مكاسب المرأة السعودية تتتالى.. قانون يحميها من التحرش

يبدو أن أبواب حرية المرأة السعودية فتحت على مصراعيها، فبعد أن نالت حقها في قيادة السيارات، سيصدر قريبا قانون يحميها في العمل والشارع والجامعة، قانون يردع المتحرشين بالنساء، ما يسمح لهن بممارسة حقهن في العمل والدراسة بكل حرية، رغم أن التحرش ظاهرة عالمية لا تقضي عليها القوانين ولكن تحد منها.
السبت 2017/09/30
احذروا العقوبات القانونية

الرياض - يبدو أن أبواب الحياة فتحت للنساء السعوديات ليعشن كبقية نساء العالم يتمتعن بحقوقهن وحريتهن في التنقل والتسوق والتنزه، فبعد أن نلن حقهن في قيادة السيارات بأمر ملكي استحسنه الجميع، يأمر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بإعداد مشروع قانون يحميهن من التحرش بهن في الشارع وأماكن العمل والفضاءات العامة.

القرار الملكي جاء بعد السماح للنساء بالحصول على حقهن في قيادة السيارات في السعودية. ومن مكاسب المرأة السابقة السماح لها بالعمل مع الرجال في وظائف كانت تعد من قبل وظائف رجالية، ومنحهن حق التصويت في انتخابات المجالس المحلية المقبلة، والسماح لهن كذلك بدخول مجلس الشورى.

خروج المرأة السعودية إلى مجال العمل وتواجدها بالشارع يعرضانها للتحرش، ولأهمية مقاومة الظاهرة التي تفاقمت في المجتمع السعودي والتي كشفتها مواقع التواصل الاجتماعي، طلب العاهل السعودي من المسؤولين في وزارة الداخلية رفع المشروع في ظرف وجيز لا يتجاوز الستين يوما.

وأكدت التوجيهات الملكية أن “القانون يجب أن تحدد فيه العقوبات اللازمة التي تمنع بشكل قاطع مثل هذه الأفعال، وتردع كل من تسول له نفسه الإقدام على مثل ذلك”.

وتفاقمت معاناة المرأة السعودية مع خروجها للعمل والدراسة في غياب قوانين وإجراءات واضحة لمعاقبة المتحرش والذي غالبا ما يفلت من العقاب بسبب خوف المتحرش بها من الفضيحة لتصبح هي الضحية مرتين؛ ضحية المتحرش، وضحية قيود المجتمع التي تجعل من المرأة الحلقة الضعيفة أمام الرجل.

وكما شنت السعوديات حملات للظفر بحقهن في قيادة السيارة وهو حق اكتسبته المرأة في العالم منذ ظهور السيارات، أعلنت فتيات سعوديات حملتهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمقاومة مضايقتهن، فأثمرت بدعم ملكي مشروع سن قانون يعاقب المتحرش بالنساء، والذي يحظى بتأييد واسع من قبل تيار الليبراليين السعوديين رغم أنه من المتوقع أن يلقى رفضا من المحافظين، كما حصل في السابق.

أخصائيون: المتحرشون يبحثون عن تفريغ لسلوك سلبي وكبت، جراء خلل في التنشئة الاجتماعية

نهاية جدل

يرى الحقوقيون في السعودية أن القانون الجديد سيكون نقلة نوعية في حقوق المرأة السعودية، ويحد من خطر التجاوزات التي قد تصدر من شاب ضد فتاة أو من فتاة ضد شاب، باعتبار أن القانون لا يميّز بين الجنسين، وإنما يفصل في نوع التحرش الذي يبدأ من النظرة لينتهي بالإيذاء اللفظي والجسدي.

وأوضح المحامي فيصل المشوح لصحيفة سبق الإلكترونية “إنه من عام 2008 ومشروع مكافحة التحرش يدور بين أروقة الوزارات، تتقاذفه الجهات بين معارضة وموافقة ومتحفظة، حتى جاء الأمر الملكي الذي صدر من الملك سلمان بن عبدالعزيز لينهي الجدل، ونبدأ العمل ونقطع المخاوف التي كانت تتردد مع بعض المترددين الذين يظنون أن وجود مثل هذا النظام سيشرع للاختلاط والمعاكسات وهو ظن خاطئ”.

وأضاف أن مشروع نظام التحرش قسّم إلى عدة أقسام هي التحرش الجنسي، وهو التحرش بشخص آخر لغرض الحصول على خطوة ذات طبيعة جنسية، والتحرش الأخلاقي، وهو التحرش بشخص آخر عن طريق سلوك متكرر مقصود منه أو يقود إلى تدهور ظروف هذا الشخص في العمل والذي قد يضر بحقوقه أو بكرامته أو يؤثر على صحته.

ويرى حقوقيون أن الأمر الملكي مكسب للمرأة السعودية، لما يشكله التحرش من خطورة وآثار سلبية على الفرد والأسرة والمجتمع.

التحرش في الشوارع

انتشرت في السنوات الأخيرة فيديوهات لشباب يتحرشون بالنساء في الفضاءات العامة والأسواق والشوارع والجامعات، من ذلك مقطع فيديو لفتاتين سعوديتين تم التحرش بهما أثناء سيرهما في أحد الشوارع الجانبية يعتقد أنه يقع بحي النسيم شرق الرياض.

وظهرت فتاتان من خلال الفيديو إحداهما ترتدي العباءة فيما الأخرى لا ترتديها، ولكنها مرتدية بنطلونا وتي شرت وتضع لثاما على وجهها، وظهرت أيضا سيارة تقل عددا من الشباب يلاحقون خطواتهما ببطء ويتحرشون بهما لفظيا ثم تقترب السيارة ليتحرش أحدهما بالفتاة غير المحجبة جسديا.

وأثارت هذه الحادثة جدلا بين من يساند الفتاتين في حرية تنقلهما في الشوارع، وبين من يتهمهما بأنهما السبب في عملية التحرش لسيرهما ليلا بمفردهما وللملابس الفاضحة لإحداهما كما يرى المغردون الذين كتب أحدهم “فتاة متبرجة … تستاهل”، وأضاف آخر “إن النار لا تشتعل دون حطب”.

الحرية تسعد الفتيات

واستنكرت مغردة سعودية ذلك قائلة “لا أدري أين التبرج لا بد أن يحاسبوا المتحرشين”، واستطردت تغريدة أخرى “أنا أعتقد أن المشكلة في العقل والفكر وقانون الأنظمة”.

ويبدو أن الحق في قيادة السيارة سيساهم في التقليل من ظاهرة التحرش في الشوارع إذ أن المرأة ستستقل سيارتها بعيدا عن أعين المتطفلين الذين لن يرونها إن كان لباسها محافظا أو متبرجا.

الجدير بالذكر أن السعودية واجهت في وقت سابق قضية مشابهة أثارت جدلا واسعا عند ظهور فتاة تدعى خلود بمنطقة أشيقر قرب الرياض مرتدية تنورة قصيرة، وتعالت موجات الغضب السعودية ضدها والمطالبة بمعاقبتها حتى اعتقلت السلطات السعودية الفتاة واستجوبتها ثم أفرجت عنها، حيث ذكرت وزارة الإعلام السعودية أن الشرطة أفرجت عن الفتاة وأن المدعي العام أغلق القضية.

ظاهرة التحرش في السعودية لا تقتصر على المتبرجات، بل تطال النساء اللاتي يلبسن العباية السوداء، وقد وردت على موقع اليوتيوب مقاطع فيديو تبيّن التحرش بنساء يرتدين العباية ويغطين وجوههن وأيديهن في الكثير من الأحيان، مما ينفي تماما فكرة أن الملابس التي ترتديها المرأة هي التي تغوي الرجل وتدفعه إلى التحرش بها، ويظهر أن المشكلة الحقيقة هي لدى الرجل نفسه الذي لا يحترم خصوصية المرأة في الأماكن العامة.

ويقول الأخصائيون الاجتماعيون إن المتحرشين لا يهمهم نوع ضحيتهم، فهم يبحثون عن تفريغ لسلوك سلبي وكبت نفسي، جراء خلل في التنشئة الاجتماعية.

أماكن العمل

أماكن العمل هي الأخرى فضاءات تنتشر فيها هذه الظاهرة التي تزعج النساء لأن مكان العمل تمارس فيه ضغوط أكثر، إضافة إلى أن المرأة تخاف فيه الفضيحة أمام زملائها وزميلاتها.

وفي سنة 2013 كشفت دراسة ميدانية حديثة أجرتها شركة أبحاث عالمية أن السعودية تحتل المركز الثالث من بين 24 دولة في قضايا التحرش الجنسي في مواقع العمل، وأوضحت الدراسة التي أجريت على 12 ألف موظفة من دول المسح أن 16 بالمئة من النساء العاملات في السعودية تعرضن للتحرش الجنسي من قبل المسؤولين في العمل.

وبينت الدراسة الميدانية أن النسبة الأكبر من الموظفات اللواتي يتعرضن للمضايقات الجنسية أو التحرش الجنسي المتعمد في العمل تقل أعمارهن عن 35 عاما.

هالة الدوسري مدونة وناشطة سعودية تناضل من أجل تحسين وضع المرأة في المملكة، تقول “لي صديقة كانت تقوم بدورة تدريبية في مستشفى وقد لمس طبيب صدرها، وأرادت فضحه لكنها لم تجد أي إجراء إداري تسلكه لردع ممارسات الطبيب المعروف في المستشفى بسلوكه هذا مع الطالبات الشابات، فقررت إخبار عائلتها التي اختارت منع ابنتها من مواصلة التدريب في ذلك المستشفى”.

وتعلق الدوسري “هذه هي المشكلة الكبيرة التي تواجهها عدة نساء، فحالما تعلم الأسرة بالتحرش تقرر غالبا منع المرأة من العمل. لذلك، فوجود قانون يتيح الحد من التحرش في المدرسة أو الجامعة أو العمل سوف يقلل من العقبات أمام مستقبل المرأة”.

وإذا ضايق رجل امرأة في مكان العمل لن يعاقب بالتسريح من وظيفته، وتكتفي الإدارة إذا ثبتت إدانته بنقله إلى منصب آخر أو من مكان عمل إلى آخر على أكثر تقدير، لتبقى الضحية بحسرتها.

العادات في السعودية تملي على المرأة أن تتعامل مع الرجال بالكثير من المجاملة وأن تحدثهم بعبارات مؤدبة وأن تظهر لهم الاحترام لكي يشعروا بالاعتزاز بأنفسهم، وهذا ما جعل الكثير من الفتيات العاملات في الفضاءات التجارية يكتمن إحساسهن بالظلم جراء ما يتعرضن له من تحرش يومي.

جزاء كل متحرش

ومع ارتفاع عدد العاملات في الفضاءات التجارية انتشرت ظاهرة التحرش بهن يوميا، لكنهن لم يجدن الطريقة الناجعة لحماية أنفسهن وردع المتحرشين سواء من زملائهن العمال أو من الزبائن.

قالت رهف التي تعمل قابضة مالية في محل تجاري “أتعرض يوميا لمضايقات الشباب من الزبائن، وكنت أدعو حارس الأمن ليقف بالقرب من المحل ليمنع الإشارات المؤذية الصادرة عن الشباب، لكن ذلك أصبح لا يجدي مع تزايد الظاهرة، فأصبح الحراس لا يستجيبون سريعا لطلباتنا بل أصبحنا نواجه مضايقات من الحراس أنفسهم”.

وتضيف رهف التي أجبرتها الظروف على العمل في محل تجاري رغم رفض المجتمع لهذه الظاهرة “عندما أخبر أنا أو إحدى زميلاتي مشرف

العمل بالمضايقات التي نتعرض لها من زبون ما، لا يرد علينا لأن في اعتقاده أن الزبون أهم من العاملة، فهو الذي يستفيد منه، لكن مع الوقت تعلمت كيف أتحاشى مثل هذه المضايقات التي لا تتعدى بعض الكلام أو رمي رقم هاتف”.

ظاهرة التحرش ليست حكرا على السعوديين، بل تنتشر في صفوف العاملين الوافدين وخاصة منهم الذين يعملون في قيادة السيارات العائلية وسيارات الأجرة.

ونشرت مؤخرا طالبة سعودية على موقع تويتر حادثة تعرضها للتحرش مع صديقتها من قبل سائق إحدى سيارات الأجرة.

وقالت الفتاة في تغريدتها “حاول السائق التحرش بنا وحاولنا أن ننقذ نفسينا ونزلنا من السيارة أثناء سيرها، فقام السائق المتحرش بزيادة السرعة، فسقطنا على الطريق، وحاولنا أخذ أغراضنا ولم نتمكن”، وأضافت أن الواقعة حدثت في الرياض التخصصي بعد ميراج.

وطالبت بمحاسبة السائق الذي تسبب لها في إصابات وجروح أثبتتها بالصور، وتفاعلت معها شركة سيارات الأجرة وطبلت منها التواصل معها للقبض على المتحرش.

رخصة قيادة السيارات التي فازت بها السعوديات مؤخرا ستساهم دون شك في الحد من ظاهرة تحرش سائقي سيارات الأجرة وسائقي سيارات العائلة بالفتيات والنساء.

وتتعدد قصص الطالبات اللاتي يتعرضن للتحرش من قبل سائق العائلة أثناء توصيلهن إلى الجامعة أو الثانوية، بعضهن يروين ما يحصل لهن ومنهن من يخترن التكتم رافضات الركوب مرة أخرى مع السائق.

تقول الطالبة سمر أمين لإحدى وسائل الإعلام المحلية “تعرضت لمحاولة تحرش من قبل السائق الذي يوصلني إلى جامعتي، حيث لاحظت في أحد الأيام أنه يحاول التحدث معي دون، كما أنه بدأ الانحراف بالسيارة عن الطريق المعتاد للجامعة فهددته بأنني سألقي بنفسي من السيارة، ما دفعه إلى الخوف والرجوع إلى الطريق، وفي ذلك اليوم طلبت من والدي القدوم لأخذي من الجامعة، وبينت له عدم رغبتي في الركوب مع سائق مرة أخرى، دون إخباره بتفاصيل الموقف الذي يمكن أن يتسبب في مشكلات كبيرة”.

أما الطالبة لبنى عمر فقالت إنها تعرضت إلى تحرش لفظي من قبل سائقها الخاص في طريقها إلى الجامعة، وعندما أخبرت والدتها وأهلها قاموا بطرده.

وأضافت “دائما ما يحصل معي ومع زميلاتي تحرش بالألفاظ، ويحاول السائق النظر إلينا عن طريق مرآة السيارة، والتحدث معنا في أمور ليس له شأن فيها، ما يدفعنا إلى نهره، وتهديده بإبلاغ الشرطة عنه”.

وترى السعوديات أن مشروع القانون الذي سيكون جاهزا خلال ستين يوما سيكون صارما للحد من ظاهرة التحرش، مطالبات أن يعاقب القانون المذنبين بالسجن والخطايا المالية والتشهير بأسمائهم في وسائل الإعلام المحلية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، كما يجب أن يغطي القانون جميع أنواع المتحرشين من الرجال والنساء ومن جميع طبقات المجتمع.

20