مقومات نجاح التجربة التونسية

الاثنين 2014/04/14

حين نعقد مقارنة بين كافة الدول التي شملتها موجة ما يسمّى بالرّبيع العربي، نستنتج أنّ التجربة التونسية تبقى الأوفر حظا والأقرب إلى النجاح. وبالفعل، فقد نجحت تونس في النأي بنفسها عن كل المآلات المروعة التي آلت إليها تجارب باقي دول الربيع، وحافظت على إمكانية أن يكون الانتقال من خريف التسلط والاستبداد إلى ربيع الديمقراطية والتعددية انتقالا سلميا وآمنا، أكثر من ذلك، فإنها نجحت إلى حد بعيد في تعطيل ممكنات النكوص الثقافي والردة التاريخية نحو عصر وسيط جديد. وفي الأخير، فرضت تونس نفسها كأفق وضّاء وسط محيط عربي معتّم ملبّد بنُذُر الفتنة والتكفير والحرب الأهلية، بل تكاد تبدو تونس وكأنها استثناء وسط مناخ يوشك أن يرتدّ فيه الرّبيع إلى خريف من الأعاصير.

ويبقى السؤال ما هي مقومات نجاح التجربة التونسية؟ بمعنى آخر، لماذا نجحت التجربة التونسية أو هي على وشك النجاح، في وقت توشك فيه تجارب دول أخرى على الفشل والإفلاس؟ باقتضاب، أعتقد أن هناك أربعة مقومات رئيسية ضمنت للتجربة التونسية هذا القدر من النجاح:

أولا، الإرث البورقيبي: يبقى الحبيب بورقيبة شخصية مثيرة للجدل، لكن هذا الجدل يحدث في المجال السياسي حيث يحتدم الصراع من أجل السلطة، غير أن الأمر ليس كذلك في مجال الوجدان الشعبي لإنسان الشارع بصرف النظر عن وضعه الاجتماعي، وهنا يمكن القول إن الصورة الرّاسخة في الأذهان عن بورقيبة والتي لم تستطع النهضة ولا الترويكا ولا السلفية الجهادية تغييرها هي صورة الزّعيم الوطني الذي ناهض الاستعمار بروح تحرّرية بارزة، وأقام أسس الدّولة الحديثة، وقاد تحديث مناهج التعليم في كل المستويات، وطوّر مدونة الأسرة، مستندا في ذلك على مصلحين تونسيين كبار من حجم الطاهر الحداد، وهو ما ترك أثرا حداثيا مبكرا على وعي الشعب التونسي. وبالجملة، فإن بورقيبة يعد من الديكتاتوريين القلائل في العالم الذين لم يكن يخيفهم ارتفاع المستوى الثقافي والتعليمي للشعب.

ثانيا، الطبقة المتوسطة: دون شك تعدّ الطبقة المتوسطة في تونس هي الأقوى من نوعها مقارنة مع المحيط العربي. ومعلوم لدى دارسي الفكر السياسي أن الطبقة المتوسطة هي سند الأحزاب وركيزة المجتمع المدني، وحاضنة المشروع الحداثي الديمقراطي. والملاحظ أن الطبقة المتوسطة في تونس شكلت حاضنة المقاومة السلمية والمدنية لصعود الإسلاميين، وأقامت سدا أمام هجمة الأعلام السوداء للسلفية الجهادية المستهجنة من طرف الشارع التونسي، والتي لم يبق لها من سبيل غير هامش يتضاءل لتنفيذ بعض الاغتيالات وممارسة العنف العبثي المجاني.

ثالثا، الجيش التونسي: ولابد من الإقرار بهذا، ليس ثمة أي مجال للشك في أهمية الحياد الإيجابي الذي مارسه الجيش منذ اليوم الأول من انتصار ثورة الياسمين، حين اكتفى دوره بحماية المنشآت الاستراتيجية للدولة، الوزارات، البنك المركزي، أهم المعالم السياحية، وركز على حماية الحدود الممتدة على طول الحدود الليبية والجزائرية أيضا، تاركا ساحة الصراع السياسي لأهله ولاعبيه، وهذا دون أدنى تدخل أو إيحاء بالتدخل، وبهذا النحو أمّن الجيش التونسي سلمية الصراع السياسي وحمى الدولة وحفظ أمن البلد في ظرف انتقالي عصيب ووسط محيط إقليمي مضطرب. وبالجملة فقد حمى الجيش الكعكة دون أن يطالب بنصيبه منها.

رابعا، المرأة التونسية: ربّما كان عليّ أن أعتبر المرأة التونسية المقوم الأول والأهم في نجاح التجربة التونسية. ذلك أنها رائدة الحراك المدني والسياسي والفكري منذ بدء الحراك الياسميني إلى اليوم. وقد لعبت المرأة التونسية طيلة السنوات الأخيرة دور الحاضنة الأساسية للسلطة المضادة، وتمكنت بفعل يقظتها من حماية مكتسباتها الحقوقية، وتجديد تطلعاتها نحو بناء مجتمع المساواة.

عندما زرت تونس أول مرّة- بعد انتصار ثورة الياسمين- أدركتُ حجم الرقي الحضاري لشعب تونس، ولا زلت أذكر هذا المؤشر المدهش: في صباح اليوم الموالي لهروب زين العابدين بن علي، استيقظ الناس كعادتهم وراحوا إلى أعمالهم، لم يهيجوا على بعضهم البعض كما انتظر منظرو الاستبداد، لم تتوقف أية مصلحة إدارية عن العمل، لم ينقطع لا ماء ولا كهرباء ولا خطوط هاتف، لم تتعطل وسائل النقل، فقط بعض المدارس الثانوية توقفت فيها الدراسة لأيام بسبب ارتباك التلاميذ، وإجمالا فلقد استمرّت الحياة كما لو أنها مبرمجة تلقائيا. أي نعم، بعد أسابيع قليلة عن نجاح الثورة، بدأ الناشطون يتداولون النقاش حول الانتخابات المرتقبة. كان هناك اتفاق عام على أن تكون فرص التمويل والإعلام متساوية بالنسبة لكافة الكتل والأحزاب. فقط، كان هناك أمر طارئ، كانت قناة الجزيرة قد بدأت تكثر من استضافة راشد الغنوشي والموالين لحزب النهضة، وكانت سرعة حزب النهضة في إنشاء فروعه في زمن قياسي قد أثارت الشكوك حول إمكانية بناء حزب “منسجم” بهذه السرعة، وأثارت شكوكا حول ما يسمى ”المال القطري”. وهكذا، كان التونسيون قد انتبهوا مبكرا إلى خطر الدّور القطري على مآلات الربيع العربي. قبل أن ينتبه الآخرون.

كاتب مغربي

9