مكاري يونان كاهن البركة يعكر التسامح الديني بمصر في مناخ شديد الحساسية

الأحد 2017/06/04
مكاري يونان يطرد الجان من الأجساد ويوقظ شياطين الفتنة

القاهرة - زار القمّص مكاري يونان كاهن كنيسة مارمرقس بكلوت بك، قبل أيام، مصابي الحادث الإرهابي الذي شهد استهداف حافلة تقل أقباطًا في زيارة لدير الأنبا صموئيل بالمنيا بمستشفى معهد ناصر للاطمئنان على صحتهم.

واستقبل المصابون بدموع الفرح القمص يونان الذي صلى لهم، وقدّم لهم بعض الهدايا التذكارية، ووصف ما حدث بأنه مصاب جلل أصاب المصريين جميعًا مسلمين ومسيحيين. وكانت إحدى الأسر المنكوبة قد استقبلت القمص يونان بترنيمة " أنا عايزك أنت يا صاحب القوات تشغل يمينك تعمل معجزات".

قبل ذلك كان التحول الذي طرأ على مكاري يونان، ذلك القس المسؤول في المؤسسة الدينية القبطية، من التسامح إلى التطرّف يثير التساؤلات. فما الذي يجعل شخصًا بشعبيته نال ثقة المسلمين فراحوا يستغيثون ويتبركون به يخاطر بحبهم له وتعاطفهم معه ويتطاول على الإسلام؟ كثيرون يقولون إن بركته المزعومة كانت بمثابة جواز مرور له ليفعل ما يشاء ويقول ما يشاء دون محاسبة متحديا المجتمع وثوابته ومتجاهلا الكنيسة وقوّتها، وعكست تصريحاته حول الدين الإسلامي تناقضا واضحا في شخصيته جعلته محل انتقاد وجدل من الكثيرين.

بالضبط كما أن لبعض الشيوخ المسلمين أخطاء كارثية في فتاوى تكفير المسيحيين تكفي واحدة منها فقط لتجريدهم من أحقيتهم في الفتوى إسلامياً، فإن لبعض القساوسة عظات تتسم بالتعصب الشديد تجاه المسلمين وأيضاً تكفي واحدة منها لشلحهم (طردهم) من الخدمة مسيحياً.

الأمر يصبح أكثر صدمة إذا صدرت تلك العظات المتعصبة عن شخص محبوب من الكثيرين، ودائما يشعل شمعة أمام تمثال السيدة البتول ويدّعي أنه يملك كرامات ومعجزات، هو القس مكاري يونان كاهن الكنيسة المرقسية في شارع “كلوت بك” بميدان رمسيس وسط القاهرة.

المواقف والعبارات المفرقة للشمل والوحدة الوطنية، يستمر برشقها القمص مكاري يونان بشكل دائم، فقد رفع صوته غاضبا قبل فترة بتصريحات إعلامية قال فيها 'إن الأقباط هم أصل مصر، وإن الإسلام انتشر بالسيف والرمح' وأضاف مخاطبا أحد المصريين المسلمين 'مصر مسيحية وجدك وأبو جدك مسيحيان'

شعبية القس كانت قد تجاوزت الأقباط ووصلت إلى جموع المسلمين، وقصده أبناء الطبقات الفقيرة من غير المتعلمين للتبرك به، اعتقادا منهم أنه قادر على حلّ مشاكلهم، فهو “كاهن البركة” يمنحها لمن يحتاجها.

من الطبيعي في مجتمع شرقي مثل المجتمع المصري مازالت الخرافات والشعوذة تطغى على بعض العقول البسيطة والجاهلة فيه أن يتصاعد نفوذ أشخاص مثل مكاري وغيره ممن يدّعون القدرة على التعامل مع العالم السفلي وإخراج الأرواح الشريرة من الأجساد.

بركة القسيس وقدراته الفائقة بشأن ما يتردّد حول معالجة المرضى تجاوزت حدود مصر إلى محيطها العربي، وأصبح نصف مرتاديه تقريبا مسلمات محجبات من ضاقت بهنّ السبل فتمسّكن بأمل حتى ولو كان زائفا في فك السحر وحلّ الخلافات الزوجية.

في شهر أغسطس من كل عام يذهب القمّص إلى محبيه في الولايات المتحدة وكندا ويشارك في النهضات الروحية للكنائس هناك وحيثما تحرك يمشي خلفه الآلاف للاستماع لعظاته.

الشهرة والهالة اللتان تحيطان به جعلتاه أشبه بالقديسين الذين يمتلكون قدرات خارقة عن البشر، لكن الأهم أنهما كانتا أيضا بمثابة طوق النجاة الذي يرتديه عند الوقوع في المحظور، أو عندما يطالب البعض بفرض عقوبات عليه إذا بلغ الشطط، ومن ثم فقد تحولت “بركته” لجواز مرور له يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء دون محاسبة متحديا المجتمع وثوابته متجاهلا الكنيسة وقوّتها.

تعكير التسامح الديني

مجلس النواب المصري يعكف حاليًا على إعداد مشروع قانون لمنع التمييز ودحض الكراهية بين أبناء المجتمع، وتجريم الحض على الكراهية ومحاربة المعتقدات الخاطئة التي تؤدى إلى إثارة الفتن بين المسلمين والمسيحيين، وساعد على ذلك فتنة الشيخ سالم عبدالجليل بتصريحاته التلفزيونية ضمن برنامجه على قناة المحور بوصف العقيدة المسيحية بأنها فاسدة وأن المسيحيين كفار.

واستمرارا للمواقف والتصريحات المفرّقة للشمل والوحدة الوطنية هاجم القس مكارى يونان الشيخ عبدالجليل عقب تصريحاته قائلا “إن الأقباط هم أصل مصر، وإن الإسلام انتشر بالسيف والرمح” وأضاف مخاطبًا الشيخ المسلم “مصر مسيحية وجدك وأبو جدك مسيحيان”.

من التسامح إلى التطرّف

مضمون تصريحات الكاهن “المحبوب” حول الإسلام ليست بجديدة وطالما تردّدت في الجلسات الدينية والعظات داخل أروقة الكنائس، لكن المشكلة كانت في التوقيت ونقل التصريحات إلى العلانية وعلى شاشات الفضائيات في وقت تعاني فيه البلاد من حوادث عنف طائفي عديدة وتفجيرات ضخمة تعرضت لها بعض الكنائس المصرية، وسعي المجتمع والدولة لمواجهة التطرف والتشدد وإنشاء المجلس الأعلى لمكافحة التطرف والإرهاب.

لم يكن رد الفعل الكنسي كبيرا تجاه تصريحات يونان ولم تأخذ الكنيسة الأرثوذكسية ولا القناة التي يعمل بها موقفا حازما منه خوفًا من تأثير شعبيته الجارفة.

زاد السخط والغضب من مسيحيين ومسلمين معًا وطالبوا بمحاكمته بتهمة ازدراء الأديان وفقا للمادة 98 من قانون العقوبات، وبالفعل تقدم المحامي سمير صبري ببلاغ إلى النائب العام ضده بتهمة تعكير صفو التعايش الديني ونشر ثقافة الكراهية وتكدير السلم المجتمعي وحددت له جلسة للمحاكمة في شهر يونيو الحالي.

ازدواجية وشطط

بالرغم من أن يونان رجل كبير في السن إلا أنه لم يحصل على درجة القمّص رسميا من الكنيسة واكتسبها شعبيا من جانب مريديه وهو ما شجعه على تقلد دور يقرّبه من زعامة الأقباط، بعد أن باتت الزعامة حلبة صراع يتبارى فيها بعض القساوسة. وكما يفعل صقر الكنيسة الأنبا مكاريوس أسقف عام المنيا (جنوب القاهرة) بتحدي الدولة واتهامها بالتخاذل أمام حوادث العنف الطائفي والمهادنة مع المتشددين عبر ما يعرف بجلسات الصلح العرفية، فإن مكاري تجاوزه إلى الهجوم على الإسلام ذاته بغرض الدفاع عن المسيحية وهو ما يعكس ازدواجية واضحة في شخصيته.

في أعقاب تفجيرات الكنيسة البطرسية في ديسمبر الماضي شدد يونان على أن من قاموا بهذه الأعمال إرهابيون لا يمثّلون الإسلام ويريدون إحداث فتنة وتفتيت عضد الأمة، ولا يمكن أن ينجحوا في ذلك، وأنها تزيد من محبته لإخوته المسلمين والتكاتف بين عنصري الأمة، لكن تصريحاته الأخيرة عكست تناقضا واضحا في شخصيته جعلته محل انتقاد من مسلمين ومسيحيين.

إحساس يونان بالتضخم جعله يستغل اقتناع الناس ببركته ونفحاته وجدد ما يعرف بـ”الظهورات المقدسة” التي تعدّ إحدى أهم القضايا الخلافية في العقيدة المسيحية، بعدما دعا سيدة خلال عظته الأسبوعية بالكنيسة المرقسية لتروي شهادتها عمّا قالت إنه ظهور للسيد المسيح على شاشة فضائية “الكرمة” المسيحية.

واستغل هذه الواقعة ليؤكد قدراته وقوة إيمانه التي جعلت المسيح يتجلّى معه على الشاشة، وعلّق على حديثها باكياً بعبارة “المسيح حاضر وسطنا” ما دفع الحضور للتصفيق، الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا في الأوساط الكنسية بين مؤيد لرواية القمّص ورافض رأى أن القناة لجأت إلى تقنيات الجرافيكس والمونتاج لإظهار المسيح على شاشتها ومن ثم زيادة نسب الإقبال والمشاهدة.

السخط والغضب ضد يونان يتزايد يوميا من مسيحيين ومسلمين معا، فقد طالبوا بمحاكمته بتهمة ازدراء الأديان وفقا للمادة 98 من قانون العقوبات، وبالفعل تقدم المحامي سمير صبري ببلاغ إلى النائب العام ضده بتهمة تعكير صفو التعايش الديني ونشر ثقافة الكراهية وتكدير السلم المجتمعي وحددت له جلسة للمحاكمة في شهر يونيو الحالي.

كذلك ظهرت ازدواجية مكاري أمام الضغوط والانتقادات بفبركة الصورة عندما تراجع عنها، ونشر فيديو جديدا برر فيه سبب بكائه بعدما روت السيدة شهادتها عن ظهور المسيح، وقال “بكيت لأنكم صفقتم وفرحتم بالصورة وأقول لكم دائمًا إن المسيح حاضر معنا لأنه يحضر في كل كنيسة”، وتابع “المسيح حاضر ويملأ كل مكان، ومن يدّعي أن المسيح ظهر إنسان جاهل، فالمسيح معكم لماذا تلهثون وراء صورة وتبحثون هل هي مونتاج أم صورة حقيقية؟”.

استثمار البركة

بركة يونان ظهرت منذ أربعين عاما عندما كان يأخذ اعترافات في مكتبه بالكنيسة في إحدى الليالي وسمع ضجيجًا داخل الكنيسة، فخرج ليجد اجتماعا لإحدى الأسر وشابا ملقى على الأرض، فصلى صلاة الشكر وصلاة المرضى، وإذا بالشاب يفيق ومنذ ذلك الوقت عرف عنه أنه رجل “مبروك” له قدرات فائقة.

الثوب الذي ارتداه يونان أصبح ستاراً داخل الكنيسة القبطية تتمّ من ورائه إدارة بزنس ضخم بعيداً عن رقابة الكنيسة وتحوّل إلى صناعة يتم من خلالها تغييب الشعب المسيحي وإبعاده عن صحيح العقيدة وإلصاق معتقدات جديدة بعيدة كل البعد عن العقيدة تخدم هذا البزنس وتكرس إمبراطوريته.

الجميع يلهث وراء بركة المعجزات مقابل مبالغ مالية طمعا في اتساع الرزق أو الشفاء من مرض أو فك العنوسة، وعندما راجت تجارة الرمال والزيوت ومن بعدها التحف الصينية داخل الكنيسة على سبيل البركة، كان للكاهن يونان رأي آخر وهو أنه إذا كانت التجارة بالقديسين على سبيل البركة رائجة وتدر الكثير من الأموال فماذا إذن لو تاجر بالسيد المسيح مصدر كل البركات؟

اختمرت الفكرة في رأس كاهن الكنيسة المرقسية فالشعب يقبل على القديسين التماساً لمعجزات الشفاء فماذا لو عرف الشعب أن المسيح بنفسه يقوم بعمل تلك المعجزات حبذا إن كانت علانية وعلى الهواء مباشرة؟

وجد يونان ضالته المنشودة في تعلّم السحر الأسود وبدأ في تجربة ما تعلّمه على نطاق ضيق وأخذ يجوّد صناعته حتى وصل إلى درجة الاحتراف وهنا قرّر الترويج لنفسه عن طريق كنيسته ذات الشعبية الكبيرة، وزعم أن المسيح يجري على يديه معجزات شفاء وإخراج الشياطين، وكان له هذا من خلال ذلك التطور الطبيعي لتجارة البركة، وذاع صيت الرجل وأصبح مريدوه يأتونه من كل حدب وصوب، وبزغ نجمه وسطع في سماء الكنيسة.

أصبحت كنيسة يونان قبلة الآلاف من المسلمين والمسيحيين كل يوم جمعة يستعرض فيها قوته وإمكانياته وتنقلها القنوات الفضائية المسيحية مثل قناة “الكرمة والشفاء”، التي يتّخذها منبرا لعظاته ولعرض قدراته وتجاربه في التعامل مع الشيطان إضافة إلى حشد الدعاية لنفسه.

الكثير من العقول لم تستوعب مسألة إخراج الشيطان من جسد الإنسان، وكثيرون يصفون تلك الأعمال بالدجل والشعوذة مع انتشار الدجّالين في الآونة الأخيرة، واتهمه البعض، ومنهم الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس السابق، بنشر الخرافات والسحر بما يتنافى مع العقيدة المسيحية ذاتها واعتبر بيشوي أن عصر المعجزات انتهى وطالب بوقف القس مكاري عن العمل وإحالته للتحقيق.

استخدم السحر الأسود في علاج المرضى

تاجر البركة لم يكتف بالسحر بل راح يروّج للفكر البروتستانتي في عظاته الأسبوعية ولجمهوره في الكنيسة المرقسية وينشر المذهب “الخمسيني” الذي لا تعترف به الكنيسة، مع ذلك لم يؤثّر شيء في الكاهن أو ينل من بركاته التي يؤمن الكثيرون بها، خاصة وأن البابا الراحل شنودة الثالث انحاز إليه في هذه المعركة واعتبر أنه شخص جيد يقوم بعمله وتمثل عظاته الفكر الأرثوذكسي الصحيح، وقال “احضروا لي كلمة مكتوبة أو مسجله خاطئة قالها أبونا مكاري. يا ليتكم تفرحون الشعب مثله”.

التصريحات التي صدرت عن رأس الكنيسة المصرية كانت سندا ليونان وأكسبته قوة ونفوذًا داخل الكنيسة وبين صفوف الأقباط واحتمى بالآلاف من أنصاره الذين يتباركون به، وأصبح قادرا على عمل أيّ شي بعيدا عن المحاسبة.

وحتى الاتهامات الموجهة والمسجلة لكاهن البركة والتي وصلت حد اتهامه بانحرافه الأخلاقي لم تنل منه، وأشاع البعض أنه يقوم بمعالجة الفتيات ممن لا تستطعن الإنجاب، فيتحوّلن لحوامل، وعرض البعض لنماذج قاموا بتصويرها وإرسالها إلى الكنيسة الأرثوذكسية التي أحالتها للتحقيق لكنها لم تتخذ موقفا متشددا منه خوفا من أن تتحول بركته إلى نقمة عليهم.

التحول الديني

يونان تعامل بذكاء شديد مع الاتهامات التي شككت في بركته وخرج منها بقوله “إن الشيطان يحارب الإنسان مستهدفا غير المؤمنين ويعمل على إيذائهم بكل السبل وأنه هو من يقوم بإخراج هذه الأرواح الشريرة”. واعتبر أن محاولات الهجوم عليه تعكس حقدا من القساوسة والشيوخ المسلمين بسبب طغيان شعبيته وحبّ العامة له.

لم ينحصر الجدل حول كاهن البركة وقدراته الخيالية فقط داخل المجتمع القبطي بل جاءت أيضا من الجانب الإسلامي وخاصة من التيار السلفي، واتهمه بعض شيوخها بالنصب والدجل، وتساءلوا إذا كان قادرا على شفاء المرضى فلماذا لم يعالج البابا الراحل شنودة الثالث من مرضه ولماذا لم يشف ابن أخيه المصاب بشلل الأطفال؟

واعتبروا أنه يوظّف هذه الأعمال الخرافية لتنصير المسلمات وإدخالهن في الدين المسيحي ويقوم بإلباس الحجاب لبعض المسيحيات وإظهارهن على أنّهن مسلمات لكي يشاهدهنّ الناس ويقتنعوا ببركته لجذب مزيد من المسلمات وتحويلهن إلى المسيحية.

ولأن التحوّل الديني قضية ذات حساسية في مصر تزيد من حالة الاحتقان المجتمعي قامت مباحث أمن الدولة إبان عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك بممارسة الضغوط والحصار على القس يونان وطالبته بمنع استقبال المسلمات من زبائنه، لكنه رفض وتسلّح بالبركة والشعبية اللتين يمتلكهما وتحدى السلطات وظلت طوابير المحجبات تقف على أعتاب كنيسته كل صباح جمعة طلبا للعلاج والشفاء من الأمراض المستعصية، وقال “أنا أعالج جميع الناس بمختلف أديانهم ومن مختلف الدول ولا أستطيع رفض طرد الشياطين عن أيّ شخص لأن هذا ما يمليه عليّ ديني”.

ورغم الاتهامات والشطط الذي يتميّز به القسّ مكاري يونان، سواء في طرد الأرواح الشريرة من الأجساد أو في مواقفه الدينية المتناقضة، إلا أنه ما زال يتمتع بذات الشهرة التي اقتنصها منذ أربعين عاما، فالناس لا تهمهم تصريحاته المتطرفة أو مواقفه المعلنة بعد أن ترسخ في عقولهم أنه رجل له كرامات تشفع له وتجُبّ كل ما يقال ضده وتغفر له خطاياه.

8