتار وحطّتْ ببناية جديدة قوية لا أدري اسمها، لكنّ من علاماتها الواضحة، كان المصرف الإسلاميّ.

هذه النقلة الإكراهية بين الطابوق البارد المنعش القديم، والإسمنت الأخرس، كانت أفقدتْ المقهى جمالها وحميميتها، وربما ثلمتْ من عافية الحجّي واسترخاء مخّهِ، فصار على بعض عصبيةٍ وفقدان صبر وعكرة مزاج، وصرنا نهيئ حقائبنا الرخيصة، لهجيجٍ موحشٍ من بغداد أمّ البلاد، وقد فقدتْ مشطها الخشبيّ على شواطئ دجلة، ومالَ وجهها إلى صفرةٍ مؤذيةٍ مثل منظر ليمونة يابسة، تركها القطّافون مصلوبةً فوق غصن شتاء الحصار الأسود.

24