"مكاشفات" تبحث في مفهوم الشعب وسلطته ومعارضيه

تفتتح الفرقة الوطنية للتمثيل العراقية في دائرة السينما والمسرح العراقية موسمها المسرحي الجديد، اليوم الأربعاء 6 وغدا الخميس 7 يناير الجاري، على خشبة المسرح الوطني في العاصمة بغداد، بمسرحية جديدة للفنان والمخرج غانم حميد تحت عنوان "مكاشفات"، وهي من تأليف الفنان الراحل قاسم محمد، الذي جسّد فيها الصراع الأزلي بين الدكتاتورية وضحاياها في إسقاط واضح على واقعنا الراهن؛ العراقي خاصة والعربي عموما.
الأربعاء 2016/01/06
طاغية يهزمه الحب

يواصل المخرج العراقي غانم حميد من جديد مشروعه الإبداعي الذي اشتغل عليه منذ عقود بكل ما ينطوي عليه من استثنائية، عبر رائعة مسرحية خالدة لفنان العراق الراحل قاسم محمد “مكاشفات” الذي منح -عن سابق إصرار وترصد- ثقته إلى غانم حميد ليعالجها برؤاه الجمالية والإبداعية المعروفة، حيث أسند أداء أدوارها إلى الفنانين: شذى سالم في دور عائشة بنت طلحة، وميمون الخالدي في دور الحجاج بن يوسف الثقفي، بالاشتراك مع الفنان فاضل عباس في دور خادم العرض، لتجسيد الصراع الأزلي بين الدكتاتورية وضحاياها في إسقاط واضح على واقعنا الراهن العراقي والعربي، عبر سيناريو عرض متين ومتماسك، ومن خلال فريق عمل فني متمكن ومحترف.

المخرج غانم حميد أوضح أن الراحل قاسم محمد كان قد أعدّ هذا النص من نصين آخرين لكاتبين عربيين هما: “مكاشفات عائشة بنت طلحة” لخالد محيي الدين البرادعي، ومقاطع من مسرحية “أنا ابن جلا” لمحمود تيمور، واستطاع بقدرته على توليف نص مختلف، تبعا لقدرة اللغة في النصين وطريقة استحضار شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي وعائشة بنت طلحة، وهما شخصيتان لهما في التاريخ تأثيرهما، وفي هذا النص لهما الحضور الجمالي الدرامي العميق.

وأضاف حميد: الجديد في هذا العمل، أن التاريخ يحاكي الحاضر بآليات معاصرة في قدرة التأويل وبناء الشخصيات واكتمال الخط البياني لكتابة الشخصية الدرامية وتعدد محطات الصراع بين مفهوم السلطة، ومفهوم الشعب، وبين مفهوم الدكتاتورية ومفهوم المعارضة، وذلك ما غازلني منذ عام 1995، عندما اقترح عليّ المبدع قاسم محمد فكرة أن أقدّم هذا النص بعرض يمثل هو فيه شخصية الحجاج على أن نضيف وقتها الممثلة العربية نضال الأشقر.

ميمون الخالدي: النص أظهر الحجاج عاشقا ولها بعائشة بنت طلحة بن الزبير

وأكد المخرج: هذه التجربة تمثل لي تحديا كبيرا، وأنا عارف وعالم بقدرتي وتطوّرها، وإلاّ من يجرؤ اليوم على أن يقدم مسرحية شعرية، بلغة فخمة ربما تكون قديمة في بعض بناءاتها وموزونة وتتوسل في بعض أماكنها بالقافية برغم ضعف قدرة التلقي العام.

بيئة درامية

عن الكيفية في معالجة هذه الانثيالات الشعرية بألفاظها الجزلة والبليغة من خلال شخصيتين فقط، يقول حميد: الشعر صورة، وبالإمكان ترجمة بعض الصورة وفلسفتها وفق صنع بيئة درامية، مسرحية متمكنة وذات تأثير عقلي ووجداني، عبر سحر الخشبة وتأثيرها وتقنيات العمل المسرحي، برغم ضعفها، وقدرة ممثلين هما أستاذان في فهمهما للمادة الدرامية التي يقدمانها.

لشذى سالم وميمون الخالدي قدرة معلومة في اللغة، وكذلك في الإلقاء، ولهما تميّز في التجربة الدرامية التي مضيا بها، وتفرّد في قراءة خاصة للشخصيات التي يمثلانها، فللثقافة والرؤية والمدخل الأكاديمي تأثير واضح على ظهور الممثل ومن ثمّ الشخصية، بشكل جمالي إبداعي مقنع ومثير.

وهناك أيضا الممثل فاضل عباس الذي يؤدّي خادم العرض وهي شخصية افترضها حميد، ليضفي بلياقته وحضوره على العرض سحر وجوده الدائم، مؤديا لأدوار شخصيات عدة، دون نسيان الفنان إحسان هاني مساعد المخرج الدقيق والحريص، ومديرة المسرح المخضرمة نهلة داخل المعروفة بحرصها ومتابعتها المحسوبة.

ويرى المخرج غانم حميد أن: العرض المسرحي ناجح بنجاح أدواته، والفريق الذي يعمل معي متمكن، فالضوء يقوده مبدع مجنون في مهنته ومبتكر في هذا المجال وهو علي السوداني، وكذلك الصوت ومقتضياته، وأنا من أثث المكان برؤية خاصة للديكور ومضامينه وتأويله، مع جرس موسيقي يقوده كريم كنعان وصفي، هذا الموسيقي المتمكن من تحريك السمع بمحطات قد تكون عازمة على فرض مناطق في العرض لها جمالياتها.

غانم حميد: العرض يلامس الواقع مباشرة، ما لنا والتاريخ إن لم يفرضه علينا الواقع

وفي خصوص رسالة العرض أوضح أن: العرض يلامس الواقع مباشرة، ما لنا والتاريخ إن لم يفرضه علينا الواقع ومتطلباته؟ العرض عراقي عربي وطني يبحث في مفهوم الشعب وسلطته والدكتاتورية ومعارضيها، والرسالة في أن تأتي أنت وتشاهد، وآليات تلقيك، وآليات بث العرض ومرسلاته، هي الفيصل في التجربة وتأثيرها عليك، وأنا مراهن على قدرة النص وقدرتي كمخرج وقدرة من يعمل معي، فجميعنا مبدعون.

بين الطاغية والإنسان

شذى سالم التي تمتلك حصيلة مميزة ومعروفة من التجليات الإبداعية على خشبات المسارح في العراق والعالم العربي عبر العشرات من الأدوار والشخصيات الرائعة، تعاود عبر تجسيدها لشخصية عائشة بنت طلحة في المسرحية حضورها ثانية مع المخرج غانم حميد بعد أن خاضت معه تجربتها الأولى في مسرحية “رجال جوف” لعادل كاظم.

عن العمل قالت سالم: العمل والدور يركزان على الإنسان وكيف يدافع عن حريته ووجوده الإنساني برغم كل الظلم الذي يقع عليه، وفيه إسقاط واضح على الواقع العراقي والعربي بكل تجلياته وإرهاصاته من خلال استحضار شخصية عائشة بنت طلحة التي أجسدها، وشخصية الحجاج بن يوسف الثقفي الذي قتل زوجها، والصراع الذي يدور بينهما في تمثيل لواقع العلاقة المتأزمة بين الإنسان ودفاعه عن حقوقه المهدورة، والدكتاتور بكل صلفه وجبروته وسحقه للقيم والقيم الإنسانية، فشتان بين الطاغية والإنسان.

ويقول ميمون الخالدي: المدهش في النص أنه أظهر الحجاج عاشقا ولها بعائشة بنت طلحة بن الزبير، فنحن إزاء لحظة ضعف يعيشها الحجاج بتلبسه بحب عائشة، وهو افتراض للمؤلف وليس من التاريخ، من هذه النقطة وجدنا مشروعية طلب الحجاج من عائشة أن تكاشفه على ما تدّعي من أنه كان ظالما وجلادا وطاغية، وسمح لها بذلك تحت تأثير هذا الضعف.

16