مقهى "طانطنفيل" صندوق ذاكرة مثقفي الجزائر

المقهى العريق رغم مرور 150 عاما على تشييده لم يفقد بريقه، وقد زاره عبدالحليم حافظ وشارل أزنافور والمفكر الفرنسي جون بول سارتر، والمناضل الكوبي تشي غيفارا.
الثلاثاء 2020/02/18
استراحة عشاق المسرح

الجزائر - على بعد أمتار قليلة فقط من المسرح الوطني “محيي الدين بشطارزي”، يقع “طانطنفيل”، أحد أشهر المقاهي الشعبية العريقة في العاصمة الجزائر، وأحد أبرز المعالم التي تقصدها نخبة من المثقفين والفنانين من داخل البلاد وخارجها.

في الطابق الأرضي لبناء فرنسي عتيق من ثلاثة طوابق، يطل على ميدان بورسعيد في قلب العاصمة الجزائر، يرحب مقهى طانطنفيل بمرتاديه من المواطنين والوجوه الفنية والثقافية، التي تقصد المسرح الوطني، وتعرّج إلى المقهى المحاذي له، طلباً للتمتع بأجواء المقهى الشهير.

وفي زيارة للمقهى العريق، يرى الزائر أن هذا الفضاء رغم مرور 150 عاما على تشييده لم يفقد بريقه.

ويحتوي المقهى التاريخي ذو الهندسة المعمارية الفرنسية، على شرفة كبيرة تضم طاولات كثيرة والعشرات من الكراسي، أمّا القاعة التي بداخله فتزينها الأقواس وصور عدد من الشخصيات التي مرّت عليه.

مقهى المثقفين والفنانين
مقهى المثقفين والفنانين

وشيد مقهى طانطنفيل في العام 1870 من قبل الأخوين الفرنسيين تورتيل، وهما اللذان استوحيا اسمه من (تورتيل طانطنفيل) وهي مؤسسة صناعة الجعة التي شيداها في “مورث وموزال” وهو إقليم فرنسي يقع شمالي منطقة اللورين بفرنسا بحسب مختصين وباحثين في التاريخ.

ويعتبر طانطنفيل مكانا مفضلا عند المثقفين والفنانين والإعلاميين وبقية شرائح المجتمع سواء لتناول الغداء بمطعمه أو لارتشاف القهوة والشاي على شرفته الواسعة المفتوحة على ساحة بورسعيد التي تتواجد بها سوق سوداء لصرف العملات الأجنبية (لا تخضع لأي رقابة قانونية).

ويضاف مقهى طانطنفيل، إلى عدد من المقاهي العريقة والتاريخية التي تشكل ذاكرة مدينة الجزائر مثل مقهى “التلمساني” المتاخم لساحة بورسعيد والمطل على البحر المتوسط، ومقهى”سوسطارة”، و”مالاكوف” بالقصبة العتيقة، و”ميلك بار” الذي فجرت فيه المناضلة زهرة ظريف بيطاط قنبلة خلال ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي (1954-1962).
ومرّ على المقهى العديد من أعمدة الفن الجزائري منهم الراحل الهاشمي قروابي، دحماني الحراشي، أعمر الزاهي، مصطفى كاتب، إضافة إلى فنانين من مصر زاروا البلاد مثل أم كلثوم، عبدالحليم حافظ، فريد الأطرش، والمغني الفرنسي شارل أزنافور، والمفكر الفرنسي جون بول سارتر، والمناضل الكوبي تشي غيفارا وغيرهم وفق شهادات.

تقول ليليا مجبر، وهي ناشطة في الحقل الثقافي، إنها تفضل أن تأتى إلى هذا المقهى، لأنه بجانب المسرح الوطني، ويتميز بالهدوء، واصفة إياه بأنه “المقهى الأهم بالنسبة لها”.

من جهته يقول عزيز حمدي، ممثل مسرحي، “طانطنفيل كان ولا يزال تكملة للمسرح الوطني محيي الدين بشطارزي، ويقال أنه في زمن الفنانين المسرحيين الكبار، كانت هناك مسرحيات طويلة تدوم من ساعتين إلى أربع ساعات، حيث كان المقهى يستضيف الجمهور عند مغادرته القاعة ليستريح أو ليتم تغيير الديكور”.

مقهى يكتسي رمزية كبيرة في الموروث الثقافي والتاريخي بالجزائر
مقهى يكتسي رمزية كبيرة في الموروث الثقافي والتاريخي بالجزائر

واعتبر المؤرخ والباحث في التراث الجزائري فوزي سعدالله، أنّ “مقهى طانطنفيل في نسخته الجزائرية اليوم مقهى ليس كغيره من المقاهي”.

وقال سعدالله، إنّ “المقهى المتربع منذ قرن ونصف القرن في ساحة بورسعيد ‘ساحة بْروسُونْ سابقا’ في قلب مدينة الجزائر شهد النور عام 1870”.

وأضاف، “المقهى ولد في سبعينيات القرن الـ19، وأسس في الأصل في منطقة مورت وموزيل شمال فرنسا على يد الأخوين تورتيل، ومنه جاء اسمه تورتيل تانتونفيل”.

وأكدّ المتحدث، أنّ طانطنفيل لا يزال يشتهر بشرفته الكبيرة الأسطورية المجاورة لمسرح محيي الدين بشطارزي.

ولم يخف المتحدث أنّ سحر المقهى استمر حتى ثمانينات القرن الماضي، حيث كان لا تزال تتردد عليه النخبة الفنية في العاصمة الجزائرية؛ “الموسيقيون والمطربون والشعراء والممثلون ورجال المسرح”.

من جهتها قالت الباحثة في التاريخ والآثار فايزة رياش، إنّ “مقهى طانطنفيل يكتسي رمزية كبيرة في الموروث الثقافي والتاريخي بالجزائر”.

وأضافت رياش، أنّ “طانطنفيل مقهى يعدّ ملتقى النخبة من الفنانين والكتاب والصحافيين الذين يقصدون المسرح الوطني لمشاهدة العروض المسرحية، كما يعتبر فضاء لتبادل الأفكار والنقاش بينهم”.

وأكدّت، أنّ “طانطفيل ذاكرة فنية وشعبية، تحكي جزءا من تاريخ مدينة الجزائر المقاومة”.

وأوضحت المتحدثة أنّ طانطنفيل إضافة إلى كونه ملتقى أهل الثقافة، كانت تحضر في مطعمه أشهى الأطباق التقليدية مثل “الطاجين، المشاوي، بوريكس (البورك)، وغيرها”، كما أن للعديد من الفنانين من مسرحيين وممثلين ومخرجين ذكريات مع طانطنفيل أحدهم هارون الكيلاني مخرج وكاتب مسرحي.

وقال الكيلاني،  وهو مخرج مسرحي “يبقى طانطنفيل هبة سحابية وعجائبية من زمن الراحلين المسرحيين وكتيبة أهل الفن الحق ويبقى القائمون عليه اليوم من أخيار الناس”.

20