مقهى "مرضى الزهايمر" يتنقل للعلاج في تونس

طبيبة نفسية تعتمد على الموسيقى لاسترجاع المرضى ذاكراتهم.
الجمعة 2020/10/30
جلسة أنغام وبهجة

بدأت فكرة معالجة المرضى بطرق أخرى للتخلص من الأدوية الكيميائية تتّسع في العالم، من ذلك الأمراض النفسية التي لم ينفع معها دواء الصيدليات والمخابر، بل زادت من تعكير حالاتهم الجسدية. في تونس ابتكرت طبيبة نفسية شابة طريقة للوصول إلى مرضاها بعيدا عن العيادات من خلال زيارتهم حيث هُمْ، معتمدة الموسيقى سبيلا ليسترجع مرضى الزهايمر ذاكراتهم.

تونس - اعتادت العديد من العائلات التونسية على إخفاء مرضى الزهايمر عن ذويها، كما أن الطب بقي عاجزا عن إيجاد علاج فعال لهذا المرض الذي يصيب الذاكرة، لكن طبيبة تونسية شابة تخوض تجربة فريدة في هذا المجال من خلال زيارة المرضى، حيث تعمل على تنشيط ذاكرات هؤلاء بالأنغام والفرح، فاللحظات الجميلة من الحياة كفيلة بأن تعيد لهؤلاء ذاكراتهم السعيدة.

واختارت منى عيساوي، أن تفتح أول “مقهى زهايمر” يقدّم المشورة والدعم للمصابين بهذا المرض، بعيدا عن أروقة المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية ودون ملابس بيضاء تذكّرهم بأنهم مرضى.

الفكرة أتت من عشق الطبيبة التونسية للموسيقى واختصاصها الأكاديمي في الطب النفسي، فمزجت بين الفن والطب للتخفيف عن مرضى الزهايمر. وبرعت هذه الطبيبة في استعمال الموسيقى لتحفيز ذاكرات مرضاها وجعلهم يتذكرون ويعبّرون ويغنون ويرقصون أيضا، لأن لحظات الفرح هذه كفيلة بأن تعيدهم إلى لحظات مماثلة عاشوها في حياتهم.

وتسعى منى البالغة من العمر 28 سنة، والحائزة على أول دكتوراه في علاج مرضى الزهايمر بالموسيقى، إلى مساعدة المرضى على تخطي معاناتهم النفسية في ظل غياب دواء يعالجهم.

ومرض الزهايمر هو فقدان القدرة على التعبير وجهل المحيط الذي يعيش فيه المريض وعادة ما تكون تصرفات المُصاب لامسؤولة. والدواء في حالة هؤلاء المرضى على الرغم من أهميته ليس الحل الوحيد لأنه يجعلهم يشعرون بالخمول ويتسبب لهم في مضاعفات جانبية على مستوى السلوك، أما الموسيقى فتنشط الذاكرة لاسترجاع بعض اللقطات من شريط الحياة.

العلاج بالموسيقى يعمل على تنشيط ذاكرة مريض الزهايمر بالأنغام، فلحظات كفيلة بأن تعيد لهؤلاء ذاكراتهم

وعلى عكس ما هو سائد بين الأطباء الذين يسارعون إلى فتح عيادات يستقبلون فيها زبائنهم، فتحت الطبيبة منى مقهى متنقلا تلتقي فيه بمرضاها.

ويبدو أن الشابة التونسية أخذت العهد على نفسها بأن تقطع مع ما هو سائد، فحتى اختيارها للمقهى يسير في هذا المنحى. فالطبيبة النفسية منى هي التي تتنقل بمقهاها بين المناطق، ذلك لا يمكنها من لقاء المرضى فحسب بل أيضا يمكنها من أن تلتقي بعائلاتهم وتقدم لها النصح في كيفية التعامل مع مرضاها.

وتقول منى “مقهى الزهايمر المتنقل يرتكز على فكرة أن المقهى هو من يتنقل إلى المرضى وليس العكس، خاصة وأن معظم سكان المناطق النائية يجدون صعوبة في تقبل فكرة العلاج”. وتؤكد الطبيبة أن الزهايمر من الأمراض التي يتحدث عنها الناس خلف الأبواب المغلقة، مضيفة أن التونسيين يتعاملون مع مرضى الزهايمر على أنهم “وصمة عار” ينتظرون وفاتهم، وهو ما يترتب عنه عدم لجوء العائلات إلى مساعدة المرضى أو عرضهم حتى على التشخيص، لذلك اختارت أن تذهب لهم حيث هم موجودون.

ومن خلال تجربتها في المقهى المتنقل وجدت هذه الطبيبة أن الجلوس في مكان مفتوح وتبادل الحديث مع أناس يشاركونك نفس المعاناة والتحدث معهم بلهجتهم العامية البسيطة بعيدا عن المفردات الطبية الصعبة، كلها عوامل تجعل الأمر مختلفا.

وتضيف أن ”نقدم الدعم لأقارب المرضى من خلال توفير المعلومات الكافية عن هذا المرض وإرشادهم إلى كيفية التعامل مع المصابين به، فتبادل التجارب يشعر عائلات المرضى بأنها ليست وحيدة”.

وتطمح منى إلى أن يصل مقهاها إلى جميع مرضاها في البلاد التونسية ممن ضاقت بهم سبل الحياة، وأن تسهم في تغيير عقليات الناس ونظرتهم إلى مرضى الزهايمر وأن تكون ذاكرة متنقلة لمن أفقدهم المرض ذكرياتهم.

Thumbnail
24