"مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى" رواية كتبها شاعر مجنون

الرواية الأولى للشاعر الفلبيني ألفريد كريب فازت بالجائزة الكبرى للرواية ضمن جوائز بالانكا لهذا العام.
السبت 2019/12/21
شخصيات من كل الأزمنة والعصور (لوحة للفنانة نور بهجت)

لقد خاض بعض الكتاب تجارب أدبية مجنونة، مزقت حدود الأجناس الأدبية وذهبت بالأدب إلى مناطق مغامرة لم يكن أحد يعلمها أو يتوقعها من قبل. والشعراء الذين يكتبون الرواية هم من أبرز من منحها طاقات أخرى في ذهابهم إلى مجاهل غريبة ومحيّرة، وهو تماما ما نجده في رواية “مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى”.

يأخذنا الشاعر والروائي الفلبيني ألفريد ـ كريب ـ يوسون في روايته الساحرة “مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى” في جولة فاتنة مع التاريخ الفلبيني في حوالي مئة عام بين ثورتين، ويحول شخصيات التاريخ الواقعية إلى أبطال أسطوريين وكذلك إلى شخصيات كوميدية ينزع عنها جلالها بقسوة وبراعة في الوقت نفسه، ويقوم باستدعاء هائل للتراث الأسطوري الفلبيني وتراث الألعاب والطعام والتاريخ الأدبي والثقافي للفلبين بشخصياته الفاعلة والمؤثرة.

 كل هذا في رواية محكمة ذاخرة بالأساليب الواقعية السحرية على الطريقة الآسيوية، وتيار الوعي، والنزعة الوثائقية، على سبيل المثال لا الحصر. وفي لغة تتراوح بين التقريرية والشعرية وتضج بالألعاب والكوميديا؛ وكما يقول أحد النقاد “هذه الرواية قصيدة، هذه رواية لم يكن ليكتبها إلا شاعر… وإذا لم تكن هي الرواية الفلبينية العظيمة التي كنا ننتظرها، فهي بالتأكيد الرواية الفلبينية الكوميدية العظيمة”.

الرواية القصيدة

كريب يأخذنا في جولة فاتنة مع التاريخ الفلبيني
كريب يأخذنا في جولة فاتنة مع التاريخ الفلبيني

الرواية التي ترجمها عبدالرحيم يوسف، وصدرت عن دار صفصافة، صحبتها مقدمتان، الأولى لنيك خواكين الناقد بمجلة “صانداي إنكوايرير” والأخرى للناقد فرانشيسكو آرتشيلانا.

 ويستفتح خواكين مقدمته منبها القارئ قائلا “إذا كنتَ مغامرا كقارئ وراغبا في استكشاف أرض مجهولة، فكل ما نطلب منك أن تضعه في ذهنك هو أن الرواية بحكم الكلمة الإنكليزية novel ملزمة بأن تكون جديدة وعصرية ومبتكرة. وكما يمكنك الحدس من عنوانها، فإن ‘مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى‘ هي عمل طليعي تجريبي وستربكك إذا كنت تصر على السرد كما تقدمه القصص المصورة أو السينما المحلية في أطباق للناس. لكنك إذا لم تقرأها من أجل السرد بل قرأتها كقصيدة، فسوف تنتقل من سطر إلى آخر بوعي متزايد بأنك تستمتع بكل سطر كخبرة منفصلة. إن ‘مقهى طاقة الأدغال’ هي الرواية الأولى لألفريد يوسون، الذي يدعوه الجميع كريب دون أي سبب يمكن لأي أحد أن يتذكره، إلا إذا كان يعني أنه كشخص أبله كان شخصا كريها “كريب”.

ويضيف “فازت هذه الرواية الأولى لكريب بالجائزة الكبرى للرواية ضمن جوائز بالانكا لهذا العام. وقد كتب هذا العمل بمنحة من المركز الثقافي. لقد قرأنا ‘مقهى طاقة الأدغال’ كمخطوط ونجدها خشنة ووقحة وهذيانية وفاتنة. وندرك مرة أخرى من البداية كم كانوا مخطئين هؤلاء الناس الذين قالوا إن جويس قد أخذ الرواية إلى أبعد ما يمكنها أن تذهب وبالتالي فإن روايته ‘عوليس‘ هي نهاية الأدب. لكن كم من أشياء كثيرة جديدة صارت عليها الرواية منذ ذلك الوقت، وكريب هنا يجمع كل هذه البِدَع”.

الرواية قصيدة وعمل طليعي تجريبي بلغة تتراوح بين التقريرية والشعرية وتضج بالألعاب والكوميديا وتربك قراءها

ويلفت خواكين إلى أن لدى ألفريد ـ كريب “الكثير من تيار الوعي مستمد من جويس لكنه مصاغ بجنون أكبر. ثمة تشويشات حمقاء للزمن والتسلسل، لكنها أكثر حمقا مما كان يجربه ألدوس هكسلي وفيرجينيا وولف. وثمة لعب مدوخ بالكلمات واستخدام للقطات المقربة والتلاشي التدريجي واللقطات الطويلة والحيل الأخرى المسروقة من السينما. وهناك أيضا تلك الطريقة الخاصة بروائي الخيال العلمي الأميركي إي. إل. دكتورو والخاصة بخلط الأشخاص الحقيقيين والشخصيات الروائية التي تجعل رواية كريب هذه رواية ممتعة جدا عن الحياة الحقيقية بواجهة خيالية. لكن القارئ الذي يخوض عبر هذه الفوضى من العجائب قد يصرخ ‘لكن ماذا يعني كل هذا؟‘ ويمكن للمرء أن يتهرب من هذا السؤال بأن يعلن ببساطة أن هذه الرواية قصيدة وأن ‘القصيدة لا ينبغي أن تعني بل أن تكون‘. ومع ذلك فلا حاجة إلى مثل هذا التهرب؛ لأن رواية كريب تحقق معنى على مسارها الخاص”.

ويرى في العالم الذي تخلقه الرواية كل شيء يحدث تحت ضوء الأبدية “لذلك تحدث ثورة عام 1896 جنبا إلى جنب مع المظاهرات ضد ماركوس في ثمانينات القرن العشرين، وقطع الطرق في الأرياف النائية في زمن الحرس المدني. وتستدعي المشاهد البيسايانية في زمن الإسبان وورش الكتابة الصيفية في جامعة سليمان خلال ستينات القرن العشرين، ويتزامن مسار حياة ليون كيلات مع كتابة سيناريو قائم عليها. هذا البطل الذي يصبح حافظا لغرفة المقدسات في كنيسة، والذي يصبح بائعا لماكينات خياطة سنجر، والذي يصبح مؤديا في سيرك، والذي يصبح ثوريا، هو مجاز صالح للإنسان الفلبيني كأي مجاز آخر.لكنه ليس بطل هذه القصيدة. البطل هنا هو العقل، الذاكرة، التي تنتقل إلى الخلف وإلى الأمام عبر السرد. في هذا العقل، يكون ريزال معاصرا لخوسيه جارثيا ﭬيلا، ويكون ليون كيلات معاصرا لمركز مانيلا السينمائي، والأميرة أوردوخا معاصرة لإيمان لاكابا. هذا العقل هو هويتنا. ليس هذا الجزء أو ذاك، بل كل الأجزاء معا. نحن مجموع تناقضاتنا وانفصالاتنا ومفارقاتنا التاريخية”.

ويوضح خواكين أن هذا هو السبب في أن مكان اجتماعنا اسمه “مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى”، هناك يرى كريب الملك كاسيلاج وريو آلما مجتمعين (مع جيمس دين) يستمعون إلى تيودورو فالنسيا بينما يعرج الجنرال أغينالدو نحو البار ويتصافح جنرالان آخران: ليون كيلات وكارلوس رومولو، بينما يتفرج إشميل بيرنال وجونار ميردال وخورخي آراجو وماريتا مانويل ونونوي مارسيلو وأمامهم طبق من بلح البحر المحمص، ويتحادث د. خوسيه ريزال على مائدة مع د. فرديناند بلومنتريت. كل هذا موصوف في خاتمة كيلومترية واحدة تستدعي الجملة اللانهائية التي أنهى بها جويس روايته عوليس”.

ويرى أنه عمل بطولي ذلك الذي أنجزه كريب يوسون. لقد قال فرانتس آرتشيلانا عن “مقهى طاقة الأدغال” إنها “متعة للقراءة” و“متعة لإعادة القراءة” و“الرواية الرائعة”. وفرانتس أستاذ يعرف ما هي الرواية. ربما يحق لنا أن نعلن بصوت عال أننا أيضا عرفنا أن كريب لديه شيء بداخله عندما اخترناه في أيام الشباب كواحد من الكُتاب الشباب الذين كنا نراهن عليهم، كما يتذكر هو جيدا. لذلك يقول “أحب أن أفكر في أني أنتمي بطريقة ما إلى تلك المجموعة الخاصة من الاحتمالات التي علّقتم عليها آمالا عريضة في وقت ما، وأن هذا العمل أمكن له أن يكون إثباتا جزئيا لهذه الآمال”.

مثل الموسيقى

متعة للقرأة
متعة للقرأة 

بدوره يؤكد الناقد فرانشيسكو آرتشيلانا أن “مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى” هي، كما يقولون، متعة للقراءة. وهي ما زالت كذلك. يقرأها من الأمام إلى الخلف، يقرأها من الخلف إلى الأمام، يقرأها هنا وهناك وفي كل مكان، وهو ما زال يقرأها. مرة أخرى، كما يقولون، تغدو أفضل مع كل إعادة قراءة؛ أي أنها متعة لإعادة القراءة.

ويضيف “أنا ما زلت أعيد قراءتها. وأنا هنا لا أختزل فقط ‘محيط الحميمية‘، بل أحاول أن أرتبط به. وهذا هو الشيء الضروري الذي ينبغي أن يفعله قارئ ‘مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى‘، أن يرتبط بها. وأنا لا أقول إن القارئ ينبغي أن يرتبط بها بشكل كلي، فهذا ليس ممكنا. لكن ليس ثمة من عائق يحول بين المرء وإدراك القالب، ورؤية البناء الرائع، وأن يلمس بأطراف أصابعه النسيج الكلي المخيف. وكما يقولون، هذه الرواية قصيدة، هذه رواية لم يكن من الممكن أن يكتبها إلا شاعر، وقد كتبها هذا الشاعر بالفعل. ولأن الرواية تُكتَب، وما زالت تكتب نفسها؛ فإن الرواية مؤلفة، مثل الموسيقى، فهي تُختتم بإيقاع خفيض لكنها لا تنتهي، لا بإيقاع متوتر ولا بإيقاع مهيمن. إن الطريقة الوحيدة لقراءة هذه الرواية هي الاستماع إليها. لأنها عمل موسيقي. علاوة على ذلك، هي رواية سحرية، بكل معنى الكلمة، هي مليئة بالسحر، عمل صاغه ساحر مشعوذ، لكنه ساحر مشعوذ حديث”.

ويضيف “أقل ما يمكن قوله هو أنها نتاج لعبقرية حقيقية، وأنها ذات أصالة كبيرة، فهي تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ؛ وتحجب وتتكشف؛ حتى نهاية الرواية تظل تتكشف. في الحقيقة ما زالت الرواية تتكشف! كل شيء قد حدث للفلبين، وكل شيء قد حدث للفلبينيين، يحدث فيها”.

ويشير آرتشيلانا إلى أنه إذا لم تكن “مقهى طاقة الأدغال الفلبينية العظمى” هي الرواية الفلبينية العظيمة التي كنا ننتظرها، فهي من المؤكد الرواية الفلبينية الكوميدية العظيمة. على أية حال، مادتها هي المادة الخام التي ستُكتب منها الرواية الفلبينية العظيمة. هذه الرواية كوميدية بطريقة حزينة تفطر القلب، وتمتلك نوعا من الفخامة، فخامة خاصة بها وحدها؛ إنها مشحونة بالفخامة بطريقتها الخاصة التي لا تضاهى؛ فخامة الموسيقى، فخامة السحر، فخامة الشعر.

15