مكافحة التشدد تستوجب الحرب على الجهاديين من الداخل

الخميس 2015/05/28
مواجهة المتشددين فكريا وأيديولوجيا يضعف خطورتهم

لندن- من الواضح أنّه لا يمكن تحقيق نصر على الإسلاميين المتشدّدين دون مواجهتهم فكريا وأيديولوجيا. وإلى اليوم وبعد مرور 14 عاما على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يبذل الخبراء إلاّ القليل من الجهد في سبيل تحقيق هذا الهدف. ورغم وجود مجموعة متنوعة من الذين اشتغلوا على موضوع التطرّف في الإسلام إلاّ أنّه يوجد نقص واضح في المناقشات التي تهدف في الواقع إلى تحديد معنى الجهاد، وفق ورقة بحثية صادرة عن موقع ستراتفور.

في الآونة الأخيرة، استعمل الخبراء مصطلح “مكافحة التطرّف العنيف”، وفي الماضي كانت مصطلحات من قبيل “مكافحة الإرهاب” و”اجتثاث التطرف” و”الاعتدال” أكثر انتشارا. وكل هذه المفاهيم تتناول جوانب ليس بينها اختلاف كبير في الرد على سؤال: كيف يمكن التصدي للتطرف عبر تجديد الفكر الديني؟

وبناء عليه، يسعى العديد من الخبراء اليوم إلى التوصل إلى إسلام معتدل كتلقيح فلسفي ضد التيارات الجهادية، ومنذ صعود تنظيم “الدولة الإسلامية” وإعلان “الخلافة” في المناطق التي تقع شرق سوريا وغرب العراق، هناك عدد متزايد من المحاولات التي تسعى إلى التوصل إلى فهم للإسلام يكون أكثر اعتدالا.

وفي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، قام عدد من المسلمين الفاعلين بتقديم أنفسهم كبدائل للإسلام الراديكالي. ومن بينهم من أصبحوا يسمون أنفسهم بـ”الإسلاميين المعتدلين”، “المحافظين التقلديين” أو “المعتدلين الليبراليين”، ويطالب هؤلاء، وعدد من الأنظمة في العالم الإسلامي، صراحة بتبني رؤية حديثة ومعتدلة للإسلام.

العالم لم يحقق على الأرض عديد المكاسب ضد الجهاديين في حرب الأفكار لأنّ الكثير من المسلمين يرون أنّها حرب ضدّ الإسلام

ومع تطور ديناميكيات الاعتدال بدأ العلماء يدركون أن مصطلحي “الاعتدل” و”الراديكالية” مضللين جدا، لأنها لا يستندان إلى النسبية في مسألة الأيديولوجيات الإسلامية، لأنّ الاعتدال في الأيديولوجيا والسلوك هو بالفعل ظاهرة معقدة، وتعريفه يزيد في صعوبة محاولة فهمه من جانب علماء السيـاسة وعلماء الاجتماع والفلاسفة.

ومع مرور الوقت، أصبح واضحا أنّ التفوق في الحرب على الجهاديين يتطلب التركيز على التطرف، وهو المحرّك الذي من شأنه أن يقود نحو الإرهاب. وبما أنّ التطرف يؤدي إلى عديد المشارب -وليس بالضرورة إلى الإرهاب- تمّ استخدام المصطلح الجديد وهو “مكافحة التطرف العنيف”.

وتدعو هذه المقاربة إلى نزع الشرعية عن الجهاد من خلال استهداف الروايات والمناهج التي تنصّ عليه، مما يشكل تحديا للطرق التي يسيء الجهاديون استخدامها وإعادة تعريف المبادئ الهامة للإسلام. على الرغم من أن صياغة أدبيات دينية مضادة تبدو وكأنها حل طبيعي، إلاّ أنها مهمة شاقة. ويتطلب الأمر اتخاذ قرار، إذ أنّ التاريخ حافل بالأمثلة لصراعات نجمت عن محاولات بعض المجموعات التي حاولت إملاء معتقداتها الدينية على جماعات أخرى.

وبالفعل تم تركيز قدر كبير من الطاقة لتعزيز الأدبيات المضادة، خاصة في الغرب، شملت حتى المجال الافتراضي، حيث يشير ماثيو ليفت، الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، على سبيل المثال، إلى “أنّ الولايات المتحدة لديها إستراتيجية تواصل مبتكرة بين الوكالات تتحدى رواية تنظيم القاعدة على برامج التواصل الاجتماعي تصل إلى آلاف المشاهدين”.

ماثيو ليفت: أميركا لديها إستراتيجية تواصل مبتكرة تتحدى رواية تنظيم القاعدة

لكن العالم لم يحقق على الأرض عديد المكاسب ضد الجهاديين في حرب الأفكار لأنّ الكثير من المسلمين يرون أنّها حرب ضدّ الإسلام. ولذلك، فإنّ أي رواية فعالة يجب أن تنبع من المسلمين أنفسهم. وبطبيعة الحال، فإن هذا يؤدي إلى مشكلة أخرى: تتمثل في ضعف مصداقية مناصري الاجتهاد، أو إعادة تفسير النصوص الدينية. ويعدّ الإسلاميون المتشددون بالمقابل الأكثر مهارة في تنزيل أفكارهم في سياق التقاليد الدينية الموجودة.

وعلى خلاف ذلك، يناضل أولئك الذين يفضلون تفسيرا أكثر اعتدالا للإسلام من أجل التوصل إلى وصفات معاصرة لما يعنيه أن يكون مسلم في العالم الحديث دون أن يكون الوحي سببا في امتيازه، وهو ما يجعل عديد المتطرفين والمحافظين والتقلديين في وضعية غير مريحة.

كما أن الخلافات الطائفية أدت إلى مزيد تعقيد الأمور. واعتبرت عديد الحلول التي تم اقتراحها لمعالجة هذه القضايا ورقة في أيدي المتطرفين، على سبيل المثال، هناك اقتراحات بأن تكون الصوفية بمثابة ترياق (مصل شاف) للسلفية، أو أن تواجه العلمانية الإسلام المتطرف.

غير أن محللين يرون أنّه وعلى الرغم من أنّ السلفية هي أول من جعلت الجهاد يكتسب زخما إلاّ أن الحل بيدها. ففي النهاية، يمكن أن تكون المنافسة الداخلية بين مختلف مدارس الفكر الإسلامي عاملا يساهم في إضعاف المتطرفين، بدلا من الجهود التي تبذلها الجهات الفاعلة خارج العالم الإسلامي لتغيير الأيديولوجيات.

ومع ذلك، فإنه لن يكون من السهل على هؤلاء داخل العالم الإسلامي، الذين يتبنون التغيير، أن يواجهوا صراعا مكثفا الحفاظ على مصداقيتهم، وأحيانا حتى سلامتهم الشخصية. لكن لا مناص من أنّ المسلمين، الذين لا يحملون الفكر الطائفي، هم الأقدر على مجابهة الجهاديين، إلاّ أنّ العملية تستوجب الاشتغال على مدى أجيال عديدة حتى تؤتي أكلها.

7