مكافحة الإرهاب.. إجماع عالمي على المخاطر واختلاف على سبل التصدي

الأربعاء 2017/10/18
المقاربة الفكرية قبل السياسية والأمنية

القاهرة – لم تعد المعركة ضد الإرهاب والفكر المتطرف تخص العرب وحدهم، ليس فقط لأن العالم في مرمى الخطر، بل لأن قضية تحرير العقل هي في الأساس إنسانية تجدر بكل إنسان.

ويرى مثقفون عرب ضرورة الاستفادة من التجربة التنويرية الغربية بما توصلت إليه من تأويل عقلاني للدين وتحرير للعقل الأوروبي، وهو ما أوقف المدّ الأصولي والنزاعات الطائفية منتجًا الحداثة والنهضة الغربية المعاصرة.

وراهن غالبيتهم على أوروبا التي تجاوزت الانغلاق الديني منذ زمن بعيد، متطلعين إلى إسهام المثقفين والمفكرين الغربيين بما تراكم لديهم من خبرات في ميادين الفلسفة والمعرفة والفكر، لتحرير الشرق من جموده.

ورغم الاتفاق على أنه لا بديل عن خوض المعركة الفكرية النقدية مع التراث الديني، بغرض تحرير الفكر العربي من الرواسب الأصولية الطائفية، لكن يغيب تعاون المؤسسات الدينية في الشرق التي تتجانب التشابك مع النصوص وإعادة تأويلها وإنتاج فقه معاصر وتغيير منهج التعاطي مع موروثات دينية غذت العنف بشكل مباشر وغير مباشر.

ويتجنّب علماء الأزهر مثلا اجتياز عتبة اعادة تأويل التراث معتمدا في التعاطي مع الإشكاليات الفكرية محل النظر على القراءة الأصولية التي لا تختلف كثيرا عن قراءة التيارات السلفية، الأمر الذي يشكك في جدوى لجوء البعض من الدول الأوروبية لمجهودات علمائهم وقد عجزوا إلى الآن عن تحرير الروح العربية الإسلامية.

وتواصلت جامعات في ألمانيا مع البعض من الجامعات لتدريس العلوم والعقيدة الإسلامية لطلابها، مع تنامي الاهتمام بتدريس مادة الدين الإسلامي في العديد من الجامعات الأوروبية لتخريج أئمة يساعدون على اندماج المسلمين في الغرب.

ويؤكد الخبير في شؤون الحركات الإسلامية سامح عيد أن ما تم إنجازه مجرد جهود نخبوية وفردية حيل بينها وبين القبول الشعبي بفرض ألوان من الإرهاب الفكري والدعاية الدينية المضادة والتعتيم الإعلامي عليها.

ورغم أن الغالبية على وجاهة خطوة تدريس الدين الإسلامي بالمدارس والجامعات الأوروبية، إلا أن الخلاف بشأن الإجابة على تساؤل: من المؤهل للمهمة بأسلوب علمي حديث يحقق على المدى المنظور هدف تجديد التراث وتخليصه من حمولاته المذهبية والطائفية؟

ونظر مفكرون عرب إلى عملية إخضاع التراث الديني للدراسة والمساءلة وتفكيك المقولات الظلامية بشكل علمي وتاريخي دقيق، كضرورة تتعلق بوجود الإنسان ومستقبله وليست ترفا فكريا هنا أو هناك، وإلا فإن الأرضية ستظل قابلة لنموّ التطرف وازدهاره وسط الجاليات الإسلامية في أوروبا كما هي في الشرق.

عرب راهنوا على أوروبا التي تجاوزت الانغلاق الديني منذ زمن بعيد، متطلعين إلى إسهام المثقفين الغربيين بما لديهم من خبرات

ووجد ممثلون للأزهر في خطوة الاستفادة بجهود دعاته بالبعض من الجامعات الأوروبية أنها تعكس وعيا بالأزمة وشعورا بالتحدي، بالنظر إلى ضخامة المهمة التي يلزمها منهجية توازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والدين.

وأوضح منسّق عام مرصد الأزهر لمكافحة التطرف محمد عبدالفضيل أن نشاط مؤسسة الأزهر في دول أوروبا يأتي في إطار خطة تعاون متكاملة مبنية على رؤية متبادلة ومتوافق عليها، مؤداها إعادة دمج المسلمين في المجتمعات الأوروبية.

وأشار إلى أن التعاون مع العديد من الحكومات والمؤسسات الأوروبية، يتضمن الإسهام في تدريس مناهج إسلامية منتقاة بعناية داخل الجامعات الأوروبية، ويستهدف تأهيل أئمة المساجد والتوسع في نشر المفاهيم الإسلامية الصحيحة عبر المنافذ الثقافية الغربية.

واتفق متابعون على ضرورة خوض معركة تحرير العقل المسلم لإخراجه من غياهب الماضي، في سياق مشروع متكامل لمنع انتشار الأصولية والتطرف بأوروبا، مشددين على ضرورة التنسيق مع المؤسسات الدينية بالشرق لنشر تعاليم الدين الصحيحة عبر مرجعية دينية يثق بها المسلمون في مختلف أنحاء العالم، بجانب جهود المثقفين والمبدعين والفلاسفة.

ويمكن أن تحقق الخطوة جملة من الأهداف، وغير مستبعد حدوث نقلة نوعية في سياق تطوير خطاب دعاة المؤسسات الدينية عبر الانفتاح على المدارس الفكرية الغربية، تتماشى مع اتصال مجددين عرب في السابق بالثقافة الأوروبية.

وتستند هذه الرؤية إلى أن الصراع في حقيقته بين الحضارة الإنسانية الحديثة التي تجمع شعوب الشرق والغرب في مواجهة أصولية القرون الوسطى، بصرف النظر عن انتمائها لأيّ دين، لا كما يروّج التيار السلفي المتشدد كونه بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي.

ونجح قادة جماعات الإسلام السياسي المنتشرة في عديد من المجتمعات الغربية في تصوير الغرب داخل ذهنية أتباعهم بوصفه قرينًا للكفر والانحلال الأخلاقي، مع ترويج صورة قاتمة للحداثة الأوروبية والمدنية العصرية والحريات والديمقراطية، باعتبار تلك القيم التقدمية مناهضة للمنهج الإسلامي وتصورات شريعته.

كما رسخوا مشاعر الكراهية عبر تنميط العلاقة بين الشرق والغرب وبين المسلمين المقيمين في أوروبا ومجتمعاتهم داخل إطار الصراع الديني والوجودي بين كفار ومؤمنين.

وكانت المسيحية الأوروبية وحدها تجاوزت تنميط القرون الوسطى اللاهوتي، فقد اعترفت بالحريات الدينية وأقرّت بحق العقائد والمذاهب الأخرى في الوجود.

ومع أهمية البعد الأمني وقدرة الأجهزة الأمنية على إحباط العديد من العمليات الإرهابية، إلا أن التحدي الحقيقي ظل متمثلًا في اجتثاث الفكرة الأصولية وإنبات الأفكار التنويرية داخل العقل المسلم بالغرب.

وأثبتت التجارب الممتدة مع الإرهاب أن الإجراءات الأمنية وحدها عاجزة عن القضاء على الفكر المتطرّف، ودفعت هذه القناعة مع تكرار العمليات الإرهابية داخل المجتمعات الأوروبية في الفترة الأخيرة العديد من المراكز المتخصصة والمتابعين للبحث عن حلول شاملة ومعالجات جذرية للحالة الإرهابية التي اجتاحت أوروبا.

يؤكد مفكرون أن تحرير التراث الإسلامي من انغلاقاته وتأويلاته المشوّهة التي تستخدمها الجماعات التكفيرية المتطرفة في تجنيد أعضائها، يمثّل إضافة إلى ما أنجزه الأوروبيون من ازدهار لحضارتهم.

13