مكافحة الاتجار بالبشر.. مشروع قانون يرى النور في تونس

يشكل الاتجار بالبشر نشاطا ضخما سريا عابرا للدول، ويشمل الرجال والنساء والأطفال الذين يقعون ضحية الخطف، والقسر أو الاستدراج لممارسة أشكال مهينة من الأعمال لمصلحة المتاجرين بهم. وتتخفى معظم هذه العمليات تحت ستار نشاطات شرعية يصعب استقصاؤها أو تتبع تحركاتها، ما يحتاج إلى سن قوانين صارمة وقادرة على مواجهة هذه الظاهرة. وفي هذا الإطار انعقدت الندوة الدولية لمكافحة الاتجار بالبشر في تونس بالتعاون بين وزارة العدل التونسية ومجلس أوروبا والمنظمة الدولية للهجرة.
الجمعة 2016/01/22
اللاجئون وجه آخر للاتجار بالبشر

تونس - تعرف القوانين الدولية الاتجار بالبشر بتجنيد الأشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر والاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال.

وهذا القانون الذي تم سنه سنة 2000 على أهمية بالغة على مستوى تحديد الإطار العام لهذا النوع من الجرائم بما يسهل عمل الهيئات المختصة في متابعتها، إلا أن سقف هذه الجرائم لم يتوقف، فهي تتخذ أنماطا عدة تكون عصية على الكشف في العديد من المناسبات.

وعلى اختلاف هذه القضايا المستفحلة على الصعيد الدولي وبأشكال مختلفة إلا أنها تلتقي في خانة المساس والضرر بالحرمة النفسية والجسدية للأفراد وتتعارض مع كل مبادئ حقوق الإنسان في العالم. وتعد تونس بلدا منشأ ونقطة عبور ومقصدا للاتجار بالبشر، ويشكل فيها النساء والأطفال والرجال بغض النظر عن سنهم أو وضعهم الاجتماعي أهدافا للمجرمين حسب المنظمة الدولية للهجرة.

ولهذا السبب وضعت السلط المختصة في تونس مشروع قانون أساسي يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته، وكان محور ندوة دولية بالاشتراك بين وزارة العدل التونسية ومجلس أوروبا والمنظمة الدولية للهجرة وحضرها عدد من المسؤولين التونسيين والخبراء الأوروبيين.

تثمين مشروع القانون

أكد عمر منصور وزير العدل التونسي لدى إشرافه على افتتاح أشغال الندوة الدولية التي كانت بعنوان “مكافحة الاتجار بالأشخاص: تبادل التجارب بين تونس وأوروبا”، خطورة ظاهرة الاتجار بالأشخاص وما تقوم عليه من ممارسات مهينة لكرامة الإنسان ومنتهكة لحرمته الجسدية، مشيرا في السياق ذاته إلى أن هذا النشاط أصبح يستحوذ على اهتمام المجموعات الإجرامية المنظمة التي بادرت بالاستثمار في تدفقات الهجرة الدولية وأصبحت تسيطر على أسواق اليد العاملة الرخيصة وشبكات الدعارة والتسول وتجارة الأعضاء البشرية وغيرها من أشكال الاستغلال المهينة للإنسان. وأوضح الوزير التونسي أن هناك العديد من المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة انخرطت في مكافحة هذه الظاهرة من خلال نشر الوعي بخطورتها وتعزيز قدرات الدول على التصدي لها وإبرام الاتفاقيات الدولية في مختلف المجالات ذات العلاقة بهذا النشاط المحظور.

علي منصور وزير العدل لـ"العرب": هذا النشاط أصبح يستحوذ على اهتمام المجموعات الإجرامية المنظمة التي بادرت بالاستثمار في تدفقات الهجرة الدولية

كما شدّد عمر منصور على أهمية مبادرة وزارة العدل بإعداد مشروع قانون أساسي يتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص ومكافحته والذي تمت إحالته على مجلس نواب الشعب وينتظر عرضه على المصادقة في الفترة القادمة.

وأكد استعداد وزارة العدل لتطبيق القانون المزمع إصداره وتحضير الأرضية المناسبة لتنفيذ المعايير الدولية وتطوير القدرات الوطنية في مجال التصدي لهذه الظاهرة في إطار من الجدية والحرفية المطلوبة بالتعاون مع العديد من الشركاء والمتدخلين سواء من القطاع الحكومي أو من منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية أو من عموم المواطنين.

علما وأن مشروع القانون الذي ينتظر المصادقة عليه قريبا اعتمد في تعريفه للاتجار بالبشر ما ورد في بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة الموقع في باليرمو الإيطالية سنة 2000. وحدد بوضوح أشكال الاستغلال والاتجار بالبشر وآليات العقاب والأحكام المدرجة في الغرض بين التشديد والتخفيف، إلى جانب آليات الحماية والمساعدة الموجهة أساسا لضحايا هذه الجرائم وباب خاص بهيكلة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص التي سيتم بعثها بالشراكة بين وزارات العدل، والداخلية، والدفاع، المرأة والأسرة والطفولة، إلى جانب مكونات المجتمع المدني.

ومن جانبها أكدت سميرة مرعي فريعة وزيرة المرأة والأسرة والطفولة أهمية مصادقة تونس على مختلف الاتفاقيات الدولية والأممية والبروتوكولات ذات الصلة بمنع الاتجار بالأشخاص وحماية الأطفال والنساء من الوقوع تحت وطأة هذه الجريمة اللاإنسانية الخطيرة، منوهة في ذات الوقت بأهمية المصادقة على مشروع القانون الذي أعدته وزارة العدل في الغرض ومشيرة إلى مختلف الخطوات والآليات التي تسعى وزارة المرأة والطفولة والأسرة إلى اعتمادها للوقاية من خطر الاتجار بالأشخاص ومكافحة العديد من الظواهر السلبية على غرار الاستغلال الاقتصادي والجنسي للنساء والأطفال.

أهمية المشروع وتحدياته

تمكنت المنظمة الدولية للهجرة بين سنتي 2012 و 2015 من التعرف ومساعدة 57 ضحية للاتجار بالأشخاص في تونس أغلبهم قادمون من أفريقيا (جنوب الصحراء)، وتم ذلك بالتنسيق مع المؤسسات الحكومية التونسية ومنظمات المجتمع المدني والقنصليات الأجنبية في تونس في إطار مشروع “شار 1 و2”. ومن بين الضحايا 36 ضحية من الكوت ديفوار (معدل 63 بالمئة) وتسعة ضحايا من نيجيريا (16 بالمئة)، فيما ينحدر بقية الضحايا الذين تم التعرف إليهم من تونس والكونغو والكاميرون وغانا والفلبين وكولومبي، وتتراوح أعمارهم بين 18 و52 سنة.

سلمى عبيد: تطبيق هذا القانون يحتاج الكثير من الإمكانيات وهو ما يجعل الأمر بمثابة التحدي

وتقول نجاة الجوادي رئيسة الإدارة الفرعية للرعاية الاجتماعية بوزارة الداخلية إن هناك أشكالا مختلفة للاستغلال أو الاتجار بالبشر وأهمها استغلال النساء جنسيا أو ما يسمى “الاستغلال في البغاء”، وقد تم رصد 500 حالة استغلال جنسي سنة 2015 نسبة 1 بالمئة منهم ضحاياها من الأطفال، و105 وسطاء في هذا النوع من الاستغلال نسبة 52.6 بالمئة منهم من الذكور. ويجري هذا النوع من الاستغلال حسب الجوادي في سياقات مختلفة كالسياحة الجنسية (داخل النزل، الشقق المفروشة)، وأشارت إلى بروز ظاهرة الاستغلال الجنسي في مراكز المساج والتدليك منذ سنة 2004 في تونس في النزل غير المصنفة. هذا إلى جانب الاستغلال عن طريق شركات التوظيف بالخارج التي تقوم بإبرام عقود وهمية يتم فيها التغرير بالضحايا عبر إيهامهم بالعمل كمضيفات أو فنانات لينتهي بهن المطاف للعمل مرغمات في الملاهي الليلية.

وذكرت الجوادي أنه رغم الجهود المبذولة من طرف وزارة الداخلية وعمليات المداهمة التي تقوم بها من حين إلى آخر إلا أنها تبقى عمليات محدودة الفاعلية.

وتقول سلمى عبيد مكلفة بمأمورية بديوان وزير العدل في تصريح لـ”العرب” إن مشروع القانون على غاية من الأهمية لأنه قام بتجريم ظاهرة خطيرة موجودة في المجتمع التونسي وكل مجتمعات العالم، وجرم أركان هذه الجريمة بصفة واضحة لا سيما وأن النصوص القانونية التونسية سواء في مجلة الشغل أو في مجلة حماية الطفل أو في المجلة الجزائية فقط تجرم صورا للاستغلال وجرائم مشابهة ولكنها لم تقم بتجريم الاتجار بالبشر بصفة مباشرة وكما وردت اليوم في هذا القانون الجديد.

وأضافت أن مشروع القانون الجديد سيقطع مع بعض النصوص القديمة التي كانت تعطي القاضي صلاحية الحكم في حق الضحية كما الحكم في حق المذنب. وأوضحت أن الأمر يحتاج الكثير من المجهود والآليات الكبرى لتفعيله وهو ما اتجهت إليه وزارة العدل التي عملت على تحضير الأرضية اللازمة لتطبيق هذا القانون من خلال تنظيم دورات تكوينية لفائدة القضاة وأعوان الشرطة ولفائدة إدارة الحدود والأجانب ومتفقدي الشغل ومندوبي حماية الطفولة للتعريف بهذه الظاهرة ولإعداد الأدلة والتعرف على الضحية، والحالات التي يحتمل فيها وجود ضحية، إلى جانب إنشاء الهيئة الوقتية لمكافحة الاتجار بالبشر والتي تعمل على التنسيق بين المتدخلين، والإشراف على برامج تعاون خارجية مع مجلس أوروبا ومع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بهدف صياغة إستراتيجية وطنية لوضع آليات لتطبيق القانون، مستدركة أن تطبيق هذا القانون يحتاج الكثير من الإمكانيات على غرار مراكز إقامة الضحايا وخدمات صحية ونفسية واجتماعية، وهو ما يجعل الأمر بمثابة التحدي.

وبينت ان هناك شهادات مسجلة تؤكد أن هناك شبكة لانتداب النساء الأجانب، أما الاتجار الداخلي واهم مظاهره عملة المنازل واستغلال القاصرات في الخدمة المنزلية بطريقة وحشية أو استغلالهن جنسيا أو القيام بافتكاك الراتب الشهري والدخول في المقايضة بين الوسيط والأب، هناك أيضا استغلال الأطفال في الحرف والتسول والتي ظهرت فيها شبكات كبرى في الفترات الأخيرة. لا يمكن الحديث عن إحصائيات دقيقة لكن يمكن الحديث عن مؤشرات نوعية. وكمية ظاهرة في المجتمع.

السباحة ضد التيار

وهو ما حمل وزارة العدل على الانطلاق من الهياكل الموجودة حاليا لا سيما تلك التي على ذمة وزارة الشؤون الاجتماعية والتي تعنى بالأطفال والشبان والنساء، حيث ستكون بمثابة المراكز التي سيتم تفعيلها في تطبيق هذا المشروع نظرا للخدمات التي تقدمها للضحايا المحتملين للاتجار بالأشخاص على حد تعبيرها. مشيرة إلى وجود دعم من وزارة الخارجية الأميركية ومن طرف جملة من الممولين بهدف إنشاء مراكز إيواء خاصة بالضحايا.

ومن جهته قال عمر اليحياوي (قاض تونسي) في تصريح لـ“العرب” إن مشروع القانون أحدث بين فصوله الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص ومن إيجابياتها انفتاحها على المجتمع المدني وخاصة المنظمات والجمعيات التي تهتم بحقوق المرأة وتشغيل القصر وغيرها من المنظمات الحقوقية، كما لم تقتصر الهيئة على المكون الرسمي التابع لوزارة العدل بل ستنفتح على العديد من الوزارات على غرار الداخلية والدفاع والشؤون الاجتماعية.

وأضاف أن وجود المجتمع المدني سيكون ذا أهمية بالغة في مراقبة ومتابعة جملة من القضايا والملفات وطرحها للمتابعة القضائية، فضلا عن أن تداخل جهود عدة أطراف أخرى في العملية وعدم احتكارها من قبل جهة معينة سيكون عامل دفع لبلورة هذا المشروع على المستوى العملي وفق المعايير الصحيحة الصادرة في نص القانون ووفق ما يتم العمل به على الصعيد الدولي في مثل هذه الملفات.

ولأول مرة سيكون المشرع التونسي مطالبا ببعث قانون يكون علامة فارقة في القانون الجزائي التونسي ولا سيما في ما يتعلق بالتعاطي مع الضحية التي يمكنها القانون من إعادة التأهيل وجبر الضرر وإعادة دمجها في المجتمع من جديد كطرف فاعل، ويقطع مع العادات التي تتجه نحو معاقبة الجاني في حال ثبوت التهم ثم تغض الطرف عن الضحية دون الالتفات إليها على حد تعبيره.

الضحية هي الأساس

تركز النصوص القانونية الدولية في مسألة الاتجار بالبشر على عدة معطيات وحلقات متداخلة لفك شفرة قضايا في هذا الإطار، لكن الضحية تبقي الرقم الأصعب في هذه العملية ككل، حيث ينص القانون على ضرورة تقديم أنماط خاصة من الرعاية تكون كفيلة بإعادتها إلى الانخراط من جديد في الحياة. وهذا الإطار لم تكن تونس من بين الدول المنخرطة في العمل به حتى وقت قريب، إذ كانت الضحية تدرج في خانة المذنب وتسلط عليها العقوبات بدل الرعاية.

نيكولا لو كوك: لا بد من التعاطي الصحيح مع ضحايا قضايا الاتجار بالبشر وحماية حياتهم

وفي هذا السياق تقول سلمى عبيد إن النصوص الحالية في تونس تعتبر في بعض الحالات الضحية شريكا في الجريمة أو تعتبرها فاعلا أصليا على غرار جرائم البغاء السري والتي لنا فيها مثال قضية الفتيات العائدات من لبنان مؤخرا واللاتي تم اعتبارهن فاعلات في الجريمة وتم الحكم عليهن بالسجن.

ولهذا فإن هذا القانون يكتسي أهمية بالغة أمام انتشار ظواهر الاستغلال الاقتصادي والجنسي التي تحتاج نصا شاملا يجرم هذه الأفعال ويضع أحكاما خاصة بالضحايا.

هذا واعتبر نيكولا لو كوز رئيس فريق خبراء مكافحة الاتجار بالبشر في أوروبا أن الاتجار بالبشر أصبح ظاهرة عالمية عابرة لكل الحدود وهو ما يجعل مثل هذه القوانين ذات أهمية خاصة وتساعد على توسيع دائرة النشاط الهادف إلى التصدي لمزيد انتشارها. وشدد على ضرورة التعاطي الصحيح مع ضحايا هذه القضايا عبر توفير الرعاية الصحية والنفسية وحماية حياتهم والحماية أثناء التحقيق والتعويض المادي أيضا، فضلا عن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية مع إيلاء الاعتبار لحقوقهم وسلامتهم وكرامتهم عبر إنجاز تقييم للمخاطر والسلامة التي تسبق إعادتهم للوطن، إلى جانب تقديم المساعدة من أجل إعادة الإدماج من قبيل التعليم أو المساعدة على إيجاد عمل. كما دعا لو كوز إلى تفعيل هذا القانون عاجلا حتى يتم القطع مع القوانين السابقة في تونس التي لا تكفل الحماية للضحية بل وتضعها في خانة المذنب.

وقالت باتريسيا لو كوك، وهي محققة تابعة للمركز الفدرالي للهجرة (بلجيكا) إن الضحية هي الطرف الأهم في مثل هذه القضايا وتحتاج إلى مستوى دقيق جدا من التعاطي يشمل عدة جوانب نفسية واجتماعية وقانونية، وهو ما توصلت إلى تجسيده بلجيكا بعد سنوات من التجربة في التعامل مع عدة قضايا في الاتجار بالبشر على حد تعبيرها.

وذكرت أن العملية على غاية من الدقة وتحتاج جملة من الخطوات التي يقوم بها عدد هائل من الخبراء على غرار جمع المعلومات التي تكون عبارة عن تقارير تقيم وتحلل الأوضاع العامة في بلدان الضحايا والتدابير المتخذة في قضايا الاتجار بالبشر والتي يتم الاستفادة منها على مستوى التعامل مع الضحية التي تخضع في الأثناء لمتابعة ورعاية خاصة على أيدي مختصين وضعوا لمتابعة مثل هذه الحالات ويمتلكون التجربة اللازمة لذلك.

6