مقهى ريش يحافظ على ذاكرة أدباء مصر وفنانيها

يُعدّ مقهى ريش، أكبر تجمّع للمثقفين والسياسيين في القاهرة، فعلى مقاعده صاغ الكثير من الأدباء والمفكرين تاريخ مصر الثقافي، مما جعله يرقى إلى مصافّ الأمكنة ذات التراث العريق في حفظ ذاكرة المدينة ومثقفيها.
الأربعاء 2015/05/13
أصدقاء مقهى ريش يخشون أن يغير الورثة صبغتها الثقافية وتحويلها إلى مشروع تجاري

تأسس مقهى ريش، في عام 1908، على أنقاض قصر لمحمد علي باشا بالقاهرة، ويقع وسط البنايات المصرية العريقة بالقرب من ميدان طلعت حرب بوسط المدينة، وشيّد المقهى على يد النمساوي بيرنارد ستينبرج، الذي باعه في عام 1914 إلى هنري بير أحد الرعايا الفرنسيين، ومن ثم أعطى للمقهى اسم ريش ليشابه أشهر مقاهي عاصمة الأنوار باريس.

وقبل نهاية الحرب العالمية الأولى اشترى تاجر يوناني المقهى، لتتحوّل ملكيته بعد ذلك إلى عبدالملاك ميخائيل، وهو أول مالك مصري للمقهى. فعمل على تجديده مع الإبقاء على شكله الأصلي، قبل أن تنتقل ملكيته إلى ابنه مجدي عبدالملاك ميخائيل، الذي ظل مالكا له إلى أن وافته المنية منذ أيام قليلة.

وفي الأربعينات من القرن الماضي انضمّ الموسيقيون والمغنون إلى روّاد المقهى، يتقدّمهم محمد عبدالوهاب وأم كلثوم.

وكان مقهى ريش ممتدا إلى ميدان طلعت حرب، إذ كان يضم مسرحا غنائيا صعد على ركحه عمالقة الغناء وقتها، على رأسهم صالح عبدالحي وزكي مراد، كما كان المقهى يضمّ قاعة مصارعة ومكانا للعب الطاولة.

الجدير بالذكر أن المقهى كان يجسد بالخصوص ملتقى كبار الأدباء والشعراء والمثقفين من أمثال نجيب محفوظ وأمل دنقل ويوسف إدريس وصلاح جاهين وثروت أباظة والرسّام أحمد طوغان وشاعر النيل حافظ إبراهيم والشاعر محمد الفيتوري وكامل الشناوي وعبدالوهاب البياتي.

كما كان يحتضن الكثير من السياسيين العرب واللاجئين السوريين والعراقيين، على غرار الرئيس العراقي الراحل صدام حسين حين كان يدرس بالقاهرة، وارتاده أيضا الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر قبل ثورة يوليو 1952.

وعن مقهى ريش كتب شاعر العامية أحمد فؤاد نجم قصيدة بعنوان “التحالف”، يقول فيها “يعيش المثقف على مقهى ريش.. يعيش يعيش يعيش.. محفلط مزفلط كثير الكلام.. عديم الممارسة عدو الزحام.. يعيش المثقف.. يعيش يعيش يعيش”.

1908 تاريخ إنشاء مقهى ريش في ميدان طلعت حرب بالقاهرة

وبمجرد دخول مقهى ريش يكتشف الزائر أنه أمام تحفة معمارية تحكي تاريخ القاهرة، من خلال اللوحات التي تملأ المكان، فتجد صورا للأهرامات والفيضان في مصر، وصورا لميادين القاهرة قديما.

وفي الباب الرئيسي للمقهى لافتة تشهد بعراقة المكان، فهي تشير إلى أنه تأسس عام 1908، ليتضح الاختلاف الكبير الذي يميزه عن سائر المقاهي المبثوثة في أشهر ميادين القاهرة الحديثة.

وقد أُغلق المقهى في عهد الرئيس محمد أنور السادات بقرار إداري، بعد أن كانت تدور بين راحته الأحاديث الرافضة لمعاهدة كامب ديفيد، وتتم فيه اللقاءات والتجمّعات السياسية، بل وخرجت منه عدة مظاهرات رافضة لمعاهدة السلام مع إسرائيل.

ويوضح الروائي إبراهيم عبدالمجيد، أن مقهى ريش مصنف على أنه مبنى ذو طراز معماري يندرج تحت بند التراث، ولم يصنّف على أنه أثر حتى الآن، على الرغم من مرور مئة عام على إنشائه، لافتا إلى ضرورة تحرّك وزارة الآثار وضم المقهى إلى الدولة لأنه تحفة معمارية يجب المحافظة عليه وحمايته من الاندثار، وحتى لا يحدث له ما حدث لكل مراكز تجمعات المثقفين على مدى الأربعين عاما الماضية، ويتحوّل إلى بازار أو مكتب صرافة، على غرار ما حدث للمقاهي الشهيرة مثل إيزافتش وأسترا.

من جانبه، يؤكد الكاتب الروائي بهاء طاهر أن صاحب المقهى الراحل مجدي عبدالملاك، حافظ على الدور الثقافي للمقهى عبر عقود طويلة، ورغم أن المقهى أُغلق في فترة ما لأسباب ترجع إلى خلاف الورثة، لكن صاحبه أصر على أن يواصل مسيرة المقهى الثقافية.

ويضيف طاهر أن هذا المقهى جزء من تاريخ نجيب محفوظ وحركته الثقافية، لاسيما أنه كان يعقد ندوته الأسبوعية مساء كل يوم جمعة بالمقهى. أما الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي، فيقول إن علاقته بمقهى ريش ترجع إلى أكثر من خمسين عامًا، مؤكدا أنه كان ومازال منتدى ثقافيًا يجمع المثقفين حول طاولاته، ولا يوجد فنان أو كاتب مصري لم يتردد عليه.

أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب ونجيب محفوظ وعبدالوهاب البياتي وجمال عبدالناصر وصدام حسين كانوا من رواد مقهى ريش

ويوضح حجازي أن مجدي عبدالملاك فتح ذراعيه للمثقفين المصريين والعرب باختلاف إبداعاتهم، واصفا المقهى بأنه متحف ومعرض للفن التشكيلي.

وتقول منار الجمال، المدرسة المساعدة بجامعة 6 أكتوبر بالقاهرة، وأحد روّاد المقهى: إن ريش هو تراث ثقافي وأدبي وسياسي يجب الحفاظ عليه، ولن نسمح بتبديده تحت أي مسمى أو أي ضغوط، رافضة أن يتم التعامل مع المقهى على أنه مجرد مكان أو مشروع، أو أن يتم بيعه لمستثمر عربي أو أجنبي، قد يحوّله إلى مطعم أو أيّ نشاط تجاري آخر.

وتستطرد الجمال أن المقهى حافظ على تراث مصر الحديث، حيث لا تخلو رواية منذ فترة الستينات وحتى الآن من ذكر المقهى وروّاده من الأدباء والمفكرين.

وتشير إلى أن المقهى إلى جانب دوره الأدبي والثقافي، لعب دورا سياسيا مهما في التاريخ المصري، حيث كان قبلة للسياسيين والمعارضين، وساهم في التحضير لثورة 1919، وكانت المنشورات تطبع فيه سرا، وخرجت منه مظاهرات احتجاجا على معاهدة كامب ديفيد.

كما احتضن المقهى ثورة 25 يناير، وفتح أبوابه أمام معارضي نظام جماعة الإخوان المسلمين والرئيس المعزول محمد مرسي، موضحة أن دور مقهى ريش لا يقتصر على القطر المصري أو العربي فقط، بل امتدّ ووصل إلى المستوى العالمي، حيث تطرق صحفيون إيطاليون إلى المقهى العريق في كتاب بعنوان ريش.

ويشير المهندس عباس محمود عباس الصديق المقرب من المالك الراحل للمقهى إلى أن هناك تخوفات من تغيير نشاط المقهى وأن أصدقاء مجدي خاطبوا وريثه المقيم في أميركا، لكنه رفض وطلب أن يشرف على إدارته من أمريكا.

وأشار عباس إلى أن أصدقاء ريش بصدد تأسيس مجلس أمناء لإدارة المقهى، وأن هذا أيضا يتوقف على قرار الجهاز القومي للتنسيق الحضاري التابع لوزارة الثقافة، سعيا إلى الحفاظ على هوية المقهى التاريخية والفنية وعدم تحويله إلى محل تجاري أو تغيير نشاطه.

20